أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

في خانة الشطب على “هامش ديمقراطية” مزيفة!

حامد اغبارية

الشطب وطوق النجاة
وددتُ لو أن الإخوة في الحركة الإسلامية الجنوبية خاصة، وسائر الأحزاب (التجمع والجبهة والعربية للتغيير…) يكتفون بهذا القدر من التجارب المهينة، ويقرروا الانسحاب من مشهد “الكنيست” بهدوء ولكن بعاصفة مدوّية، ويعلنوا أنهم لن يتقدموا بالتماسات ولا استئنافات ولا استعطافات ولا استرحامات للمحكمة الإسرائيلية العليا، لإلغاء قرار الشطب من خوض الانتخابات، والذي اتخذته ليلة الأربعاء اللجنة المركزية الصهيونية للانتخابات. وددتُ ذلك، لكنني على يقين أنهم لن يفعلوا، وسيقدّمون طوق النجاة (مرة أخرى) للفاشية الإسرائيلية على صورة قرار (عادل وديمقراطي) من جهازهم القضائي، الذي يذبحنا كل يوم ألف مرة.
ولو أنهم فعلوا وانسحبوا لاحتضنهم شعبهم بكل الدفء، ولغفر لهم جرَّهم له طوال السنين الماضية إلى أتون اللعبة السياسية الإسرائيلية، التي أصابت واقعنا بالقحط، وشوّهت هويتنا، وأصابت انتماءنا بالارتباك الشديد. لكنهم لن يفعلوا… لن يفعلوا.. فهم ببساطة لا يمكنهم أن يفعلوا.. فقد أغلقت الأبواب من خلفهم، وليس أمامهم إلا هذا الطريق. ولا عذر لهم في اختيار هذا الطريق المعتم، فكل نفس بما كسبت رهينة. وهم قد قبلوا أن يكونوا رهائن على رقعة الشطرنج الصهيونية، يحركهم اللاعب الأكبر كيف يشاء. فلننتظر لنرى كيف أنهم “سيهزمون” الفاشية والعنصرية و”يفسدون” فرحة بن آري وبن جفير وميري ريجف ويهودا جِلِق وأيوب قرّا وبيبي نتنياهو، وكيف سيوزعون الحلوى ويرقصون في الشوارع احتفاء بـ”النصر المبين” على تيار اليمين!! وهذا والله ليس تشفيا، فأنا أرثي لحالهم الذي أوصلوا أنفسهم إليه. فهم إذا كانوا بالنسبة للجنة الانتخابات المركزية في خانة الشطب، فهم عندي في خانة المساكين.

بيانات مأساوية!

حتى الآن مارست الأحزاب العربية “السياسة” من خلا ل توصيف الحالة، ولم ترتق بعد إلى مستوى “تغيير الحالة” أو “التأثير في الحالة”، أو “صناعة الحالة”، لذلك تراها في بياناتها وتصريحاتها تتصدى لدور المحلل السياسي والمراقب عن بُعد، لتصف ما حدث من شطب أنه قرار سياسي عنصري؛ كما جاء على لسان قائمة التجمع- الموحدة، أو أنه يعني تبني اللجنة رسميًا لسياسة التمييز والإقصاء ونزع الشرعية، كما جاء في بيان الجبهة- العربية للتغيير. وهو ما يعرفه الصغير قبل الكبير، والجاهل في العلوم السياسية قبل الضليع فيها. فهل هذا هو دور السياسي؟ هل مهمته تحليل ما يجري، وتوصيف البيئة السياسية؟ ماذا ترك إذًا لأصحاب المهنة المتخصصين؟
هذه ليست فقط مواقف مأساوية، بل هي مواقف بائسة تعكس حالة الهزال السياسي الذي تعاني منه الأحزاب العربية، وتعكس أكثر قدرتها على الانتصار على الذات والخروج من دائرة اللعب في الملعب الإسرائيلي إلى دائرة بناء الذات في فضاء مجتمعنا وشعبنا.
عندما يقولون لك: “بات واضحًا أنّ قطعان اليمين وزعران كهانا والمحرّض أفيغدور ليبرمان هم من يحددون جدول أعمال لجنة الانتخابات المركزيّة” فهذا توصيف وليس موقفا. فجميعنا نعلم هذا، وقد قيل آلاف المرات فبل ذلك، فما الجديد؟ هل هو اكتشاف علمي لم يسبق إليه أحد؟!! بصراحة أقول لهم: هذا خداع للناس وضحك عليهم، ببيانات لا ترتقي إلى أقل الطموحات؟
وعندما يقولون لك: “إنّ شطب د. كسيف هو تصعيد لسياسة تقويض الهامش الديمقراطي وإخراس كل صوت مناهض للاحتلال والتمييز والعنصريّة”، فهل نفهم من هذا أنهم حريصون حتى الاستماتة للحفاظ على هامش ديمقراطيتهم البائس؟ هل هذا هو أقصى ما يمكننا فعله؟ أم هو غاية المراد؟
لماذا نرضى بالعيش في هامش ديمقراطي مزيف، في الوقت الذي يمكننا أن نعيش في مركز الحدث، وأن نصنع الحدث؟ أيها السادة، لقد وضعتم أنفسكم خارج الحدث، إلا إذا…

حوار مسؤول ونقاش ضروري
إننا نفهم ولا نتفهّم! نفهم أن الأحزاب العربية التي اختارت هذا الطريق لا يمكنها الرجوع عنه، ولا نتفهّم اختيارها لهذا الطريق وقد كانت تستطيع غيره. ونحن عندما نحاور فإننا نفعل ذلك من مبدأ المسؤولية الذي نراه معلقا في أعناقنا، وعندما نناقش فإننا نفعل ذلك لأننا نريد لكل الأحزاب أن تنسجم في بوتقة واحدة مع هموم شعبنا وأمتنا، ولا تكتفي بالفتات، سواء كان هذا الفتات على صورة ميزانيات وخدمات، أو على صورة “هامش ديمقراطي” كاذب مزيف.
ولذلك فإن مشكلتنا ليست مع الأحزاب بصفتها تلك، وإنما مشكلتنا مع قضية الانتخابات للكنيست الإسرائيلي. وكما أنه من حق أي إنسان أن يدعو للتصويت، ومن حق كل حزب ومرشّح إقناع الناس بموقفه ذاك، فإن من حقنا، بل إن من واجبنا الوطني والشرعي والأخلاقي أن نناقش هذه القضية، ومن حقنا استخدام حقنا المبدأي في عدم المشاركة وعدم التصويت وفي الدعوة إلى ذلك وإقناع الناس بهذا الموقف. فلماذا يتصرف الآخرون كالملدوغ كلما رفعنا صوتنا بموقفنا؟؟!
وكما أننا نحترم حق الناس في ما يختارونه، حتى لو اختاروا العيش في جهنم، فإننا نتوقع من الآخرين أن يحترموا حقنا في التعبير عن موقفنا. وربما لو كنا في سعة من الأمر لطالبناهم أن يدافعوا بالنواجذ عن حقنا هذا، كما نفعل نحن مع حقهم ذاك. هذا هو الأصل، وهذه هي المعادلة الصحيحة.
كذلك فإن من حقنا أن نسلك كل طريق مشروع وأخلاقي ونظيف لإقناع الناس بوجهة نظرنا، ومن ذلك العيوب في الكنيست، وإثبات عدم نجاعتها، وعدم تحقيقها أية مصلحة حقيقية يرجو أبناء شعبنا تحقيقها من أجل رفع الظلم عنهم، ونيل حقوقهم، ووقف كل الممارسات الباطلة التي تمارسها السلطة الإسرائيلية ضدهم. وكذلك بيان عدم سلامة الطريق الذي تسير فيه الأحزاب المختلفة، وبيان العوار والنقص في هذا الطريق.
وقناعتنا أن هناك من الأحزاب من يستخدم الشعارات البراقة لخداع الناس ولإيهامهم بأنها موجودة لخدمة مصالحهم، بينما الحقيقة غير ذلك، فهي تنحصر في تحقيق مصالح حزبية وفئوية ضيقة تضمن للحزب وللدائرة الضيقة فيه البقاء على الساحة السياسية. وقد ناقشنا هذه المسألة أكثر من مرة، وقلنا إن هناك أحزابا لا يمكنها أن تستمر إلا من خلال وجودها في الكنيست، وإن رصيدها الشعبي الجماهيري ضحلٌ ويتآكل، وإنها لو خضعت للاختبار الجماهيري فإنها بالتأكيد ستظهر بحجمها الحقيقي، ولربما اختفى بعضها عن الساحة. وقد حصل مثل هذا في الماضي. قلنا هذا وسنواصل قوله ومناقشته حتى تأتي لحظة نثقف فيها أمام أنفسنا ونقرر إلى أين نحن ذاهبون.
وإنه ليس من حق أي أحد أن يمارس علينا سياسة تكميم الأفواه، كما يفعل بعض الحزبيين، بحجة أن المقاطعة ستساهم في صعود اليمين واستمرار سيطرته على الحكم، وكـأننا فعلا في دولة ديمقراطية، وكأننا نشعر حقا أننا جزء من هذه التكوينة الغريبة، وأن في إمكاننا تغيير الحكم واستبدال اليمين المتطرف بغيره أفضل منه ليعم علينا خيره. وهذا كلام لا رصيد له على أرض الواقع.
إن محاولات بعض الأحزاب والحركات التي تشارك في الانتخابات إسكات أصوات المقاطعين والداعين إلى المقاطعة، هو اختطاف لحقهم الطبيعي، وهو يدل على أن هذه الأحزاب والحركات تعاني من أزمة ثقة بالنفس، ناهيك عن أزمة الثقة الجماهيرية بها، وهي في التالي تشعر بالقلق والتوتر جراء المقاطعة.

موقف مبدئي وليس عقوبة!
إن الموقف من انتخابات الكنيست هو موقف مبدئي، وإن شئت فهو موقف عقَدي، وليس تكتيكيا.
في انتخابات الكنيست 2001 قاطع نحو 80% من أهل الداخل الفلسطيني الانتخابات، وكانت تلك المقاطعة عقابا لإيهود براك الذي سفك دماء أبنائنا في أحداث هبة القدس والأقصى. ورغم أنها لم تكن مقاطعة مبدئية إلا أننا أثبتنا أننا عندما نتخذ القرار؛ نستطيع أن نقلب الموازين وأن نتخذ خطوات حازمة حاسمة مصيرية، نثبت من خلالها قدرتنا على تغيير واقعنا. والغريب الملفت للانتباه أننا “أسقطنا” حكومة دموية فاشية بالذات بسبب المقاطعة وليس بسبب المشاركة. فهل تدرك قيادات الأحزاب هذا وتستوعبه جيدا؟! ولذلك فإن الدور الذي نطمح إليه أن تتحول المقاطعة إلى نهج وسلوك مبدئيين، وألا نكتفي بهذا، بل يقابله ويوازيه العمل المتواصل لمأسسة مجتمعنا وتطوير عمل الأطر الوطنية المشتركة (على ما فيها من هِنات وضعف وهزال).

إسقاط اليمين!! ذلك الشعار الخادع

إن شعار إسقاط حكومة اليمين، ليس برنامجا سياسيا، بل هو “بعبع” يخوفون به بسطاء الناس والسُذج، وكأن الوسط أو اليسار سيصب على رؤوسنا السمن والعسل حتى نلقى الله تعالى راضين مرضيين!!
ولو كانت الأحزاب والحركات العربية على قدر من المسؤولية الوطنية لدعت إلى التصويت على أساس مبادئها لا على أساس سلبيات الأحزاب الصهيونية، وكلها على الإطلاق تنضح بالسلبيات وتقطر سما زعافا. إذ هناك فرق بين من يطرح نفسه بديلا، أو يقدم برنامجا سياسيا بديلا ويسعى إلى تطبيقه، وبين من يختبئ خلف شعار ملّه الناس حتى تقيّأوه.
حتى الآن لم تقل لنا الأحزاب العربية لماذا تريد أن تكون في الكنيست؟ وهل طرأ أي تغيير، لم تُرِدْه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، على أوضاع فلسطينيي الداخل بفضل وجودهم هناك؟
والسؤال المهم: إذا كانت الأحزاب العربية تريد إسقاط اليمين، فإن البديل حسب استطلاعات الشارع تشير إلى إمكانية فوز تكتل جانتس- لبيد، وهما من الصقور اليمينيين وإن زعموا غير ذلك، وإن ادّعوْا أنهم من تيار الوسط (علما أن الوسط لا يعني أنه برنجي). والمحصلة أن إسقاط اليمين (إنْ تحقق) سيقابله صعود صقور الوسط. وقادة هذا التيار أعلنوها بصراحة: لا نريد كتلة مانعة من الكتل العربية. بل إن لبيد ابن أبيه قال بوضوح إنه سيتوجه إلى الليكود عند الضرورة. وهذا يعني أن يعني اليمين سيخرج من الباب ويرجع من الطاقة. فماذا أنتم فاعلون؟
هل إسقاط اليمين نفع الفلسطيني في الداخل بشيء؟ ألا ترون أن هذه المؤسسة الإسرائيلية تتجه يوما بعد يوم وعاما بعد آخر إلى الفاشية الدموية؟
لماذا لا تصارحون أبناء شعبكم بالحقيقة، وتقولون لهم إنكم مجرد تريدون أصواتهم لتحافظوا على بقائكم، وإنه لا يهم أي تيار صهيوني سيحكم، خاصة وأنكم لم تغيروا هذه العادة منذ نشأتكم، فعايشتم اليسار واليمين والوسط، فماذا أحضرتم لنا من تلك السوق؟

زر الذهاب إلى الأعلى