تزييف تاريخ القدس من”الكتاب المقدس” إلى الفكر الصهيوني

تزييف تاريخ القدس من”الكتاب المقدس” إلى الفكر الصهيوني

الكتاب: القدس تاريخ مختطف وآثار مزورة
المؤلف: عصام سخنيني
الناشر: العائدون للنشر ـ 2020

لأن ماضي الشعوب والدول يمتد في حاضرها ويشكل جزءا كبيرا من ملامحها وخصائصها، ولأن من يمتلك الحكاية يمتلك الحق في المستقبل أيضا، كان هم الصهيونية الأول هو احتكار الماضي والتاريخ في فلسطين، حتى وإن كان بتزييفه أواختلاقه من العدم.
ورغم أن التاريخ القديم لفلسطين تتقاسمه قوميات وديانات وحضارات متعددة ابتداء من الكنعانيين، والأدوميين، والفلسطينيين القدامى، والآشوريين، والبابليين، مرورا بالفرس، واليونانيين، والرومان، وانتهاء بالعرب قبل الإسلام وبعده، حرصت الصهيونية على تهميش تاريخ كل هذه الأقوام وتراثها وكتابة تاريخ آخر لفلسطين، صاغته من حكايات وأساطير أسفار “الكتاب المقدس” أو” العهد القديم”، هو تاريخ “الأمة الإسرائيلية” فقط؛ إذ يبدأ تاريخ فلسطين والأقوام التي عاشت فيها “من لحظة التحاقها بالتاريخ الإسرائيلي” أو تاريخ بني إسرائيل الذي يبدأ بعصر الآباء، ثم عصر الانقطاع عن فلسطين حيث كان بنو إسرائيل في مصر، ثم عصر الخروج من مصر، فالفتح والتوطن، وعصر القضاة، وقيام المملكة الموحدة في زمن داوود، فسليمان، ثم عصر المملكتين بعد انقسام المملكة الموحدة إلى يهودا والسامرة، فالنفي البابلي، وعهد الهيكل الثاني. وهذه الطريقة المتعسفة في التأريخ تنسحب أيضا وبشكل خاص على القدس، “إذ يبدأ تاريخها باستيلاء داوود عليها، أما قبل ذلك فهي مدينة بلا ماض”.

احتلال إحلالي للتاريخ والجغرافيا
ما فعلته الصهيونية كان “عملية احتلال إحلالي للتاريخ وللذاكرة الجغرافية” لفلسطين، بحسب ما يقول عصام سخنيني. فالمكان في الأسفار “الكتابية” هو أرض العبرانيين أو أرض إسرائيل، خلافا لكل الوثائق المادية التي تطلق عليه اسم فلسطين.”
ولتلطيخ صورة اسم المكان وتجريده من أي قيمة أخلاقية، وذلك كان تمهيدا ضروريا لنفيه من الوجود، اخترعت الحكايات الكتابية صورة مشوهة للأقوام الذين منحوا اسمهم للمكان. فالفلسطينييون القدامى ليسوا إلا مجموعات من الأشرار الآثمين ومثيري الحروب العدوانية على بني إسرائيل، والذين استخدمهم يهوه ـ الاسم العبراني لإله اسرائيل ـ أداة يعاقب بها شعبه إذا انحرف عن الطريق القويم.. واستتباعا لذلك فليحذف اسم فلسطين إذن من ذاكرة التاريخ”.
يقول سخنيني: “إن تسمية المكان لا تقتصر وظيفتها على التعريف به فقط ، بل إنها تدخل ضمن معطيات الصراع على فلسطين، لما يحمله الاسم من إيحاء تاريخي ومدلولات قومية ومقدمات للاستنتاج السياسي. ولم تكتف الصهيونية بأساطير “الكتاب المقدس” فأخضعت علم الآثار لعمليات تزوير متتالية تم فضحها وإثبات زيفها”.

علم الآثار “الكتابي”
في هذا السياق نشأ في اواسط القرن التاسع عشر الميلادي ما عرف بـ “علم الآثار الكتابي” ورائده هو عالم الآثار الأمريكي وليام فوكسويل ألبرايت (1890 ـ 1971) الذي نفذ حملات تنقيب أثارية عديدة في فلسطين استنادا إلى روايات “الكتاب المقدس” وبحثا عن براهين تثبت حقيقة الحوادث التاريخية الواردة فيه والتي “تتصل بالشعب اليهودي في أرضه”.
وطبعا في قلب هذه الأحداث “الهيكل” في القدس، هيكل سليمان الذي تم بناؤه حسب الرواية “الكتابية” سنة 960ق.م، وظل قائما إلى أن دمره البابليون سنة 586ق.م، والهيكل الثاني الذي بني بتفويض من الملك الفارسي قورش سنة 516ق.م ودمره الرومان سنة 70 ميلادية، بحسب الرواية “الكتابية”.
يقول سخنيني: إن وظيفة هذا العلم الأساسية هي في الواقع أن “يكتشف وإن لا فأن يخترع رموزا مادية ( بقايا مبان، نقوشا، كسرا فخارية، ألواحا حجرية…) تجسد جميع المعاني التي تدور حولها العقيدة الصهيونية”. لذلك فقد جاءت كلمات زئيف هيرزوغ، الأستاذ في دائرة علم الآثار ودراسات الشرق الأدنى القديم في جامعة تل أبيب، في تقييمه لنتائج هذا العلم قاسية وواضحة أيضا، إذ قال: “بعد سبعين سنة من عمليات التنقيب المكثفة في أرض إسرائيل، توصل علماء الآثار إلأى ما يلي: إن أعمال الآباء جميعا أسطورية، ونحن لم نقم في مصر، ولم نخرج منها، ولم نفتتح مدن هذه البلاد، وليس هناك ذكر لامبراطورية داوود وسليمان. وهذا كله كان يعرفه المهتمون بهذه الحقائق على مدى سنين، غير أن إسرائيل شعب عنيد ولا يريد أن يسمع شيئا عنها.. الإسرائيليون لم يكونوا قط في مصر، ولم يتيهوا في الصحراء، ولم يفتتحوا البلاد بحملات عسكرية..والأكثر من ذلك صعوبة في التصديق هو أن مملكة داوود وسليمان المتحدة التي توصف في “الكتاب” بأنها قوة إقليمية، لم تكن في أحسن الأحوال غير مملكة قبلية ضئيلة”.
وعلى ذلك يصادق، من بين آخرين كثر، كل من إسرائيل فنكلشتاين مدير معهد الآثار في جامعة تل أبيب، و نيل أشرسلبرمان الكاتب المتخصص في الآثار، في حديثهما عن نتائج التنقيبات في مدينة القدس ومحيطها. إذ يوضحان أن المملكة المتحدة التي قامت في القرن العاشر قبل الميلاد تحت حكم داوود فسليمان، والتي يفترض أنها بحسب “الكتاب المقدس” كانت مدينة عظيمة محصنة وثرية ثراء مبهرا إذ جعل سليمان الفضة في أورشليم في زمنه كالحجارة في كثرتها، وبلغ عدد العاملين في بناء الهيكل والإشراف عليه أكثر من 200 ألف رجل، في الحقيقة لم تكن ربما أكثر من قرية صغيرة، متواضعة الأبنية وقليلة في عدد السكان.
ويقولان: كانت صورة القدس .. موضوعا لصناعة الأساطير وقصص الخيال.. قصص خرافية عن فخامة مدينة داوود وهيكل سليمان، لذلك لم يكن أمرا قد أتى بالصدفة أن يكون البحث عن هيكل سليمان هو التحدي الأول الذي واجهه علم الآثار”الكتابي”.. لكن المفاجأة ان العمل الميداني في أورشليم الكتابية فشل في الكشف عن أي دليل مهم على أنها كانت مأهولة في القرن العاشر قبل الميلاد. فليس هناك أي إشارة إلى وجود مباني تذكارية فخمة ولا حتى لوجود كسر فخارية بسيطة”.

الهيكل وتزييف الآثار
يقول سخنيني: إن البحث العلمي الحديث الذي يستند إلى علم الآثار والنقد الصارم للنصوص أثبت عدم تاريخية الهيكل ونفى نفيا قاطعا أي وجود له. ولم يبق أمام الصهاينة سوى أثر مادي واحد ووحيد يستندون إليه كدليل على وجود الهيكل سواء الأول أو الثاني، وهو الحائط الغربي أو “حائط المبكى” الذي يشكل الجزء الجنوبي من الجدار الغربي للحرم القدسي الشريف (حائط البراق).
“وحسب دعواهم يقوم (هذا الحائط) على أساس الجدار الغربي للهيكل الذي شيده هيرود، والذي أقيم مكان الهيكل الثاني، وكان بدوره قد أقيم مكان الهيكل الأول”. وكل النظريات التي تتبنى هذا الموقف لا تستند إلى أي دليل مادي وإنما ” تستنطق ما ورد في النصوص القديمة من أوصاف للهيكل..”
يضيف سخنيني: “الطريف فيها جميعا أن كل واحدة منها تنقض حجج الأخرى وتظهر أخطاءها”.
إن فشل علم الآثار الكتابي في الوصول إلى أي دليل مادي يثبت صحة الروايات “الكتابية” عن صلات اليهود وحضورهم المتواصل في فلسطين والقدس عبر تاريخها القديم، أدى إلى بروز العديد من عمليات التزييف والتزوير
وفي اتجاه مغاير لاتجاه هذه النظريات يرى أستاذ الدراسات “الكتابية” الأمريكي إرنست مارتن(1932 ـ 2002) أن الحرم القدسي الشريف لم يكن يوما مكانا للهيكل، وأن الأخير كان قد بني منذ سليمان خارج سور القدس الحالي، والى الجنوب منه حول نبع جيحون عند قرية سلوان، وأن “حائط المبكى” لا علاقة له بالهيكل وهو “حائط مزور”. بل إنه يؤكد أيضا أن هذا الجدار لم يكن يعرفه اليهود حتى القرن السادس عشر الميلادي ولم يكن يعني لهم شيئا على الإطلاق، وأن أول من أسبغ عليه صفة القداسة كان أحد كبار الكهنة اليهود ويدعى اسحاق لوريا المولود في القدس سنة 1534 ميلادية.
إن فشل علم الآثار الكتابي في الوصول إلى أي دليل مادي يثبت صحة الروايات “الكتابية” عن صلات اليهود وحضورهم المتواصل في فلسطين والقدس عبر تاريخها القديم، أدى إلى بروز العديد من عمليات التزييف والتزوير، ” وبدل البحث عن آثار ولقى مهمتها إثبات مصداقية الحكايات “الكتابية”، اتجهت هذه العمليات نحو اصطناع آثار ولقى لتحقيق هذه الغاية”.
وقد يجد المنقبون شيئا غامضا أو مجهول الهوية فيقوم المزيفون باسقاط تفسيراتهم القسرية عليه لتتناسب مع التاريخ “الكتابي”. وقد أثار انكشاف العديد من هذه الآثار المزورة، التي لقيت حفاوة استثنائية ودولية وقت الإعلان الأول عن مدلولاتها وأهميتها المزعومة، الكثير من علامات الاستفهام والتشكيك في موجودات المتحف الإسرائيلي في القدس التي تتعلق بـ “عصر الهيكل”، وعن ذلك قال أستاذ الآثار في جامعة ديوك الامريكية ومحرر موسوعة أكسفورد لآثار الشرق الأدنى إريك مييرزإن “ثمة تقديرات عالية تصل إلى 30 أو 40 بالمئة من المواد التي تحمل نقوشا في المتحف الإسرائيلي كان قد جرى تزويرها ، وليس هناك من شك في أن إسرائيل وسلطة الآثار فيها تواجهان أسوأ أزمة أخلاقية في تاريخ الدولة، أو تاريخ علم الآثار الحديث”.
ويشير سخنيني ألى أن موجودات المتحف الإسرائيلي ليست وحدها التي أصبحت عرضة للتشكيك بل كذلك متاحف العالم التي تضم موجودات تنتمي إلى هذا النوع من الآثار اليهودية إذ حذر العديد من الخبراء هذه المتاحف من الآثار التي يفترض، تحديدا، انها تنتمي إلى “عصر الهيكل”.
(المصدر: عربي 21)