أخبار رئيسيةأخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

نحن والانتخابات (6)… الجدوى السياسية من مشاركة الكنيست؟

صالح لطفي باحث ومحلل سياسي..
قيل في امثالنا العربية القديمة أنَّ فاقد الشيء لا يعطيه ويمكنني الزعم أن الاحزاب والحركات العربية المشاركة في الكنيست لم تقدم شيء للداخل الفلسطيني لأنها فاقدة التأثير أصلا فوجودها من عدمها سواء ، وهو ما يطرح مجددا جدوى المشاركة في الكنيست وما يمكن ان تقدمه للداخل الفلسطيني في ظل وضعيتها التي بنيت عليها ومنطق المحاصرة للنواب الممثلين للداخل الفلسطيني الذي يحكُمُ قواعد الممارسة السياسية داخل تلكم أروقة الكنيست اللهم ألا ما كانت مصلحته تصب ابتداء في جموع المواطنين الاسرائيليين ابتداء ، ولعل فشل القائمة المشتركة في الاستمرار يحتاج الى نظر وتبصر عميقين ولكنه قطعا يتنزلُّ على مثال ما ذكرنا من ان فاقد الشيء لا يعطيه ذلكم أنّ الكنيست كما أشرت في مقالتي السابقة هي بحد ذاتها الهدف والغاية وليست اداة يمكن من خلالها خدمة الداخل الفلسطيني ولعل دراسة قانون الاحزاب وتعقيدات العلاقة بين الحزب والعمل الحزبي والكنيست والتمويل وتراجع الحالة الشعبية للاحزاب لصالح فعلها السياسي الداخلي الذاتي يكشف لنا بُعدا وسببا من أسباب تشبث المتشبثين بالكنيست.
منذ عام 1949 والعرب في الداخل الفلسطيني يشاركون في انتخابات الكنيست ولهم ممثلون بشكل اوبأخر ، والسؤال الذي يطرح دائما : ماذا حقق نواب الاحزاب العربية لمصلحة الداخل الفلسطيني ولمصلحة المواطن العربي في البلاد خلال العقود السبعة المنصرمة ؟. وكيف نفسر أنَّ كافة الإنجازات التي حققها العرب في الداخل الفلسطيني كانت ثمرة نضالاتهم الشعبية ولم تكن مطلقا من داخل الكنيست ، وإن شارك في بعضها نواب من الكنيست الا انه بداياتها كانت دائما من خارج الكنيست ؟.
جدوى المشاركة السياسية علم قائم بذاته وقد تطور بفعل الممارسات السياسية في الدول الديموقراطية وشكل هذا العلم تكأة أساس لفهم السلوك السياسي وأنماطه والتنبؤ بمستقبل العمل السياسي والاحزاب السياسية ، ونحن هنا أذ نطرح جدوى المشاركة في الكنيست فإنما نطرحها من باب انها عمليا فعل سياسي من المتوقع ان تترتب عليه نتائج عملية اما سلبا واما ايجابا .
طرح الجدوى من مشاركة الداخل الفلسطيني عموما والاحزاب كجزء منه في الانتخابات للكنيست ليست قضية ناهضة اليوم بفعل الانتخابات القريبة بل هي محل سؤال يقارفه كل من يعمل في التحليل والتنبؤ السياسي وقد طفحت صفحات الباحثين الاسرائيليين وغير الاسرائيليين متناولة هذا الموضوع ، وهناك من تناوله من باب فهم بعد جديد طاريء على العلوم السياسية-الاجتماعية من حيث جدل العلاقة بين المُستَعمِر والمُستَعمَر في سياق جدوى العمل السياسي القادم من مدارس علوم التحليل السياسي والتنبؤات السياسية ، وناقشه العديد من المهتمين بجدل العلاقة بين المؤسسة الاسرائيلية كمنتج “أخلاقي-سياسي-استعماري” للحركة الصهيونية والأقلية العربية الفلسطينية أذ توضح الدراسات ذات الصلة بالحركة الصهيونية وجود دراسات صهيونية جد مبكرة تناولت الوجود الفلسطيني على هذه الارض وسبل التعامل معه وتنبأت ووضعت العديد من التصورات لصيرورات تلكم العلاقات ، لذلك تستوجب هذه اللحظة التاريخية من مسيرة داخلنا الفلسطيني حيث تتبدل أحواله من سيء الى أسوأ ويتراجع العمل السياسي الى نقطة الحضيض بعد حظر الحركة الاسلامية ، نظرة معمقة ومراجعات جادة شاملة لمجمل العمل السياسي في الداخل الفلسطيني وخاصة أولئك الذين أرتئوا العمل من خلال الكنيست.
صفرية الجدوى السياسية ..
الجدوى السياسية هي مقياس لمدى جودة حل مشكلة السياسة وعادة ما يتم تعريف الجدوى السياسية في ثلاث طرق مترابطة وفقا لمقولات العالم السياسي الاسرائيلي يحزقيل درور: قدرة الفاعل- في حالتنا الاحزاب العربية المشاركة في انتخابات الكنيست – على التأثير في السياسات وتنفيذها ، توزيع الاحتمالات فيما يتعلق بكل سياسة بديلة يمكن ان تتخذها تلكم الاحزاب لتحقيق اهدافها لصالح الداخل الفلسطيني ” في حالتنا المخصوصة” ، مجموعة من بدائل السياسة “الحساسة للوقت التي يمكن طرحها والعمل بها للتأثير على السياسات . وترتبط تنبؤات الجدوى السياسية بثلاثة عوامل مركزية تتمثل في البيئة السياسية وفي القدرة السياسية وفي قيمة العدل كقيمة سياسية ، وتتجاذب مسألتي العدالة والفعل السياسي كمعايير يتم الاستعانة بها لتحقيق هذه الجدوى.يضاف الى ما ذكرت ثمة حاجة في الاشارة الى العوامل التي نعتبرها معايير للتحقق من الجدوى من مثل قوة الهيئة السياسية ميدانيا وماذا قدمت للناس ، وحجم نفوذها بين الناس (عموم الناس) ، وكيف يمكنها تمرير افكارها الى الشارع والاقتناع به وخلق قاعدة مؤسسة لهم وكيف يتم التعامل مع الاخر الرافض مثلا للطروحات السياسية… نظريا تتشكل الجدوى السياسية من خلال مصالح الأفراد في المجتمع وتوزيع القوة فيما بينهم ولذلك تتميز الجدوى السياسية بسياقاتها المعقدة والمتداخلة فلا يمكننا دراسة الجدوى السياسية من دخول الكنيست دون علمنا بدراسات البيئة السياسية المتعلقة بواقعنا الفلسطيني ومنها الاحزاب والقوائم السياسية المشاركة في انتخابات الكنيست وقياسها بناء على عناصر قوتها وضعفها المتعلقان بالفعل السياسي ولا يمكننا تحديد الجدوى السياسية من المشاركة في انتخابات الكنيست دون القيام بجرد شامل للفعل السياسي للاحزاب والحركات منذ مشاركتها في الكنيست عام 1949 وحتى الدورة الاخيرة المنتهية وما هي الفوائد المتحققة من تلكم المشاركة على صعيد المواطن والمجتمع في الداخل الفلسطيني.
واضح مما سبق أنَّ الاحزاب العربية داخل الكنيست يؤول تأثيرها على السياسات داخل الكنيست ومن ثم على الحكومة يؤول الى الصفر ، وأنَّ احتمال إيجاد وإبداع قوانين وسياسات بديلة داخل الكنيست وان ملكت الامكانية العلمية والارادة لذلك من مثل طرح قوانين لا تستطيع تمريرها مطلقا وبذلك يكون تأثيرها في هذا الجانب صفري وأمكانية طرح بدائل داخل الكنيست غير وارد مطلقا فيما تملك إمكانية ذلك خارج أسوارها وهو ما يؤكد عدم جدوى المشاركة وهو في الوقت ذاته ما يطرح سؤال سبب الإصرار على المشاركة تحت قاعدة عنزة ولو طارت.لا يمكننا الإنكار أنّ الاحزاب والحركات والقوائم العربية المشاركة في انتخابات الكنيست ليست على صعيد واحد من حيث التنظيم السياسي والتأثير الجماهيري وإن بدا واضحا أن ثمة أزمة بين هذه الاحزاب وجماهيرها فضلا عن عموم الداخل الفلسطيني.
ثمة أحزاب وحركات لها رصيد شعبي وهناك دكاكين تسمى احزاب قسم منها كان يوما في الكنيست ويناوش بين الحين والحين لتحقيق مكسب مالي مع كل دورة انتخابات للكنيست ، وفي المقابل توجد حركات خارج الكنيست أقوى بكثير من حيث التأثير الجماهيري من احزاب وحركات داخل الكنيست.
الاحزاب داخل الكنيست لم تحقق أي منجز سياسي او معاشي او اقتصادي يحسب لها على مستوى الداخل الفلسطيني والقوانين التي سنت في السنوات الاخيرة كانت كفيلة بخلق مراجعات شاملة لعملها خاصة ما تعلق في قضايا المطلبية الاساسية الارض والمسكن والحياة الكريمة او القضايا الجوهرية ذات البعد القيمي-الوطني من ثمل قضايا الهوية والانتماء ، ولعل الوضعية المحصورة لهذه الاحزاب داخل الكنيست وأثرها المحدود في تحقيق مصالح الداخل الفلسطيني الذي قارب 20% من تعداد السكان كان كافيا ، ولو أخلاقيا ، باستدعاء مراجعات شاملة لهذه الاحزاب وما يمكن ان تحققه خارج الكنيست لو انها اعلنت عن مقاطعتها للكنيست فهي تملك من الاسباب والحجج والبراهين الكثير ولو اعلنت عن تعظيم مكانة وشأن وعمل لجنة المتابعة وجعلها سقفا ناجزا وحقيقيا للداخل الفلسطيني لكان خيرا لها وأصوب.
والحقيقة الماثلة والصارخة امامنا تقول ان الكنيست قدمت لنا قوانين مصادرة الارض وقوانين هدم البيوت وقوانين منع عودة اهلنا اللاجئين الى ارضهم ووطنهم وبيوتهم وقوانين مصادرة اوقافنا ومقدساتنا وقوانين الحصار السياسي والمعيشي والحرب على هويتنا وانتمائنا.

الأزمة الاخلاقية للاحزاب المشاركة في انتخابات الكنيست..
اشرنا الى ان الجدوى مجموعة من العوامل يخضع لها الفعل السياسي للتحقق من جدواه ونحن في حالتنا الفلسطينية أمام مجموعة حقائق ماثلة لكل متابع لعمل الكنيست فالاحزاب العربية لم تقدم منجزا هاما للداخل الفلسطيني يتماثل وحجم ومكانة هذه الاقلية بل ولم تقم هذه الاحزاب والحركات -على حد علمي- على مدار تاريخها بتقديم كشف حساب ماذا قدمت وبماذا خدمت الداخل الفلسطيني. قراءات متواضعة للداخل الفلسطيني سيسحبنا الى وضعية الرداءة الحياتية والمعيشية والمجتمعية والسياسية وقد يحاسبنا البعض ان هذا ليس من مسؤولية الاحزاب والحركات السياسية داخل الكنيست فحسب وهذا قول صحيح ولكن هذه الهيئات الكنيستية نفترض أنها تملك من حيث وجودها في الكنيست ما لا يملكه أخرون يمكنها من خلالها معالجة الخلل والوهن الذي يصيب مجتمعاتنا وإلا فعلى هذه الأحزاب أن تصارح ناخبيها بما تملكه وما لا تملكه من تأثير على هذه الكنيست التي باتت غولا يغول فيه اليمين المتشدد علينا أفرادا وجماعات.
في السياق التاريخي فإنّ من ناهض تلكم الرداءات كانت الحركة الاسلامية المحظورة اسرائيليا والتي اقتنعت دائما بعدم جدوى الكنيست فعملت من خلال رؤيتها المؤسسة على ثنائية الدين والوطن عملا طلائعيا تمثل بعديد المنجزات في مقدمتها المجتمع العصامي بجوانبه العملية والمعيشية والاخلاقية والسياسية والوطنية حيث عالجت من خلال تلكم الرؤية تلكم البثور التي صبغت وجه مجتمعنا الجميل كما عملت من خلال مشاريعها التربوية والدعوية والإحيائية على تمكين المجتمع في الداخل الفلسطيني.
أنّ الفقر والفاقة وفي بعض الاحايين الإملاق يتسيد مسارات المعيشة والحيوات اليومية ، وهدم البيوت الذي بات يقلق كل مواطن في داخلنا الفلسطيني ، والبطالة المستمرة بالارتفاع وتراجع وجودة الحياة وانتشار الجريمة والعنف ودخول بعض معالم العنف السياسي على الخط بعد انتخابات السلطات المحلية الأخيرة ، وتهديد وتخطير مئات البيوت بالهدم بل وتصريح مديرية ” الهدم ” بالعمل على هدم الالاف من بيوت العرب بحجة البناء غير المرخص وهذا كله في سياق قضايا مطلبية فكيف اذا انتقلنا الى القضايا المتعلقة بالانتماء والهوية من مثل الخدمة المدنية والشراكات والنشاطات التي تُمارس على مستوى الشباب والشبيبة اليهودية-العربية واختراق اجهزة الأمن لمجتعاتنا المحلية عموما والشبيبة خصوصا.أنَّ هذا كله كاف اخلاقيا ولو من باب احترام عقول العامة والخاصة في مجتعمنا في الداخل الفلسطيني الأعلان عن مراجعات بعدئذ اتضح فشل الجدوى السياسية من الكنيست فما اوقفت الاحزاب من خلال الكنيست مصادرة أرض ولا أوقفت هدم بيت ولا أوقفت قانونا يستهدف الداخل الفلسطيني وما أكثرها وما قانون القومية عنا ببعيد ، ولو كنت نائبا في الكنيست لقدمت استقالتي منها على خلفية هذا القانون ليس لأنه عنصري وفاشي ولا أخلاقي فحسب بل لأنه يؤسس لواقع قادم جدُّ سيء لا من حيث العلاقة بيننا مع الدولة التي نتمتع بها بنصف او ربع مواطنة بل لأن تداعياته ستؤسس لعمليات قتل وأبادة بحق الفلسطينيين باسم القانون الذي وأن عارضه النائب العربي ألا أن وجوده ومحاججته وقبوله بقواعد الفعل السياسي داخل الكنيست يلزمه احترام ما صدر عنها ومنها هذا القانون الذي شرع بعض القضاة استعماله لحماية تغول المتشددين والمتطرفين اليهود في اعتداءاتهم على الفلسطينيين كما حدث في المحكمة الابتدائية” الصلح” في القدس مؤخرا .

زر الذهاب إلى الأعلى