أسئلة أطفال النزوح في غزة تلاحق الأهالي.. ولا إجابات عن القادم

في زوايا مخيمات النزوح المنتشرة على أطراف ما تبقى من مدينة غزة، تتوارى الطفولة خلف وجوه شاحبة وأعين أنهكها الخوف والسهر، لم يعد اللعب جزءاً من يوميات الأطفال، بل أصبح ترفاً مؤجلاً في حياة تهيمن عليها الصعوبات والتحديات اليومية، وذكريات الانفجارات التي لا تزال عالقة في أذهانهم.
في المخيمات العشوائية والمنظمة للنزوح، لا شيء يبدو ثابتاً، حتى الشعور بالأمان أصبح هشاً، حيث لا جدران صلبة تحميهم ولا أسقف تمنحهم الأمان، يكبر الأطفال بسرعة أكبر مما ينبغي، ويواجهون واقعاً يفوق قدرتهم على الفهم أو الاحتمال، فيما ينتظرهم مستقبل غامض الملامح.

تقول ابتهال أبو سعدة (39 عاماً)، وهي أم لأربعة أطفال، نزحت مع عائلتها قبل أشهر: “أطفالي لم يعودوا كما كانوا، ابني الصغير كان يضحك طوال الوقت، الآن يجلس بصمت ويسألني: هل سنبقى هنا إلى الأبد؟”. الأم التي لا تمتلك إجابة، فقط تحاول طمأنته وهي في داخلها تشعر بالخوف نفسه، تشير إلى أن خيمتهم بالكاد تتسع لهم، وتضيف بصوت متعب: “في الليل، يرتجفون من البرد، وأبقى مستيقظة أراقبهم، أخشى أن يمرضوا أو أن أفقد أحدهم”.
تبدأ يوميات الأطفال في المخيمات مع شروق الشمس على أصوات الازدحام، وصرخات البحث عن الماء، وصفوف طويلة للحصول على المياه، يخرج بعضهم حفاة فوق أرض غير مستوية، تتناثر فيها الحجارة وبقايا الركام، بينما يلتزم آخرون داخل الخيام، يراقبون العالم من فتحة صغيرة، وكأنهم يخشون مواجهة واقع لم يختاروه.
لم تعد المدرسة وجهتهم اليومية، ولا الحقيبة رفيقتهم، بل حل مكانها الانتظار، انتظار المجهول، وتتراكم داخل هذه المساحات الضيقة مشاعر القلق والخوف، كثير من الأطفال يعانون اضطرابات النوم، يستيقظون مفزوعين في الليل، يبحثون عن أمهاتهم ليتأكدوا أنهم ما زالوا على قيد الحياة، بينما فقد آخرون القدرة على الضحك، أو أصبحوا أكثر صمتاً وانطواء، وكأن الطفولة انسحبت منهم دون استئذان.

في المخيمات، يصبح المستقبل كلمة غامضة، الأطفال الذين كانوا يحلمون بأن يصبحوا أطباء، أو معلمين، أو مهندسين، أصبح أقصى طموحهم الآن هو العودة إلى منزل دافئ وسرير ثابت، ومع استمرار النزوح، تتعمق الفجوة بين ما كانوا يحلمون به وما يعيشونه اليوم.
أما الفلسطيني سامر غيث (31 عاماً)، وهو أب لثلاثة أطفال، فيقول إن أكثر ما يؤلمه هو عجزه عن حمايتهم: “أشعر بأنني فقدت دوري كأب، لا أستطيع توفير بيت آمن لهم، ولا تعليم، ولا حتى حياة طبيعية”.
ويتابع غيث قائلاً: “ابنتي تسألني متى ستعود إلى مدرستها، وأنا لا أملك سوى الصمت”، موضحاً أن أطفاله أصبحوا يخافون من أي صوت مرتفع، حتى لو كان مجرد باب يغلق بقوة، مضيفاً: “الخوف أصبح جزءاً من شخصيتهم”.
ولم تقتصر معاناة الأطفال على فقدان المأوى، بل امتدت لتشمل فقدان الروتين، والتعليم، والشعور بالاستقرار، كثير منهم انقطعوا عن الدراسة لفترات طويلة، ما يهدد مستقبلهم التعليمي ويزيد من شعورهم بالضياع، كما أن غياب المساحات الآمنة للعب والتفريغ النفسي يجعلهم أكثر عرضة للقلق والاكتئاب.
أطفال غزة… أحلام مؤجلة
من جهتها، تصف الجدة أم محمد الصرفندي (48 عاماً)، التغيرات النفسية التي طرأت على أحفادها: “كانت تحلم إحداهن بأن تصبح معلمة، الآن تقول إنها لا تريد أن تكبر، وتسألني: ماذا لو بقينا في الخيمة دائماً؟ ماذا لو لم يعد لدينا بيت؟”.
تتوقف الجدة قليلاً، ثم تضيف: “أخشى أن يفقدوا الأمل، ليس فقط في المستقبل، بل في الحياة نفسها”، إذ يعيشون طفولة مؤجلة بفعل غياب كل ملامح الحياة الطفولية الآمنة، وينتظرهم مستقبل غامض لا تعلم إن كان يحمل الأمل أو مزيداً من الألم والحرمان.
بداخل أحد ممرات مخيم النزوح في حيّ النصر، والذي كان عيادة طبية في وقت سابق، يقف مهند الكفارنة مع بعض الأشخاص، ومن حولهم تمتلئ الساحة بخيام وحبال غسيل النازحين، بعدما كانت في يوم من أيام قبل الحرب تعج بالمراجعين والمرضى وكانت من أهم المراكز الصحية بالمدينة. يقول: “نزحنا إلى العيادة لأنها كانت متوقفة تماماً، وفارغة من أي وجود لأطباء أو عيادات، كما أن طاقم العيادة انتقل لجزء من مدرسة إيواء”.
ويضيف: “أطفالي كانوا ينتظمون بالدراسة بشكل يومي، الآن الأمر تغير وفقدوا المدارس، ولم يعد هناك مراكز صحية تخدمنا كما كان بالسابق. الأونروا التي كانت تقدم كل شيء ويعتمد عليها قطاع غزة، الآن مع تقليص خدماتها الجميع متضرر، والمؤسسات الأخرى دولية ومحلية أقل قدرة على تلبية متطلبات الناس والجميع في حاجة، أطفالي يسألون أسئلة صعبة يومياً عن المستقبل والانتظام بالدراسة والعودة للحياة الطبيعية وللأسف لا أستطيع أن أجيبهم لأني لا أملك ردوداً مقنعة”.
ولا يمكن قياس أثر النزوح على الأطفال بالأرقام فقط، فالأثر الحقيقي يكمن في تلك التغيرات الصامتة التي تحدث داخلهم، في نظراتهم التي فقدت بريقها، وفي صمتهم الذي يخفي أسئلة أكبر من أعمارهم، يكبر هؤلاء الأطفال في بيئة تفتقر إلى الأمان، ويحملون في ذاكرتهم تفاصيل قاسية قد ترافقهم لسنوات طويلة.
ولا يعيش الأطفال في مخيمات النزوح في غزة طفولتهم كما ينبغي، بل يعيشون انتظاراً طويلاً لنهاية مجهولة، وبين خيمة وأخرى، تتشكل ملامح جيل كامل تحت وطأة الخوف والحرمان، جيل لا يعرف ماذا يخبئ له الغد، لكنه يدرك أن الحاضر الذي يعيشه أثقل مما يجب أن يحتمله طفل.
المصدر : العربي الجديد



