رمضان الإسلام ورمضان المسلمين

الشيخ كمال خطيب
لقد صحح الله سبحانه عقيدة ومفاهيم من دخلوا في الإسلام من الأعراب وقد ظنوا أنه بمجرد تلفظهم بالشهادتين فإنهم بذلك قد بلغوا الإيمان، فقال لهم سبحانه {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} آية 14 سورة الحجرات. لم يكن هذا صحيحًا فقط في عهد الإسلام الأول بالفارق بين الإيمان وبين الإسلام، وإنما هي الحالة المستمرة والمتكررة بوجود الفارق بين حقيقة الإسلام وبين سلوك المسلمين وأخلاقهم وعباداتهم، وأن هذا الفارق ليصل في حالات كثيرة إلى التناقض بين ما يريده الإسلام من المسلمين وبين سلوك المسلمين وما يزعمون ويظنون أنه من الإسلام، ولعل في هذا قال صلى الله عليه وسلم: “يأتي زمان على الناس لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه”.
ومثل الفارق بين الإيمان وبين الإسلام، فإنه الفارق كذلك بين معاني الصيام الحقيقية التي أراد الله تحقيقها من الصيام وآثارها على تقوى المسلم وأخلاقه، وبين ما عليه المسلم والصائم اليوم من سلوكيات وأخلاقيات هي أبعد ما تكون عن أخلاق وسلوك الصائم. لذلك فإنه الفارق بين رمضان الإسلام كما يريده الله ورسوله، وبين رمضان المسلمين كما هو عليه حال الصائمين من المسلمين اليوم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش” في إشارة إلى فهم هؤلاء أن الصيام هو بمجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بينما تظل سلوكيات المسلم وأخلاقه على ما هي عليه وفي هذا قال الشاعر:
لا الصوم صوم ولا الإيمان إيمان أتت على الصوم والإيمان أزمان
المسلمون ولا تغررك جمهرة ما للحجارة لولا الجمع بنيان
ضلّوا السبيل فلا الأخلاق مشرقة ولا الديانة إسلام وإيمان
الضيف الحبيب لا الضيف الغريب
كان رمضان الإسلام يُستقبل كأنه الحبيب الغائب، يملأ الشوق المحبين للقاء حبيبهم فيستعدون له بأجمل ما يكون عليه الاستعداد والاستقبال، وكما يخلع المحبون ثيابهم العادية ويلبسون أجمل الثياب لساعة الاستقبال والفرح بالوصول، فإن المسلمين كانوا يستقبلون رمضان بتهذيب نفوسهم وخلع ما كانوا عليه من سلوكيات سلبية واستبدالها بأحسن وأجمل الأخلاق “فإن شاتمك أحد فقل إني صائم”. إنها أخلاق الصفاء والتسامح والرحمة وصلة الأرحام.
أما رمضان المسلمين اليوم وبعد إذ ابتعد كثير من المسلمين اليوم عن حقيقة الصيام ورسالته فقد اقترن اسم رمضان بالبذخ والترف واللهو والسمر والتنافس في صناعة أنواع الطعام والشراب والحلوى، حتى أن أحدهم قال معقبًا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن”، فقال إن رمضان يستهلك ميزانية خمسة أشهر بينه وبين رمضان الذي يليه، فرمضان ليس فقط يمسح الذنوب وإنما يمسح ما في الجيوب!!
وإذا كان المسلمون كما ورد في سيرة السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فإذا بلغوه وصاموه دعوا الله ستة أشهر أخرى لأن يتقبله منهم.
وهكذا كان الحال في رمضان الإسلام، بينما رمضان المسلمين اليوم فإن وزارات الإعلام وإن استديوهات الإنتاج السينمائي وإن الفضائيات تستعد بعد رمضان مباشرة لتحضير أفلام ومسلسلات رمضان القادم بعد سنة، وكأن رمضان قد أصبح شهر الأفلام والمسلسلات واللهو، وليس رمضان صلاة القيام والتراويح والتهجد وقراءة القرآن. ولقد قرأت أن مصر وحدها استعدت قبل سنتين لرمضان بإعداد خمسين فيلمًا ومسلسلًا لرمضان، بينما هي مصر في هذه الأيام تضع الضوابط وتشدد في إجراءات متابعة ومراقبة المساجد، بل ومنع الاعتكاف في أي مسجد إلا في مساجد معينة لعل فيها يكون ضباط المباحث والمخابرات هم غالبية الحاضرين، ولا يختلف الحال في السعودية والإمارات وغيرها.
رمضان شهر القلب لا شهر البطن
في رمضان الإسلام كان رمضان شهر الهمة العالية، فنهارهم لصيامه وليله لقيامه. تصوم ألسنتهم عن الفحش والبذاءات والاساءات وغلظة القول، وتصوم ألسنتهم عن الرفث بالباطل، وتصوم أعينهم عن الحرام، وتصوم قلوبهم فلا تعزم على خطيئة، وتصوم أيديهم عن كل ظلم وعدوان، وتصوم أرجلهم عن أن ترتاد أي مكان ولا موقع فيه إثم، ولا يكون لأرجلهم وجهة إلا تحلّ موقع ووجهة خير وخاصة إلى المساجد.
أما رمضان المسلمين فبدل أن يكون شهر القلب والروح فإنه أصبح شهر البطن والمعدة، وبدل أن يكون شهر الحلم والصبر فإنه أصبح شهر الغضب والطيش حتى أن من المسلمين من يبرر عدوانيته أنها بسبب صيامه، كأنه يحمّل الصيام تبعات سلوكه المشين والعدواني. وبدل أن يكون رمضان شهر السكينة والوقار فإنه أصبح في سلوك هؤلاء شهر الإزعاج عبر سهر الليالي وإطلاق المفرقعات وصفير السيارات، بل حتى بالشجارات والمعاكسات. إنه وبدل أن يكون رمضان موعدًا لنغيّر أنفسنا وأخلاقنا فإنه لم يتغيّر فينا إلا مواعيد طعامنا وشرابنا.
رمضان الابتهال لا رمضان المباهاة
كان رمضان الإسلام شهر شعور المسلم بأخيه شعور الغني بالفقير والجائع، فيرقّ قلبه بل وتسكب عبراته، فيجود بماله وصدقاته، ويدخل الفرحة على بيوت المسلمين. بل كان يتمنى على الله أن يكرمه بفقير وجائع ليفطر عنده وكان يزيد في طعامه ليرسل منه إلى أصحاب الحاجات والفقراء وهو يدعو الله ويبتهل إليه أن يتقبل منه، ويتمنى على الله لو أن كل العام رمضان ليبقى على هذا الحال من العطاء والصدقات.
أما رمضان المسلمين في زماننا فإن منهم من جعله شهرًا للتفاخر والمباهاة بأنواع الطعام التي تقدم على الموائد كل مساء، والمباهاة بعدد المرات التي أفطرت فيها العائلة في المطاعم الفاخرة. وأكثر من ذلك فإن ازدحام الموائد بالحلو والحامض والحار والبارد وأنواع الطعام لا بد أن يتم تصويره ونشره على صفحات التواصل الاجتماعي تفاخرًا ومباهاة، وكأن كل العائلات بمقدورها وباستطاعتها أن تحظى بهذا النعيم وهذه الخيرات على موائدها، مما يعني الإساءة النفسية الكبيرة لهذه العوائل وأبنائها وهي لا ترى أنواع الطعام هذه إلا في الصور وعلى صفحات الفيس بوك.
رمضان الفخار لا رمضان العار
كان رمضان الإسلام وطوال تاريخ المسلمين توقيتًا ومناسبة لتسجيل وتحقيق أعظم الانتصارات الخالدة في تاريخ المسلمين، ذلكم أن الصيام لم يكن سببًا في الضعف والخور، بل إن الصيام كان سببًا في قوة العزيمة والرغبة الجامحة للقيام بكل ما يقرب المسلم من ربه وذروة ذلك الجهاد في سبيل الله تعالى.
ففي رمضان الإسلام كانت انتصارات معركة بدر الخالدة، وانتصارات فتح مكة، وانتصارات فتح عمورية، وانتصارات فتح قبرص، وانتصارات فتح الأندلس، وانتصارات معركة عين جالوت الخالدة وغيرها.
نعم في رمضان صهلت خيول المسلمين ورفرفت راياتهم، ولوّح بسيف العز فرسانهم وهم يدقون أعناق الكفار ويدكّون حصونهم. في رمضان قال المعتصم قولته “واإسلاماه..” تلبية لنداء واستغاثة امرأة مسلمة وقعت في أسر الروم. وفي رمضان قال البطل المسلم قطز قولته “واإسلاماه.. ” وهو ينزل هزيمة نكراء بجحافل التتار في عين جالوت. وقبل ذلك ففي رمضان كان أول انتصار عسكري في تاريخ المسلمين في معركة بدر، وبعده كان فتح مكة ورفع رايات الإسلام والتوحيد عليها وتنكيس رايات الكفر وتحطيم الأصنام.
بينما في رمضان المسلمين فإن الحال قد تغيّر وقد أصبح للصوم معان غير تلك التي أراد الله لها أن تكون، فبدل أن يكون رمضان هو شهر الفخار وشهر الانتصارات فإنه أصبح في رمضان تسجل أسوأ المواقف وأبشع الانتكاسات، بل وترتكب المجازر بحق المسلمين ليس من أعدائهم وإنما من حكامهم الطواغيت والقتلة والمجرمين.
ثماني سنوات مرت والمجازر ترتكب بحق الشعب السوري، وكان رمضان يشهد أكثرها دموية كل عام حقدًا وكيدًا من النظام العلوي الطائفي ومناصريه. فبكت المساجد أحبابها وصمتت المآذن وقد تعمدوا قصفها وتدميرها. وفي رمضان لم يتردد السيسي بقتل المعتصمين السلميين في ميادين القاهرة خلال صلاة التراويح وصلوات الفجر، وما إن مرّ رمضان وبعد العيد بثلاثة أيام إلا وقد ارتكبت أبشع مجازر العصر، في رابعة يوم 14/8/2013.
وها هي غزة الصابرة البطلة وقد عاشت رمضان 2014 أبشع وأقسى قصف صهيوني لها في محاولة لكسر إرادتها ودفعها لرفع الراية البيضاء، ولكنها لم تفعل. حدث ذلك مع غزة بينما أنظمة عربية تتواطأ وتتمنى أنها لو أبيدت عن بكرة أبيها، لأن بطولة غزة تفضح جبنهم، ولأن شموخ غزة يفضح ذلهم، ولأن أصالة غزة تكشف زيفهم.
وها هي غزة قد عاشت الأيام والساعات القريبة من هلال رمضان تحت قصف طائرات الاحتلال الصهيوني الذي دمّر العمارات السكنية والمساجد والمرافق العامة، وكل ذلك بينما العرب والمسلمون ليس أنهم يتفرجون بل ويتآمرون على غزة.
إنه الفارق الكبير إذن بين رمضان الإسلام رمضان العز والفخار والانتصارات، وبين رمضان المسلمين رمضان الذل والهوان والهزائم. إنه العيب فينا وليس في رمضان، إنه الفهم السلبي والعقيم لمعاني رمضان ورسالته، ومع ذلك فإننا على يقين أنه سيعود لرمضان جوهره ورسالته، وسيعود للمسلمين عزهم ومجدهم، وستعود إليهم انتصاراتهم ليدرك من راهنوا على زوال الإسلام واندثاره أن رهانهم خاسر وخائب.
فمرحبًا برمضان شهرٌ للوصل مع الله، وشهرٌ للتواصل مع الأمجاد، وشهرٌ للعزم على صناعة مستقبل المجد والعزة والكرامة وقريبًا بإذن الله تعالى.
رحم الله قارئًا دعا لنفسه ولي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون
