أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالاتومضات

ظننت أني أعرفه

منى وجيه فياض (أم أنس)

أنا لست ممن يحبون الإعلام والظهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقد تستغرب أني لا أملك حساب فيسبوك ولا حتى واتس آب. ولكنني قررت أن أكتب من باب “أُحب الصالحين ولست منهم” لعلي أنال بهم شفاعة، وأكره مَن تجارتُه المعاصي وإن كنا سويا في البضاعة.

كثيرون هم الذين كتبوا وأسهبوا في الشرح عن مناقب الدكتور سليمان أحمد وعن أعماله، وعن تضحياته لأجل رفعة مجتمعه ولأجل إصلاح أفراده. كتبوا ما يعرفونه عنه وما أعرفه عنه، رغم أن هناك الكثير من الأعمال التي لم أكن أعلم بها، ولكن المحنة التي مررنا بها، بل قل المنحة، أظهرت لي الكثير من مناقب أبي أنس وخفاياه التي لم أعرفها رغم وجودي معه منذ خمسة وثلاثين عاما، حيث حصلت معه مكرمات، ولن أسميها كرامات، لأن الكرامات تخص الأنبياء والأولياء والشهداء، والمكرُمات هي عطايا ربانية تُمنح لعباد الله الصالحين الربانيين الأتقياء الأنقياء الذين أحسبه منهم، ولا أزكي على الله أحدا.
كثير من الأحداث حدثت مع زوجي العزيز الدكتور سليمان قبل وقوع الحادث بشهر تقريبا. لاحظت أن عبادته قد ازدادت وكثر صيامه، وهو كثير الصيام والله أعلم. لكن صلاته وصيامه لم يكونا كالمعتاد. حقا أنني لاحظت أنه يصلي في أوقات مكروهة بها الصلاة فسألته مستغربة!! فقال: لقد استفتيت في ذلك وقالوا جائز لقضاء ما فاتني.

كنت ألح عليه بالسؤال: بالله عليك هل سيحدث معك شيء؟ هل رأيت رؤيا ما؟!! يبتسم ويقول: لا والله يا أم أنس، اليوم الذي يذهب لا يعود فاستغلّيه.. فإذا بالمعتدي يطلق النار عليه ثماني رصاصات إجرام وغدر وكأنه “أُلهِمَ” بأن شيئا ما سيلمّ به. أليست هذه مكرمة من المكرمات!!!

وكأنه أكثر من النوافل لا لقضاء ما فاته إنما لقضاء ما سيفوته لأنه قضى أياما ليست بالقليلة دون صلاة ولا صيام إلا صلاة المريض الذي ليس عليه حرج دون ركوع ولا سجود ولا حتى وضوء.

والمكرمة التي مُنحت له، وهي الأهم، رعاية الله له وحفظه من تلك الثماني رصاصات التي كانت كفيلة بموته وبإنهاء حياته، ولكن شاء الله عز وجل أن تنقذ روحه المؤمنة المتوكلة على الله.

والعجيب في أمر زوجي أنه كان يردد “أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله” من وقت إطلاق النار حتى دخوله غرفة العمليات.. أليست هذه مكرمة من المكرمات!!!

والكل يعلم أنه رقد في العناية المكثفة (التي طالما كنت أتساءل عن كيفيتها وعن وضعها حتى رأيتها بأم عيني) ثلاثة أيام موصولا بأجهزة التنفس الاصطناعي لا يسمع لا يرى ولا يتحرك طبعا. وفي اليوم الثالث بفضله تعالى بشرونا بأنه فتح عينيه وتكلم وطلب أن يرى أم أنس. يا لها من فرحة عارمة، فدخلت وكنت أول الداخلين فإذا به يقول لي: أريد ماء زمزم. يا الله! اندهشت وقلت له: من أين آتي به والوقت لا وقت عمرة ولا حج؟ فألح بالطلب، فقلت له: توكل على الله سنتدبر أمر ماء زمزم. وطلب مني أن أرقيه بآيات الشفاء وأدعية الشفاء قال: إقرئي كل آيات الشفاء وأدعية الشفاء التي تحفظينها وبصوت عالٍ.. يا الله أليست هذه مكرمة من المكرمات!!!

وكان يردد ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله بصوت عال جلجل غرفة العناية المكثفة، فقلت له: اخفض صوتك. فقال لي الممرض: اتركيه هو أحسن من غيره، الكل في مثل حالته يمطرنا بالشتائم والمسبات. فقلت له: زوجي مؤدب لا يشتم ولا يسب.

وبعد ما علم الأحبة أن أبا أنس يريد ماء زمزم أخذوا يتسابقون في إمدادنا بماء زمزم المبارك، بارك الله في جميعهم.

وصف الأطباء وضع أبو أنس الصحي بالخطير جدا. كان جسمه مليئا بالجروح والندب والغرز وآثار الرصاص الغادر، ورغم كل هذا لم يطلب حبة مسكن واحدة لتخفيف آلامه لأنه لم يكن يتألم، مما جعلنا والأطباء مندهشين كيف لا يتألم بوضع مثل هذا؟!

أليست هذه مكرمة؟!!! نعم إنها من مكرمات الله عز وجل لأهل الصلاح والتقوى، فمن نهج نهج الصالحين أعطاه الله عز وجل الثبات والرفعة، ومن كان مع الله كان الله معه وفي معيته.

كنت أعرف أن زوجي محبوب بين الناس وله معزة في قلوبهم، ولكن ليس بهذه الصورة، حيث أن كل من سمع بمصابه بكى حرقة ولوعة عليه، وكل من عرفه من شرق الأرض إلى غربها دعا له بالشفاء العاجل، بل وصلنا عبر منصات التواصل الاجتماعي فيديوهات ذبح لأضحيات من محبيه بنيّة الشفاء وتوزيع الأضاحي على الفقراء والمساكين.

وأخيرا لا بد من كلمة شكر وعرفان لكل من واسانا وسأل عنا ووقف إلى جانبنا في محنتنا تلك، فبارك الله في الجميع وجزاهم الله كل خير.

ولا يسعني إلا أن أشكر المعتدي الذي جعلنا نجني من وراء فعلته النكراء الخير الكثير الكثير وأولها أنه وضعنا في خانة المبتلين الصابرين الراضين بإذن الله تعالى، وبسببه جُسدت لنا قيمة التسامح والعفو على أرض الواقع؛ أقول جُسدت لأن ذلك بفضل الله وكرمه وإرادته.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى