أخبار عاجلةمقالاتومضات

المسجد الأقصى في العقلية الصـــهيونية…ومسائل الفرص التاريخية (20)

صالح لطفي- باحث ومحلل سياسي
ترامب وفرض الرؤية الإسرائيلية
في اتفاقية تطبيع العلاقات التي وُقّعت بين إسرائيل وكل من البحرين والامارات تحت رعاية ترامب، أصرّ الفريق الامريكي (بلغة أخرى الاسرائيلي) على تسجيل بند يتعلق بالمسجد الأقصى، جاء فيه، أن البحرين والامارات سيسمحون (جاء النص الانجليزي بلغة الإلزام) لمواطنيهم القدوم إلى القدس والصلاة في المسجد الاقصى المبارك، في إطار حرية التعبد التي تحرص إسرائيل على تحقيقها لكل أبناء الديانات (الثلاث) في المسجد الاقصى المبارك.
يعتبر هذا البند من أخطر ما ورد في (اتفاقية ابراهام)، إذ يشرعن هذا البند الاحتلال الإسرائيلي، ويحوّله مباشرة إلى صاحب السيادة والمسؤولية ومن ثم صاحب المكان، وهذا بحد ذاته أحد أهم ما سعت إليه إسرائيل عبر كافة اتفاقياتها مع العرب لتحقيقه، لكنها لم تفلح بتحقيقه مباشرة وبهذا النص الصريح.
تكمن جريمة نظام البحرين والامارات، ليس في التطبيع ذاته ولا في العلاقات بين البلدين، فالعلاقات قائمة منذ عقود ثلاثة أو يزيد، بل في هذا النص الذي يحقق الحلم الصهيوني التاريخي المؤسس على رؤية يهودية مُختلف عليها، حسمتها الحركة الصهيونية عبر تجنيدها علوم التاريخ والجغرافيا والآثار، وزعمهم، أن هيكلا بني على هذه الأرض- مع اختلاف الروايات الدينية اليهودية حول البناء وهل هو فعلا المقدس من بين عديد الهياكل،-من هيكل-، بنيت في عصري الدولة الاسرائيلية واليهودية وتحالفهما فيما بعد، وهل كان فعلا محل عبادة أم محل غواية وانحرافات وضلالات، للتوسع أكثر في هذا الموضوع يمكن العودة لكتاب فضيلة الشيخ رائد صلاح: (قراءة سياسية في توراة اليوم أنظر فصل أسطورة الهيكل، ص201-228، فصل اسطورة اورشليم، ص228-248)، وانظر أقوال الفيلسوف اليهودي يشعياهو ليفوفيتش في المقدس والوثني وما يتعلق بالهيكل، وانظر تقرير مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية: كبار المؤرخين والآثاريين اليهود يؤكدون: زيف الدولة اليهودية .. وحتمية زوالها، وانظر الى دراسات عالم الآثار الاسرائيلي يسرائيل فينكلشطاين ونسفه لروايات الهيكل، فالاحتلال الاسرائيلي الذي فشل في تثبيت روايته علميا، ها هو يثبتها عن طريق اتفاقيات مبرمة مع عرب مسلمين من أهل السنة، لم يتورعوا عن الترويج السياحي عبر لافتات الهيكل. وتكون ثالثة الاثافي بما يذهب إليه بعض الليبراليين السعوديين والخليجيين من زعمهم أنه لا وجود للمسجد الاقصى المبارك في القدس، لتكتمل بذلك رواية الاحتلال المدعومة من الادارات الامريكية ذات المعتقد الأنغليكاني.
لا تكمن خطورة الموضوع بما أشرت اليه آنفا فحسب، بل وبموقف العرب عموما، والفلسطينيين خصوصا، حول تعاطيهم مع القدس والاقصى، فهل تعاطى هؤلاء مع هذه القضية على أساس شرعي- أخلاقي، أم على أساس سياسي يعتمد فن الممكن، وفقا لما كان يذهب إليه الراحل صائب عريقات كبير مفاوضي سلطة أوسلو.

السؤال الأخلاقي
ثمة سؤال أخلاقي لما يجب على المفاوض العربي والمفاوض الفلسطيني الذين ارتضوا أن تكون طاولة المفاوضات أساسًا لا رجعة عنه لتسوية “الخلافات” المتعلقة بالقضية الفلسطينية، بعدئذ اتخذ هذا الفريق من أن اسرائيل واقعا لا يمكن تجاوزه، وأن واشنطن هي القوة العظمى، مع أنه تتحكم بها اللوبيات الصهيونية وأن 90% من اوراق الحل بيد واشنطن وأن العبور الى العالم يمر عن طريق واشنطن، والعبور الى واشنطن يتم عبر تل ابيب.
السؤال: هل “موضوعة” القدس والمسجد الاقصى في ذهنية المحاور العربي والفلسطيني تتموضع كمسألة أم كقضية؟ بعد الإجابة على هذا السؤال، ثمة سؤال آخر لا يقل أهمية عن سابقه: هل القدس والاقصى يحتاجان إلى عمل رسالي أم الى عمل سياسي يقوم على قاعدة فن الممكن؟

تفكيك المصطلحات
حتى لا أرهق القارئ الكريم بالمصطلحات التي ذكرت، وحتى يتسلسل في ذهنه معنى وأهمية هذه السؤال، فسأعرج على تفكيك المصطلحات الواردة في السؤالين.
المسألة، القضية، الرسالية “العمل الرسالي”، العمل السياسي
المسألة من سؤال، وهو ما يحتاج إلى جواب، فالمسألة كل حاجة أو مطلب يحتاج الى جواب، وعمليا هناك سائل وهناك مجيب، هذا في السياق المجرد، ولكن في السياق السياسي كحال القضية الفلسطينية وما يتفرع عنها من قضايا جوهرية، فالمسألة الفلسطينية، تعني إيجاد حل لها، والجواب لهذه المسألة برسم تحولها من قضية تخص العرب والفلسطينيين إلى مسألة-كحال المسألة اليهودية- تخص الفلسطينيين فقط، تحتاج الى أجوبة، ولأن القضية دُوِلت، فمن الطبيعي أن تكون الاجوبة تبعا لتدويلها وملتزمة بأجندات دولية ومراكز قوى دولية، والأجوبة كما رأينا انتقلت من طور التحرير المرتبط بالقضة، بحكم أن الفلسطيني بعد النكبة مباشرة نادى بالتحرير، تحرير الارض باعتبار الحركة الصهيونية حركة استعمارية، فكان التنازل من طور التحرير الى طور التسويات، هو الإجابة على المسألة الفلسطينية. أمّا القضية، فهي الأمر الذي اتضحت معالمه وبرزت متغيراته، ويحتاج الى الفصل فيه والحكم والحل، والقضية وفق ما ذكرت لا تحتاج الى فرضيات، ولذلك فإذا لم يتم حلها استحالت الى مسألة. ففي حين تكون حلول القضايا السياسية باتة وقاطعة وفاصلة، فإن حلول المشكلات أو المسائل السياسية يكون بالتسويات، ولذلك تبنى الفلسطينيون بداية أمرهم التحرير والتحرر، سواء تأثروا بربيع التحرر العالمي في خمسينات أو ستينات القرن الماضي، أو من منطلقاتهم الايديولوجية، وتنازل الفلسطيني عن التحرر والتحرير إلى تسويات، جاء بعد هزيمة عام 1967 وحرب رمضان عام 1973 حيث تعني التسوية وجود طرفين مختلفين يتبادلان الحوار للوصول الى تسوية ترضي الجانبين. اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 فككت علاقة العرب بالقضية الفلسطينية، واتفاقية أوسلو نقلت القضية الفلسطينية برمتها من فضائها العربي، إلى محورها الفلسطيني الذي تنازل عن التحرير مقابل سلطة حكم ذاتي، قابلها اعتراف فلسطيني بإسرائيل، وهو ما أنهى القضية الفلسطينية وأدخلها ضبَّ المسألة ذلكم أنَّ منطق القضية، منطق ثورة، أمّا منطق المسألة فهو منطق سلطة وتنازلات.
الرسالية أو لنقل العمل الرسالي المتعلق بالمسجد الاقصى تحديدا، هو ذلك الجهد المبذول من أجل تحقيق هدف واضح المعالم، التحرير، وهذا الهدف لا يتحقق إلا بمنهج وتخطيط وأدوات يحمله كادر مخلص مؤمن بالقضية، نصب عينيه رضا الله تعالى، محصن بعقيدة وفكر يروم التحرير تتناسل عنه ثقافة وقيم وحراك، ويتمتع كادره بالأهلية المؤسسة على الكفاءة والقدرة والاقتدار، وعملية التحرير تحتاج إلى نفس طويل وثبات على المواقف مهما كانت الرياح عاصفة.
العمل السياسي: وأقصد بالعمل السياسي المتعلق بالمسجد الاقصى، كل فعل صادر عن تجمع يحوز سلطة “ما” مهما كانت هذه السلطة متواضعة، يسعى للتأثير على وضعية المسجد الاقصى لصالح خلاصه من الاحتلال أي لتحقيق التحرير والتحرر.
العمل السياسي هذا قد يصدر عن مؤسسة أو جمعية أو فرد أو اتحاد أي كان مجاله “عمالي، طلابي، نسوي، شبابي، مهني …” وكل عمل سياسي ناجح مشروط تحققه بثلاثة شروط: الوعي بالقضية وتركيباتها، التأثير على السياسة العامة لمن لهم صلة بالمسجد الاقصى المبارك (الاحتلال، الاردن، السلطة، دول عربية ذات صلة …) والمشاركة السياسية، إشراك المجتمع بكل فئاته، والتي تصب نتائجها في غاية التحرير مهما كانت هذه الجهود متواضعة. وبالتالي فمن ضرورات العمل السياسي أن يكون جماعيا ومتناسقا.
يتبع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى