أخبار رئيسية إضافيةمقالات

حول مقال “الدولة الواحدة واقع”

ساهر غزاوي

 احتفت أوساط عديدة بمقال ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، الذي نُشر مؤخرًا في المجلة الأمريكية (فورين أفيرز) والتي تصدر كل شهر عن مجلس العلاقات الخارجية، والمقال بعنوان: “الدولة الواحدة واقع.. حان الوقت للتخلي عن حل الدولتين”، وبالمناسبة، فإن هذا المقال المطول تُرجم إلى العربية ونُشر في عدة مواقع لمن يرغب بالقراءة والاطلاع.

بَيْدَ أن هذا المقال الذي يُنَظِّر لفكرة حل “الدولة الواحدة” من حيث التوقيت لم يأتِ عبثًا، بقدر ما هو بمثابة الدعم لهذه الفكرة التي تطفو على السطح بين الفنية والأخرى كحل بديل قد يلجأ لطرحها الفلسطينيون الذين يُنَظِّرون لها، خاصّة بعد فشل “حل الدولتين” على أرض الواقع الذي يقوم على إقامة دولة فلسطينية ضمن الحدود التي رسمت في أعقاب حرب (نكسة) عام 1967، والتي تضم الضفة الغربية وقطاع غزة وشرقي القدس المحتلة.

وهو الحل (“الدولة الواحدة”) الذي لا يمكن تجنبه، بحسب الكاتب الذي لا يُخفي أيضًا أن قناعته ازدادت كثيرًا بضرورة التخلي عن “حل الدولتين” في ظل عودة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى السلطة في إسرائيل مع ائتلاف يميني متطرف، كما يصفه، ولا سيّما أن أعضاء من هذه الحكومة أمثال المأفون سموتريتش، لا يخجلون بتصريحاتهم العلنية التي ينكرون فيها الوجود الفلسطيني، ويدعون إلى إقامة “إسرائيل الكبرى” كدولة يهودية يكرس فيها القانون التفوق اليهودي على الجميع، بما فيهم الفلسطينيون.

تتعدد وتختلف أوجه الطرح لفكرة حل “الدولة الواحدة”، وهناك من أنظارهم تتجه نحو نموذج جنوب أفريقيا، الذي يُساق كنموذج بعد زوال نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) في دستور العام 1993 المؤقت، ثم دستور العام 1999 الدائم، الذي يعطي لكل مواطن في البلد، من حيث المبدأ، حقوقًا متساوية مع الآخرين، بغض النظر عن الأصل واللغة والإثنية والدين ولون البشرة، بحيث تتعايش الأقلية البيضاء، التي حكمت البلد بقوة السلاح وقوانين التمييز العنصري، مع الأكثرية السوداء وسائر الاثنيات على أساس نظام  “الصوت الواحد للفرد الواحد”، الذي طُبق في عملية الانتخابات منذ العام 1993. مع الإشارة هنا إلى أن هذا الحل لم يلغِ استمرار هيمنة الرأسمال “الأبيض” على الاقتصاد، وبقاء التمييز قائمًا.

ونموذج جنوب أفريقيا هذا يشبه إلى حد كبير ما يتم يتداوله في أوساط بعض الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم ومنهم نخب سياسية وأكاديمية من فلسطينيي 48 (حزب التجمع كمثال) الذين يتحدثون في رؤيتهم عن “الدولة الواحدة” في إطار دولة ثنائية القومية تحقق المساواة بين جماعتين قوميتين، وبحسب برنامجهم السياسي الذي يُنظر لدولة ديمقراطية- دستورية واحدة: “تقام الدولة الديمقراطية الواحدة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن، كدولة لكل مواطنيها مع اللاجئين الفلسطينيين، بحيث يتمتع جميع المواطنين بحقوق متساوية، إضافة إلى الحرية والأمن. هذه الدولة تكون ديمقراطية دستورية، تنبع سلطة الحكم وسَنّ القوانين فيها من إرادة الشعب، ويتمتع جميع مواطنيها بحقوق متساوية في الانتخاب والترشح لأي منصب والمساهمة في حكم البلاد”.

وفي الإطار، فإنَّ منظمة التحرير الفلسطينية (التي تأسّست في عام 1965) تبنّت صيغًا مختلفة للدولة الواحدة (قبل أن تتخلى عن هذا الطرح لاحقًا) في أواخر الستينيات وخلال السبعينيات وحتى الثمانينيات، فكان الهدف الأصلي لمنظمة التحرير الفلسطينية في إقامة دولة فلسطينية لجميع مواطنيها، وقد نص على ذلك الميثاق الوطني الفلسطيني المعدّل لعام 1968. وسعت المجالس الوطنية الفلسطينية حتى عام 1974 إلى دولة واحدة علمانية وديمقراطية في كامل فلسطين، مدعومة من 99% من الفلسطينيين.

بينما حركة “حماس” التي تملك القيادة الفعلية في منطقة قطاع غزة، ولديها أكبر جناح مقاومة عسكرية، وتسيطر أمنيًا على كامل قطاع غزة، وهي أحد أكبر فصيلين أو حزبين في الساحة السياسية الفلسطينية مع حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، فإن فكرة “الدولة الواحدة” بحسب رؤية “حماس” تكون على كامل التراب الفلسطيني من النهر إلى البحر، وفي إطار تفكيك المشروع الصهيوني كمشروع عنصري إحلالي توسعي، وتستند إلى تحقيق كامل حقوق الشعب الفلسطيني، وبالرغم من أنها (حماس) تبنت صيغة “حل الدولتين” في أعقاب الإعلان عن بيانها السياسي الجديد في عام 2017، إلا أنها لم تعد مؤخرًا تتطرق إلى برنامج إقامة الدولة على حدود 67، ويلاحظ أنها قد تخلت عنه خاصة بعد معركة (سيف القدس) عام 2021، وعادت تتحدث عن أصول الصراع على فلسطين والعودة إلى الحديث عن فكرة “الدولة الواحدة” بحسب رؤيتها وبرنامجها السياسي.

تتعدد وتختلف وجوه الطرح لحل “الدولة الواحدة”، غير أن مسألة ترتيب الدولة الواحدة موجود بالفعل في إطار الفكرة الصهيونية التي تنطلق من مبدأ قيام “دولة يهودية”، وتخضع للشروط الإسرائيلية، فبين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن، تتحكم دولة واحدة في دخول وخروج الأشخاص والبضائع، وتشرف على الأمن، ولديها القدرة على فرض قراراتها وقوانينها وسياساتها على ملايين الأشخاص دون موافقتهم، ولها شبه احتكار لاستخدام القوة، وتستخدم هذه القوة للحفاظ على حصار شديد القسوة على غزة والسيطرة على الضفة الغربية بنظام من نقاط التفتيش، والشرطة، وتوسيع المستوطنات بلا هوادة، كما يقول الكاتب ناثان براون.

ولن يتغير هذا الواقع إلا في حال تغير موازين القوى بصورها وأشكالها المتعددة، ولا يحلم أحد أن يكون هناك أي توافق سياسي بين أطراف الصراع يُفضي إلى حل عادل وشامل لأننا نعيش في قانون الغاب ومن يملك القوة يملك كل شيء ويستطيع فرض نفسه وإخضاع غيره لقواعده وشروطه.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى