أخبار عاجلةتقارير ومقابلاتعرب ودوليومضات

“الناتو” 2022.. أداة الردع الوحيدة بيد أوروبا

بعد سنوات من الارتباك والخلافات داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يعد 2022 أحد الأعوام الأكثر حسما ونشاطا في تاريخ الحلف منذ أوائل الثمانينيات من القرن العشرين.

آنذاك تصاعدت الحرب الباردة جراء اجتياح الاتحاد السوفيتي لأفغانستان، وإطلاق الرئيس الأمريكي رونالد ريغان (1981-1989) مبادرة الدفاع الإستراتيجي، ونشر واشنطن الصواريخ النووية “بيرشينغ 2” في أوروبا.

وكان الهدف الرئيسي لتشكيل “الناتو” في 1949 (يضم حاليا 30 دولة) هو ردع أي تهديد توسعي من جانب الاتحاد السوفيتي (آنذاك) في أوروبا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939-1945).

وعشية بدء روسيا حربها المتواصلة في جارتها أوكرانيا من 24 فبراير/شباط الماضي، خيمت تحديات خطيرة وغموض على مستقبل الاتحاد الأوروبي وعلاقته بـ”الناتو”.

وبينما كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب (2017-2021) يحث دول الاتحاد الأوروبي، وغالبيتها أعضاء في “الناتو”، على زيادة نفقاتها الدفاعية بشكل كبير، كانت ألمانيا في طريقها لتعميق اعتمادها على الطاقة الروسية عبر خط أنابيب “نورد ستريم 2″، في وقت وصف فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحلف بأنه أصبح “ميتا دماغيا”.

هذه المواقف تضاف إلى مناقشات لا تنتهي حول حاجة الاتحاد الأوروبي إلى الاستقلال الإستراتيجي، وهي سياسة كانت لتمنح روسيا دورا مهما في هيكل أمني جديد وخطط طموحة لجيش الاتحاد الأوروبي، وكانت ستجعل “الناتو” من بقايا الماضي.

لكن جاءت الحرب الروسية في أوكرانيا لتظهر ضعف الاتحاد الأوروبي وأن “الناتو” بمثابة أداة الردع الوحيدة التي تمتلكها القارة العجوز لمواجهة موسكو.

 

 إعادة تنشيط “الناتو”

في ضوء تحذير الاستخبارات الأمريكية من هجوم روسي على أوكرانيا ومدفوعا من انزعاجه من خطر الحرب، التقى أعضاء الحلف مع موسكو في إطار مجلس “الناتو” وروسيا في 12 يناير/كانون الثاني الماضي لمناقشة الأوضاع في أوكرانيا.

وأصرت روسيا خلال الاجتماع على أن يتوقف “الناتو” عن خططه لضم دول جديدة لعضويته (بينها أوكرانيا) وسحب قواته من دول أوروبا الشرقية الأعضاء في الحلف، فيما جدد الأخير تأكيد التزامه بسياسة “الباب المفتوح” وحق كل دولة في تقرير ترتيباتها الأمنية.

وفي 26 من الشهر ذاته، أعلن الأمين العام لـ”الناتو” ينس ستولتنبرغ عن استعداد الحلف لتكثيف الحوار على أساس مبدأ “حُسن النية مع روسيا” لمعالجة القضايا الرئيسية، وبينها الحد من التسلح وتقليل المخاطر، إضافة إلى الالتزام بالشفافية بشأن التدريبات العسكرية.

لكن في الوقت نفسه، سارع أعضاء “الناتو” إلى تقديم مساعدات عسكرية لأوكرانيا، وسمحت الولايات المتحدة الأمريكية في 20 يناير/ كانون الثاني الماضي بإرسال معدات أمريكية المنشأ إلى أوكرانيا، بينها صواريخ مضادة للدبابات وصواريخ “ستينغر” المضادة للطائرات.

وبحلول منتصف فبراير/ شباط الماضي، أرسلت بريطانيا 2000 صاروخ مضاد للدبابات من طراز “NLAWS” وعشرات من المركبات المدرعة من طراز “Saxon”، فيما شحنت بولندا صواريخ” Piorun” الجوية وكمية هائلة من الذخيرة إلى أوكرانيا.

كما منح “الناتو”، بداية من يناير الماضي، أوكرانيا إمكانية الوصول إلى منصة مشاركة معلومات البرامج الضارة التابعة للحلف، لتمكينها من مواجهة الهجمات الإلكترونية الروسية المكثفة على مواقع الحكومة الأوكرانية.

ومع بدء الهجوم الروسي في 24 فبراير الماضي، حطمت القوات الأوكرانية المنضبطة والمتحمسة والمرنة رؤية روسيا عن تحقيق “نصر سريع”، وبات واضحا نجاح مساعي “الناتو” في حقبة ما بعد 2014 لتضخيم قدرة أوكرانيا العسكرية عبر برنامج تحسين التعليم الدفاعي وحزمة المساعدة الشاملة.

وكان أول رد فعل للحلف على “أخطر تهديد للأمن الأوروبي الأطلسي منذ عقود” هو عقد اجتماع افتراضي لرؤساء دول وحكومات “الناتو”، بحضور فنلندا والسويد من خارج عضوية الحلف، في اليوم التالي لبدء الهجوم.

وآنذاك، كرر الحلف القول، في بيان، إنه لا يسعى إلى مواجهة مع روسيا، لكنه يؤيد حق أوكرانيا في الدفاع عن نفسها.

وسارع أعضاء “الناتو” إلى تزويد أوكرانيا بالأسلحة والذخائر، وأيد عدد من أعضائه الخطوة الأمريكية بتقديم المساعدة الأمنية الفورية في 25 فبراير الماضي، فتم نقل كميات هائلة من الأسلحة المضادة للدبابات ومدافع “الهاوتزر” والمدرعات وأنظمة الدفاع الجوي التي تشتد الحاجة إليها لمواجهة القوات الروسية.

وفي 26 أبريل/نيسان الماضي، جرى تشكيل مجموعة تجتمع شهريا وتضم العديد من أعضاء “الناتو” وتقودها واشنطن وكييف لتنسيق المساعدات العسكرية والإنسانية لأوكرانيا.

واستجابةً للوضع الإنساني المتدهور وتقارير عن سوء معاملة القوات الروسية للمدنيين في أوكرانيا، دعت الجمعية البرلمانية لـ”الناتو” خلال اجتماع في العاصمة الليتوانية فيلنيوس بين 27 و30 مايو/أيار الماضي إلى تشكيل محكمة دولية خاصة للتحقيق في جريمة العدوان ضد أوكرانيا ومقاضاة مرتكبيها، إضافة إلى دعوة أعضاء الحلف إلى مواصلة “بناء تحالف قوي لدعم أوكرانيا بكل المساعدات الممكنة”.

 

قمة مدريد ومستقبل الحلف

في قمته بمدريد في يوليو/تموز الماضي، وافق “الناتو” على زيادة الدعم المباشر لأوكرانيا عبر حزمة مساعدة شاملة تشمل معدات دفاعية غير فتاكة وأدوات لزيادة الدفاعات السيبرانية، مع الالتزام بمساعدة كييف في إعادة الإعمار بعد الحرب.

وأقر “الناتو” مفهومه الإستراتيجي الجديد لمواجهة التحديات والتهديدات العالمية الجديدة، ووافق على إطلاق صندوق الابتكار من أجل الاستثمار، إضافة إلى دعوة السويد وفنلندا للانضمام إلى الحلف.

وعلى هامش هذه القمة، وقّعت تركيا العضوة في “الناتو” وفنلندا والسويد مذكرة تفاهم بشأن حصول الدولتين الأوروبيتين على عضوية الحلف.

وتطالب هذه المذكرة فنلندا والسويد باتخاذ خطوات بشأن مخاوف تركيا وبينها تسليم المشتبه بهم بالإرهاب ورفع حظر الأسلحة مقابل موافقة أنقرة على عضويتهما في الحلف.

وفي 30 سبتمبر/أيلول الماضي، أدان رئيس الجمعية البرلمانية لـ”الناتو” جيرالد كونولي قرار موسكو إجراء استفتاءات لضم مناطق خيرسون وزاباروخيا ودونيتسك ولوهانسك الأوكرانية، مشددا على أنه “تصعيد خطير لن يتم الاعتراف به أبدا”.

وفي اجتماع لوزراء خارجية الدول الأعضاء بـ”الناتو”، يومي 29 و 30 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي في العاصمة الرومانية بوخارست، قال الحلف إن روسيا مسؤولة عن الحرب في أوكرانيا، وأدان الهجوم الروسي على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا والسكان المدنيين.

باختصار، أثبت “الناتو” في 2022 مرة أخرى أهميته بالنسبة لهيكل الأمن الأوروبي الأطلسي وحقيقة أنه أداة الردع الوحيدة التي يجب على أوروبا التعامل معها استنادا إلى الحقائق الجديدة في العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى