أخبار رئيسيةأخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

جرد حساب

الشيخ كمال خطيب
أعتز وأفتخر بالهوية الإسلامية في بُعدِها العقائدي والفكري والثقافي والأخلاقي والاجتماعي. وإن من معالم هويتي الثقافية هو التقويم الهجري، حيث اليوم هو 28/ ربيع الآخر/1440 لهجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنها كذلك هي الأيام الأولى من عام ميلادي جديد 4/1/2019.
ومطلع كل عام هجري وميلادي جديد يجب أن تكون وقفة لكل عاقل، فيها يراجع ذاته ويحاسب نفسه ويجري جرد حساب دقيق وصادق من خلاله يستطيع أن يصوّب بوصلته لقادم الأيام والسنين.
إن بداية العام هي مناسبة وتاريخ لافت لجعله محطة فارقة بين ماضٍ يمكن أن يكون فيه قد سوّدنا صحائفنا بقبائح الأعمال، واقترفنا فيه من الذنوب ما يجعلنا نندم عليها أشدّ الندم، وبين مستقبل نسعى لأن يكون أفضل من الماضي بفتح صفحة جديدة في العلاقة بيننا وبين الله سبحانه فنستغفر الله من ذنوبنا تلك ونندم على ما فات، ونعزم العزم الأكيد على ألّا نعود إلى معاصينا، وأيام سوداء تجاوزنا فيها حدود الله سبحانه.

# ذنوب زمانهم وذنوب زماننا
قال ابن القيّم رحمه الله في وصف ذنوب العباد في زمانه، ونتائجها على الفرد والمجتمع: “اقشعرّت الأرض وأظلمت السماء وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات والخيرات وهزلت الوحوش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال القبيحة، وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وظلمة المنكرات والقبائل، وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل قد ادّلَهمّ ظلامه. فاعتزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح. فاشترِ نفسك اليوم، فإن السوق قائمة والثمن موجود والبضائع رخيصة، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل ولا إلى كثير (ذلك يوم التغابن) (يوم يعضّ الظالم على يديه) “.
وإذا كان هذا حال ذنوب العباد في زمانه مع كثرة الصالحين ومع وجود الحكام الذين يطبقون وينفذون شرع الله رب العالمين، فكيف هو حال العباد اليوم مع كثرة الذنوب والآثام، إنها الآثار والانعكاسات في حياة الناس نجدها عبر كثرة الزلازل والبراكين وموجات البحر المدمرة “تسونامي” والتغيرات المناخية والاحتباس الحراري وغرق السفن وسقوط الطائرات، نعم إنها الفيضانات والأعاصير والفيروسات وموجات الحر وموجات البرد، وكثرة الإجرام وترنح الاقتصاد، وحرائق الغابات وكثرة حوادث إطلاق النار والقتل، وكثرة الانتحار والأمراض النفسية.
إنّ هذه نتائج حتمية لانتشار الظلم وكثرة الفساد وشيوع الزنا وانتشار نكاح المحارم، بل وسن القوانين التي تبيح زواج الرجل بمثله والمرأة بمثلها، وكذلك الربا وغيره من مظاهر الفساد عنها، قال الله سبحانه {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس}.

# أثر الذنوب
قال ابن القيّم في كتابه – الجواب الشافي – عن أضرار وآثار الذنوب فقال: “حرمان العلم والرزق ووقوع الوحشة بين الله والعاصي وظلمة الوجه والقلب والقبر، ووهن القلب وضعفه أحوج ما يكون العبد إلى قوته، وحرمان الطاعة ومحق العمر، وزوال استقباح الذنوب. وأن المعاصي تورث الذل وتفسد العقل وتحدث فسادًا في الأرض والماء والهواء، وتذهب الحياء والغيرة وتوجب الهلاك”.
وذكر الإمام أحمد في مسنده فقال: “وجد في خزائن بني أمية حبة حنطة بقدر نواة التمرة وهي في صرّة مكتوب عليها، هذا كان ينبت في زمن العدل”. وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء أنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هو عليه الآن، وكثير من هذه الآفات التي تصيبها لم يكونوا يعرفونها.
إنّ للذنوب آثارًا حتى وإن تأخرت، وأنّ من مكر الله بالمذنبين أنهم يظنون أنّ تأخير عقوبة الله لهم في الدنيا هي إشارة إلى أنهم لم يذنبوا وينسون أن الله يمكن أن يُملي للظالم والمذنب لعله يتوب، لكنه إذا ظن أنّ هذا من دلائل صواب ما فعل، فإنه الشرّ العظيم الذي سينزل به، قال سليمان اليتيمي: “إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته”. وقال يحيى بن معاذ الرازي: “عجبت من ذي عقل يقول في دعائه: اللهم لا تشمت بي الأعداء ثم هو يُشمّت كل عدو بنفسه، قيل كيف؟ قال: يعصي الله فيشمت به يوم القيامة كل عدو”.
ومن آثار الذنوب أنها الوحشة بين المذنب العاصي وبين الناس، لا سيما أهل الخير والصلاح منهم، فإنه يجد وحشة بينه وبينهم. وكلّما قويت هذه الوحشة بَعُدَ منهم ومن مجالسهم وحُرم بركة الانتفاع، وقرب من حزب الشيطان وابتعد عن حزب الرحمن، وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم فتقع بينه وبين امرأته وولده وأقاربه وبين نفسه، فتراه مستوحشًا من نفسه وقد قال بعض السلف: “إني لأعصي الله فأرى عقوبة ذلك في خُلُق دابتي وزوجتي”.
ومن آثار الذنوب تلك الظلمة يجدها في قلبه ذاك المذنب، يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم. وإذا ادّلَهم فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره. فإن الطاعة نور والمعصية ظلمة، وكلما قويت ظلمته ازدادت حيرته. قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “إن للحسنة ضياء في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق. وأن للسيئة سوادًا في الوجه وظلمة في القلب ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق”.
يقول ابن القيّم في كتابه القيّم -الداء والدواء- : “إن المعاصي تزرع أمثالها ويولد بعضها بعضًا، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها. فإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، ومن ثواب الحسنة الحسنة بعدها. فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها اعملني أيضًا، فإذا عملها قالت الثالثة كذلك وهلمّ جرا، فتتضاعف الأرباح وتزيد الحسنات. ومثل الحسنات فإنها السيئات، فإن جرأة العبد على المعصية يهون عليه المعصية بعدها، بل إنها تصبح صفات ملازمة له ويصبح يحس كأنه السمكة إذا فارقت الماء فإنها ستموت، فتراه يعود للمعصية فتسكت نفسه، حتى إنّ كثيرًا من الفساق ليواقع المعصية من غير لذة يجدها، إلا لمّا يجد من الألم بمفارقتها وهو ما يسمى “الإدمان” كما قال الحسن بن هانئ المعروف بأبي النواس أحد أشهر العصاة:
وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها
وقال آخر:
فكانت دوائي وهي دائي بعينها كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

# إياك والذنوب
إن عقوبات الذنوب كثيرة، وجدير بنا أن نتجنبها، وإذا وقعنا فيها فلا بد من السرعة لإزالتها كما نزيل بالصابون ما علق على أجسادنا من أوساخ وذلك بالاستغفار، فإنه أفضل صابون الذنوب.
إنّ المسلم ليس معصومًا أبدًا، وإنّ المؤمن لن يكون ملاكًا ولكنه يختلف عن غيره. إنه شديد الحذر من الذنوب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنّ المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإنّ الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار”. بل إنّ المؤمن شديد المحاسبة لنفسه، فلا يطاوعها في ارتكاب الذنوب حيث هي الأمّارة بالسوء، وإنما هو كما قال أحد التابعين: “المؤمن أشد حسابًا لنفسه من شريك شحيح والشريك الشحيح لا يسامح ولا في فلس”.
إن المؤمن شديد الحذر من ذنوبه كحذره من عدو يتربص به وأكثر. وإنّ المؤمن يرد ما يصيبه من بلاء وأذى، فإنما هو بسبب ذنب ارتكبه. ها هو الإمام محمد بن سيرين وقد سجن في دين عليه للناس فقال: “إني لأعلم الذنب الذي به سلطهم الله عليّ، فإنني قلت يومًا لرجل يا مفلس، فابتلاني الله بالإفلاس والدّين ثم السجن.
ومن هذا الفهم قال أحد العلماء: “إنّ القوم قلّت ذنوبهم فعرفوا من أين أتوا، ونحن كثرت ذنوبنا فلا ندري من أين أوتينا”. بل إنّ أحد السلف الصالح وقد شتمه أحد السفهاء يومًا فقال: “اللهم اغفر لي الذنب الذي به سلطت ذلك السفيه عليّ فشتمني” فقد اعتبر أنّ تطاول السفيه عليه هو عقوبة لذنب اقترفه.

# جرد حساب
انتبه أحدهم وقد بلغ من العمر ستين سنة، فما أحس إلا والشيب يغزو رأسه والعلل والأسقام تنهش جسمه، فأخذ يراجع نفسه ويحاسبها كما يحاسب الشريك شريكه، فقال لنفسه: لو أنني عصيت الله في كل يوم مرة واحدة لكان اجتمع عليّ من الذنوب 21900 ذنب، هذه كلها ذنوب سألقى بها الله، فأخذ يبكي وينتحب ويقول واخجلاه وافضيحتاه إن لم يغفر لي ربي.
فاعمل لنفسك يا أخي ويا أختي جرد حساب، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتهيئوا ليوم العرض على الله تعالى.
وحتى لو أننا حذفنا من أعمارنا خمسة عشرة عامًا هي ما قبل سن الرشد والبلوغ، حيث يرفع عنا فيها القلم، فلا نعاقب على ذنوبنا وهذا من رحمة الله بنا، إلا أنّ ما يتراكم من ذنوب وما يسطر في صحائفنا فإنه كثير.
فيا ابن السبعين وإن كان الله قد تجاوز عن خمسة عشر منها إلا أن ذنوبك في 55 سنة قد تبلغ 20075 ذنبًا، هذا إذا لم تذنب في اليوم إلا ذنبًا واحدًا. وأنت يا ابن الستين فإن في حسابك 16425 ذنبًا. وأنت يا ابن الخمسين فإن في حسابك 12775 ذنبًا. وأنت يا ابن الأربعين فإن في حسابك سيكون 9125 ذنبًا.
وإذا كان هذا جرد حساب لمن يذنب في اليوم ذنبًا واحدًا، فكيف ونحن الذين تلفنا الذنوب وتغرقنا، بل لعلي لا أتردد بالقول أن يدلّوني على من لا يذنب في اليوم إلا ذنبًا واحدًا حتى أقبل رأسه بل يديه بل رجليه، لأنه في نظري من الأولياء الصالحين. ورحم الله من قال: “إنّ من لطف وستر الله علينا أنه لم يجعل لذنوبنا رائحة، وإلّا فإنه لو كان للذنب رائحة لافتضحنا وانكشف سترنا ولكنه الله الستار.
وإذا كان صاحب الحانوت أو أي مصلحة تجارية مع نهاية كل عام وبداية عام جديد فإنه يجري جرد حساب للسنة المالية الماضية فيها يقيّم عمله وما عليه من ديون أو ماله من مستحقات عند الآخرين، ويقدر ما في حانوته أو شركته من ممتلكات من أجل أن يبدأ سنته الجديدة برؤية واضحة، ومحاولًا أن يطوي سجلات حانوته أو شركته وهي على أتم ترتيب ليضمن بذلك النجاح ويتجنب الخسارة.
فإذا كان هكذا يعمل التاجر الناجح مع تجارته مع الناس، فكيف لا يعمل أحدنا هذا في تجارته مع ربه سبحانه وتعالى، وحيث الخير كل الخير والربح كل الربح هو لنا نحن لأن الله سبحانه غني عنا وعن العالمين.
فهيا إلى الحساب نطوي صفحة العام الماضي بتوبة صادقة وعزم أكيد على أن نمضي في طريق التوبة والاستقامة وخدمة الإسلام ونصرة الدين.

رحم الله قارئًا دعا لنفسه ولي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

زر الذهاب إلى الأعلى