أخبار عاجلةمقالاتومضات

تسعيرة القتل في المجتمع العربي… والخدمة مضمونة حسب الطلب! تفاصيل مذهلة

الإعلامي أحمد حازم

في نهاية كل عام، وتحديدًا خلال فترة عيدي الميلاد ورأس السنة، تشهد المخازن الكبيرة، ولا سيما مخازن الألبسة، تنزيلات كبيرة على الأسعار لجذب الزبائن في تلك الفترة التي تُسمّى بالإنجليزية (Sale)، وبالفرنسية (Vente)، وبالألمانية (Verkauf). ولا تقتصر التخفيضات على المحلات التجارية فحسب، بل تمتدّ لتشمل حتى مكاتب دفن الموتى، التي تقدم عروضًا تتعلق بالدفن أو الحرق أو الإلقاء في البحر. وقد قدّم أحد هذه المكاتب في برلين عرضًا فريدًا من نوعه في تاريخ المدينة، جاء فيه: «نضمن لموتاكم مكانًا في الجنة». وهنا يبرز القول الشعبي المتداول: «رزق العُقّال على المجانين».

صحيح أن للجنون فنونه، وأن طرق الاحتيال والخداع متعددة، لكن حالة عروض القتل المقدّمة في مجتمعنا لا علاقة لها بالجنون ولا بالاحتيال. فقد تحدثت القناة 14 العبرية عن “تسعيرات” للقتل في المجتمع العربي، وقالت إن منظمات الإجرام في الشمال تعتمدها كخريطة طريق، واضعةً أسعارًا مقابل خدمات تتضمن خمسة عروض:

حرق مركبة مقابل نحو 1,500 شيكل.

إطلاق نار على مركبة مقابل نحو 3,000 شيكل.

إطلاق نار مزدوج (على منزل ومركبة) مقابل نحو 5,000 شيكل.

إطلاق نار على الأرجل (لغرض الردع) مقابل 10,000 شيكل.

أما تصفية شخص فتبدأ من 50,000 شيكل وما فوق.

أسعار “مغرية” لمن يستمتع بإيذاء الغير، لسبب أو لآخر!

تصوّروا مدى استهتار منظمات الإجرام بسلطات القانون وبالمجتمع العربي. فهذه التسعيرة التي أعلنت عنها القناة العبرية لم تأتِ من فراغ، وهي لم تضعها، بل حصلت عليها — كما أعتقد — بطرقها الخاصة، ليس خدمةً للمجتمع العربي، بل لإظهار عنفه ودمويته.

وفي وقت يشهد فيه المجتمع العربي نشاطات متنوعة احتجاجًا على تفشي العنف والجريمة، وفي ظل ما شهدته البلاد من تحركات، مثل قوافل السيارات من الشمال والنقب إلى القدس دعمًا للحراك الشعبي ضد العنف، تفاجئنا القناة 14 العبرية بنشر لائحة أسعار القتل في مجتمعنا العربي.

حتى لحظة كتابة هذه السطور، بلغت حصيلة ضحايا القتل في أوساطنا، نحن “عرب الداخل”، أربعين شخصًا (وهو رقم قابل للارتفاع في كل لحظة). ويُقال إن المفتش العام للشرطة أصدر توجيهات بنقل وحدات خاصة لمحاربة الجريمة في المجتمع العربي. لكن ما معنى هذه التوجيهات؟ وهل «تُخرج الزير من البئر»؟ كلام فارغ! والدليل أن القناة العبرية نشرت أسعار القتل بعد صدور هذه التوجيهات، ما يعني أن منظمات الإجرام “غير معنية لا بمفتش عام ولا بمفتش خاص”. ومهما فعل المفتش، ومهما سمعنا من تصريحات مهدئة للأعصاب من الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ، يبقى اليأس والخوف من اليوم التالي هو الشعور السائد في الشارع العربي؛ بمعنى أن المواطن العربي يرى أن جريمة القتل القادمة مسألة وقت فقط.

تعالوا نقولها بصراحة ونضع النقاط على الحروف: ماذا جلبت لنا المظاهرات العارمة والاحتجاجات، ولا سيما مظاهرة المائة ألف في سخنين ومثيلتها في تل أبيب؟ أقصد: ماذا نجم عن ذلك على الصعيد الرسمي؟ هل تغيّر شيء؟ هل سمعنا عن قرارات رسمية جديدة تتعلق بتفشي الجريمة في مجتمعنا؟ هل تحركت شعرة في رأس نتنياهو أو وزيره للأمن القومي بن غفير؟ بالطبع لا جديد. وبقينا — كما يقول المثل —: «تيتي تيتي مثل ما رحتي جيتي».

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يُفترض بالمواطن وحده أن يتقدم بالمبادرات؟ لماذا يُوضَع في “فم المدفع”؟ توجد حاليًا “القائمة المشتركة” و“القائمة العربية الموحدة”، ولكل منهما نوابه في الكنيست، ويبلغ عددهم — فيما أعتقد — عشرة نواب. لماذا لا يعلن هؤلاء استقالة جماعية من الكنيست احتجاجًا على تفشي العنف، ويوضحوا للعالم، عبر مؤتمرات صحفية ولقاءات مع سفراء الدول الغربية والأوروبية، أسباب هذه الاستقالة التي ستحدث — بلا شك — ضجة عالمية؟

وإذا كانوا لا يريدون الاستقالة حفاظًا على امتيازاتهم (التي تقدَّر بعشرات الملايين سنويًا)، فعلى الأقل يمكنهم الامتناع عن حضور جلسات الكنيست، أو إعلان إضراب جماعي عن الطعام، أو أي شكل احتجاجي آخر. المهم أن يتحركوا! لكن، للأسف، فهم — كما في الآية الكريمة —: «صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون». وكما يقول المثل الشعبي: «كيف بدك تحكي فرنسي مع البقرة».

عندما صدر “قانون القومية” العنصري في 19 يوليو/تموز 2018، وهو قانون أساسي إسرائيلي يُعرّف إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي، دار الحديث حينها عن نية النواب العرب الاستقالة من الكنيست. لكن حب الامتيازات تغلّب على الرغبة في الاستقالة، باستثناء نائب واحد، هو زهير بهلول، الذي كان حديث العهد بالكنيست، فاستقال احتجاجًا على القانون.

يقول المدافعون عن أعضاء الكنيست العرب: «نجح النواب العرب في وضع ظاهرة العنف على رأس جدول أعمال الكنيست، وأثمرت جهودهم في إقامة لجنة برلمانية خاصة لمحاربة العنف في المجتمع العربي». كلام جميل يدخل القلب سريعًا، ولكن ماذا كانت النتيجة؟ النتائج هي التي تتكلم، لا تشكيل اللجان.

وأخيرًا…
نأمل من “شباب الطخ” أن يوقفوا إطلاق النار — إن أمكن — في شهر رمضان، احترامًا للشهر الفضيل، الذي نتمنى أن ينتهي بلا عنف، وبلا رصاص، وبلا قتلى.

رمضان كريم، وكل عام وشعبنا الفلسطيني بخير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى