أخبار رئيسية إضافيةمقالات

إسرائيل والفاشية الدينية ووضع الرأس في الرمال..

صالح لطفي- بحث ومحلل سياسي 

بيـــــان

جاءت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت في الجلسة الحكومية الاعتيادية الأحد الفائت، حول القدس والمسجد الأقصى، صادمة للمحافل السياسية العربية والفلسطينية والإقليمية والدولية، فالرجل نسف بكلمات معدودات كافة القرارات الدولية ذات الصلة بالقدس والأماكن المقدسة، ولكنه لم يلق الترحيب المتوقع من جماعات اليمين الإسرائيلي على اختلاف مشاربها الأيديولوجية، مما يثير نوعًا من التساؤلات في ظل الحرب الشرسة التي يشنّها الليكود ومحوره اليميني ومعه التيارات اليمينية الدينية المختلفة الساعية لإسقاط الحكومة وتشكيل حكومة جديدة برئاسة الليكود أو انتخابات برلمانية جديدة يتوقع اليمين بقيادة الليكود أن يقود البلاد ويشكّل حكومة، علمًا أن رئيس الوزراء نفتالي بينيت هو الابن الشرعي للمدرسة الدينية الصهيونية ولكن هذه الحرب المعلنة عليه من اطراف كان يتغذى من فكرها حتى الامس القريب، يعود أساسًا إلى استحقاقات سياسية بينية (داخل اليمين).

عمليًا، ما صرّح به نفتالي بينيت هو المسكوت عنه اسرائيليًا، وهو عين السياسة التي تمارسها المؤسسة الإسرائيلية منذ عصر شارون وإلى هذه اللحظات، وهي سياسة تتساوق والايديولوجيا اليمينية بشقيها العلماني- المحافظ والديني الصهيوني، وبذلك تكون تصريحات نفتالي بينيت، بيانا سياسيا يؤمن به، وإن لم يكن بالإمكان راهنًا تطبيقه، ولكن يمكن العمل بمقتضاه.

يشكّل الإعلان الإسرائيلي الاثنين الفائت، عن موافقته على طلب الأردن زيادة عدد حُراس المسجد الأقصى بيانًا توضيحيًا لمرامي تصريحات بينيت للوهلة الأولى، بمعنى أنّها لم تكن للخارج. ومن المهم في هذا السياق، التّنبّه إلى أنّ العلاقات الإسرائيلية العربية بما في ذلك دول التطبيع العربي وطبعًا من بينها الأردن، تتم عبر البوابة الأمنية والعلاقات الأمنية وليس السياسية، ومن ثمّ كانت هذه الاستدراكات مهمة لقراءات صحيحة للأحداث ومجرياتها.

تـــوضيح..

في هذه المقالة التي ستكون على ثلاثة أجزاء، سأتناول الأبعاد الثاوية في تصريحات بينيت سياسيًا واستراتيجيا، محاولا سبر اغوار العقلية “البينيتية” المتخرجة من المدارس الدينية الصهيونية والتي تؤمن بمسائل الخلاص المسياني المادي وبعقليتي الادلجة والعسكرة، كضمانات للبقاء الصهيو-يهودي على هذه الأرض “الخلاصية”.

لست هنا بصدد تحليل الكلام الصادر عنه وتأثيراته الدولية والعربية، بقدر الحديث عن الشأن الإسرائيلي الذي بات ايقاعه السياسي يتقرر في المدارس الدينية اليهودية- الصهيونية “اليشيفوت” وحاخاماتها، وماذا يعني أن يدغدغ بينيت عواطف اليمين الديني الصهيوني على أمل بقائه السياسي، وكم هو هائل تأثير الفعل السياسي الداخل “الإسرائيلي” ومراكماته على الشأنين الداخلي، أي السياسات الداخلية البين إسرائيلية والمرتبطة، أو تلك المرتبطة بجدل العلاقة مع الآخر الفلسطيني.

المؤسسة الإسرائيلية بمكوناتها الأيديولوجية المختلفة المتخرجة من المدارس اليمينية، تعتقد أنها حققت إنجازًا تاريخيًا هائلا واختراقا غير مسبوق للعالمين العربي والإسلامي واضحت القضية الفلسطينية غير ذات شأن، خاصة مع استسلام مجموعات أوسلو إلى الواقع السياسي الراهن، وأنّه لا حل مع الاحتلال الإسرائيلي إلا بالتعامل معه إلى حين حدوث معجزة تُغير الواقع على غير ما هو عليه. وهذا الواقع الذي تحقق إسرائيليا من الضرورة الاستراتيجية استثماره لتحقيق مكسب مماثل استراتيجي، بله، ويتقدمه بخطوات كثيرة. وهذا الإنجاز ليس أقل من السيطرة المطبقة على القدس والمسجد الأقصى، وهي الفرصة التي تنتظرها منذ عقود. في هذا الخضم، تُفاجأ إسرائيل الدولة ومؤسساتها وكذلك سلطة رام الله، بزخم متعاظم من العمليات جاءت رد فعل على السياسات الاحتلالية في القدس والمسجد الأقصى وانتهاكاته المستمرة للمسجد وللمصلين، وبات المسجد الأقصى الناظم لزخم المواجهات بين الفلسطينيين والمؤسسة الاحتلالية ووصل الأمر ذروته يوم الاثنين الفائت، في خبر لصحيفة التايمز مفاده أنّ الاحتلال يبحث شنّ حرب على غزة أو جنين وتحديدا اليامون. وهذا يكشف عمق الأزمة التي باتت تحط رحالها في إسرائيل ولمَّا تبلغ بعد من العمر العقد الثامن.

التغيير في السلوك السياسي يتطلب مسبقا تغيير في الاحداث..

من الضرورة أن نتذكر أنّ حرب عام 2021 التي اسميت بـ “سيف القدس” فلسطينيا، و”حارس الاسوار” إسرائيليًا أرست معادلات جديدة. وعمليًا بدأت هذه الجولة في القدس ولكن مجرياتها وخواتيمها كانت في غزة، وبذلك تقعدت راهنًا معادلة سياسية جديدة هي القدس-غزة وليس بالضرورة أن تكون أدوات بيانها عسكرية بالضرورة، بما أنها تعتبر حربًا مفتوحة بين طرفين يعتقدان أنّ القدس والمسجد الأقصى هما محور الصراع، بعدئذ جنحت الحركة الصهيونية ومن بعدها المؤسسة الاسرائيلية بكل مركباتها، لتحقيق معادلة جديدة في الصراع، تكون قاعدته القضية الدينية، التي طالما سعى العلمانيون العرب والفلسطينيون لإخفائها، فيما بنت المؤسسة الإسرائيلية بدوراتها المختلفة العلمانية اللائكية والعلمانية المحافظة والصهيونية الدينية، رواياتهم ودولتهم ومؤسساتهم وكل ما يفعلونه مع الآخر (الجوي والجار) الفلسطيني على أساس ديني مخرجاته الأرض الموعودة وشعب الله المختار والهيكل الثالث.

كون القدس والأقصى اليوم، محورا للقضية الفلسطينية ضخّ دماءً بحيث أضحت القضية بدونهما لا شيء، ولا أُبعد النجعة إن قلت إنّ هذه القضية تجاوزت قضايا كبرى، كقضية اللاجئين في ظل التحولات الإقليمية الجارية في المنطقة، واستحالت بيانا وعلمًا للقضية الفلسطينية وللعرب والمسلمين، ومن ثمّ تتحول هذه القضية من محورها الفلسطيني، شيئًا فشيئا، إلى محاور عربية وإسلامية عالمية، وهو ما يؤسس مستقبلًا لتدويل القضية مجددًا، ولكن على أساس ديني تتخوف منه المؤسسات الدولية التي رعت قيام الصهيونية وإسرائيل كحل جذري للمسألة اليهودية وما يتداخل مع هذا الحل من تحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى، لعل أهمها وأخطرها بقاء التشرذم العربي وعقلية الدويلات والإمارات وتأبيد وجودها.

المؤسسة الإسرائيلية متنبهة إلى أنّ كل تغيير في السلوك السياسي وما يتبعه من مواقف يتطلب تغييرا مسبقًا في الاحداث ورسم وقائع جديدة تؤسس عليها نظريا وعمليًا، وهو بالضبط ما قامت به بعد الانتفاضة الثانية المعروفة بانتفاضة الأقصى، فقد استغلت الصيرورات الجارية، وفرضت واقعا جديدا تجلى في فرض نقطة شرطية داخلية وتواجد شرطي وأمني مكثف وإدخال أعداد من المقتحمين تحت حماية حِرابهم، ونَظّرت لنظريات التقسيم الزماني والمكاني وواجهت بعنف شديد ودموي المرابطين والمرابطات ومنعت ادخال ما تشاء من تجهيزات وأدوات ومواد للترميم، ومنعت الآلاف من المصلين من مدينة القدس والداخل الفلسطيني منذ ذلك التاريخ وإلى هذه اللحظات من دخول المسجد الأقصى، ونجحت في إحداث اختراقات في عديد الدوائر ذات الصلة بالمسجد الأقصى، والهدف من كل ذلك الوصول إلى لحظة القبول بالوجود الاحتلالي الإسرائيلي في المسجد الأقصى، وتصاعدت عمليات الاقتحام من وردية واحدة إلى ورديتين، وذلك بدعم وتعاون مباشر من الأجهزة الأمنية، وراكمت ذلك بأن أخرجت عام 2014 عن القانون عديد المؤسسات الخادمة للمسجد الأقصى، كان في طليعتها مرابطات من اجل الأقصى، ثمّ أخرجت كافة المؤسسات الناشطة في الداخل الفلسطيني من اجل المسجد الأقصى، وتوّجت ذلك بإخراج الحركة الإسلامية الشمالية عن القانون، وحظر العديد من رموزها وسجن زعيمها عدد سنين، طمعًا منها بتصفية الأجواء وتهيئة الارضيات للحظة السيطرة، والمؤسف أنّ هذه الخطوات تمّ بعضها بعلم من أنظمة عربية تحت لافتة محاربة الإرهاب والحركات الإسلامية.

كان التغيير في الأحداث كما ذكرت سابقا للمواقف السياسية، إذ بنيت عليه استراتيجيات كاملة، ويمكن لمن ملك الوقت أن يطّلع على عديد الأوراق التي تناولت وضعية المسجد الأقصى وتغيير الوضع القائم “الستاتوس كفوو” وأننا أمام واقع جديد فرضته الاحداث لا يمكن النكوص عنه، وهذا الوضع المستحدث لاقى قبولًا من كافة أطراف الطيف السياسي الإسرائيلي، بما في ذلك المركز باستثناء القوائم العربية وميرتس في مرحلة معينة.

تجربة البوابات..

في عام 2017 عقب أحداث المسجد الأقصى في الرابع عشر من يوليو، أصدر نتنياهو أوامره بإغلاق المسجد الأقصى ومنع صلاة الجمعة، في سابقة تاريخية لم تحدث منذ الاحتلال البريطاني عام 1917. كما جرى اعتقال 58 شخصًا من موظفي المسجد الأقصى ونصب الاحتلال في السادس عشر من ذلك الشهر، ما عُرِف بالبوابات الالكترونية، نجم عنه اعتصامات ومواجهات فلسطينية أجبرت المجلس الأمني المُصغر في ذلك التاريخ، على إزالة البوابات الالكترونية ليدخل الآلاف من المصلين المسجد، في يوم مشهود.

سقطت تجربة البوابات وسقطت معها ثلاثة حواجز: حاجز الخوف وحاجز الردع وحاجز السيطرة، وأدرك الاحتلال أنّه بحاجة إلى محاولات متجددة لإعادة السيطرة والخوف والردع، فكان دور الهيئات الدينية الصهيونية التي تمارس الإرهاب اليومي في الضفة الغربية لتقوم بدورها في المسجد الأقصى، ولكن ضمن إيقاع سياسي يخدم المصالح العليا التي وضعت مطلع هذه الالفية، وفي مقدمتها السيطرة، وتحقيق عملي فعّال للتقسيم الزماني كمقدمة للتقسيم المكاني، وهو ما فشلت فيه حتى هذه اللحظات المؤسسة الاحتلالية، وبما أن ورقة القدس/لاقصى، ورقة رابحة لكل طرف يتعامل معها، فقد ذهب نتنياهو بعيدًا هذه المرة مع خسارته السلطة، نحو استنفار مستمر للصهيونية الدينية الفاشية ممثلة بمجموعات “كهانا حي” و”لهافا”، وبن غفير ممثلا لحزب قوة يهودية (الذراع السياسي لحركة كهانا حي المحظورة، رغم ان فيه بقايا الاتحاد القومي الصهيوني الديني المتفكك عام 2013 والمعروف بعدائه العقدي للفلسطينيين وضم غلاة الصهاينة العلمانيين والمتدينين الصهاينة كحركة شبيبة التلال) ودوره المرسوم راهنًا، دفع الأوضاع لمزيد من التوتر والفوضى والضغط الموصل الى الانفجار.

الاحتلال الإسرائيلي بكافة مرافقه يضع رأسه في الرمال، وكأنه لا يرى ما يفعله اليمين واليمين الديني المتصهين في الضفة الغربية من جرائم يومية، وما يسعى إليه في المسجد الأقصى المُبارك، وهو إذ يمارس البغي والفجور السياسي على مستوى الداخل الإسرائيلي الحزبي والسياسي، فهو يمارس الطغيان والعربدة في القدس والبلدة القديمة والمسجد الأقصى المُبارك، تحت حماية وحراسة قوات الامن الاحتلالية، فبينيت اليوم يبحث عن مكان تحت شمس الصهيونية الدينية لعله ينجو.

يتبع..

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى