أخبار رئيسيةأخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمحلياتمقالات

تـراجع الحالة الحزبية

صالح لطفي .. باحث ومحلل سياسي
الحياة السياسية في البلاد حياة ثرَّةُّ لأسباب تتعلق بالواقع السكاني-السياسي للمجتمع الاسرائيلي كونه مكون من مجتمعات وافدة على هذه البلاد تحمل افكارا وقيما مختلفة تجلت بمنظومات سياسية كالأحزاب.
اسرائيل قامت على يد جهاز سياسي إدارته الأحزاب الصهيونية آنذاك، وقد نبعت قوة هذه الأحزاب في تلكم الفترة الزمنية من القيم الأيديولوجية الراسخة لدى تلكم الأحزاب في تلكم الفترة التاريخية من مسيرة الحركة الصهيونية. أحد أهم تجليات هذه القوة لدى الأحزاب تمثل بالأعداد الغفيرة التي انتظمت في صفوفها وما ملكته من أرضية تنظيمية-اجتماعية-اقتصادية جعلت وبحق هذه الاحزاب تؤسس الدولة لتتحقق مقولة حزب يبني دولة. عمليا، بُعَيد قيام الدولة لعبت هذه الأحزاب دورا وظيفيا هاما كوسيط بين المجتمع الآخذ بالتخلق والدولة الآخذة كذلك بالتبلور، وتشكل السيرة الذاتية لحزب “المباي”، المثال الحي على تلكم الصيرورات ودور الحزب في تأسيس الدولة.
استمرت هذه الحالة- حالة التنفُذ الحزبي- حينا من الزمن وبدأت نهايتها بفضيحة “لافون”عام1954، ووصلت ذروتها عام 1965بترك بن غوريون “مباي” ومعه العديد من القيادات ثم كان احتلال عام 1967 لما تبقى من الأرض الفلسطينية ليتضح مع مسارات الاحتلال أن الاحزاب الصهيونية كافة لا تملك أجوبة شافية، وطبعا الحكومات المتعاقبة، على معادلة الأمن والسلام ليصل ذروته القصوى عام 1973 بما عُرفَ بحرب رمضان، ومنذ ذلك التاريخ يمكن تسجيل نقطة الانكسار في العلاقة بين المواطن الاسرائيلي والاحزاب عموما والأحزاب الكبيرة خصوصا.
ورثت هذه الدولة حياة سياسية دينامية بفضل الحياة الحزبية القادمة من فترة “الييشوف”- أي قبيل قيام الدولة-، واستمرت هذه الحياة السياسية إلى هذه اللحظات مع وضوح كبير في ضمور دور الأحزاب، ولعل الحالة التي وصل إليها حزب مباي التاريخي المتمثل اليوم فيما يسمى بالمعسكر الصهيوني يعبر بوضوح عن حجم التحولات السياسية الجارية في داخل المجتمع الاسرائيلي خلال القرن السالف وهاتين العشريتين، حيث رافق هذا السقوط المدوي ارتفاع مطرد بقوة الحزب المنافس، حزب الليكود وذلك باعتماده الشعبوية منذ عام 1977- (الشعبوية في السياق الاسرائيلي: هو الخطاب الذي يستعمله اليمين عموما ورئيس الوزراء خصوصا ضد مناهضيه وخاصة العرب ويتسم بالتهويل والتخويف والعنصرية والازدراء، ومثال ذلك قول نتنياهو المشهور في انتخابات عام 2015 العرب يهرولون الى الصناديق)- أساسا لتمكينه الحزبي وتقدمه السياسي.
الأحزاب الإسرائيلية
الاحزاب في اسرائيل هي إما احزاب تعود أصولها التأسيسية الى فترة “الييشوف” أو تأسست بعد قيام الدولة. الأحزاب التي سبق وجودها وجود اسرائيل كانت في جوهرها احزاب عقائدية طلائعية حملت مشروع الدولة واليوم لا تسمى باسمائها الأولى، ولكن من حيث المجايلة التاريخية (المجايلة التاريخية في السياق الاسرائيلي للأحزاب هي كما اراه تعبير زماني عن الاحداث الكبرى التي اعتورت الحزب وأدت الى تداعيات أو نتائج جوهرية في مسيرة الحياة السياسية برمتها والاحداث الداخلية، أي داخل الحزب التي اثرت في بُناه التنظيمية والفكرية)، هي امتداد زماني لهذه الاحزاب الأم ومن ثم فهي تملك رصيدا حزبيا وسياسيا ثَرَاَّ لا يمكن إخفاؤه، وهناك أحزاب طارئة على المشهد السياسي ظهرت في سياقات مختلفة لّما تنجح الاحزاب الكبرى على تقديم الاجوبة عليها. في مقدمة الأحزاب “التاريخية ” المعسكر الصهيوني الذي ورث “العمل” و”المعراخ” و”المباي”، و”الليكود” الذي ورث الحركة التصحيحية و”حيروت” و”الحزب الليبرالي” و”حركة العمل من أجل أرض إسرائيل الكاملة”، والبيت اليهودي الذي ورث “المفدال” و”الجبهة الدينية الموحدة” وحزب “مزراحي” و”هبوعيل همزراحي”، و”الجبهة الديموقراطية” التي ورثت “ماكي” و”راكاح” “الحزب الشيوعي” و”الفهود السود”، و”يهدوت هتوراه” التي ورثت “اغودات هتوراه” و”ديجل هتوراه”، و”ميرتس” التي ورثت “مبام” و”شينوي”، وهذه الاحزاب تأسست في شرقي أوروبا مطلع القرن العشرين وقد تأثر المؤسسون الاوائل من الحداثة الاوروبية وتجلياتها السياسية ومجمل العلاقات مع “الحالة الصهيونية”.
الأحزاب التي ظهرت بعد قيام الدولة تميزت بقصر حياتها والمفاجئات التي تعتورها في العمل السياسي واختفائها ولو بعد حين عن مسرح الحياة السياسية أو انضوائها تحت لافتات سياسية أخرى تحسبا من غيابها السياسي الكلي.
تكشف متابعات الأحزاب الاسرائيلية سواء القديم منها او الحديث وبغض النظر عن عمرها الزمني أنها تمر بمراحل ثلاثة قد تطول زمنا وقد تقصر تبعا للوضعية التنظيمية الداخلية لهذه الأحزاب، ومقدرتها على التجنيد البشري الذي يحافظ عليها. التأسيس البنيوي بشقيه الفكري والمصلحي وحالة الحراك الداخلي ونجاحها في بناء قواعد تنظيمية عبر ما يسمى فروع الحزب ونشاطاته المحلية المؤسسة لخلق حالة مجتمعية عامة تدفع للمرحلة الثانية وتتداخل معها ولا تتخلى عنها، تتسم بالتواصل الحزبي مع القضايا والهموم المجتمعية وبمقدار نجاح الحزب التعاطي مع هذه الهموم وتقديم الحلول لها بمقدار تجذره في الحياة السياسية ثم تكون المرحلة الثالثة من مسيرة هذا الحزب بعد أن تأسست له قواعد بنيوية والتي تتسم بالترهل والتفلت التنظيمي وكلما ازدادت أعداد هياكله الداخلية كلما ترهل اكثر وتسرب الفساد الى داخله وإن ببطء، بل وتشير الدراسات السياسية ذات الصلة أنّ العضوية الحزبية بذاتها أضحت حملا ثقيلا خاصة في عصر السايبر ( السايبر: كلمة تباشر وصف الفضاء الذي يضم الشبكات المحوسبة، ومنظومات الاتصال والمعلومات وأنظمة التحكم عن بعد(، واذا ملكت هذه الأحزاب ممتلكات ومرافق اقتصادية فإنها عادة ما تقوم ببيعها او خصخصتها، إما لسداد ديون تراكمت عليها واما لتتخلص من اثقال باتت تثقل الحزب ولا يستطيع متابعتها.
قوننة الأحزاب تحت سقف الدولة
في الحالة الاسرائيلية كما الغرب تدخلت الدولة للتعاطي مع الحزب وفكه عن حمائية الدولة (أنقل مصطلح الحمائية من سياقه التجاري-الاقتصادي المعني بتقييد التجارة بين الدولة وخلق وصاية اقتصادية “ما” الى عالم السياسة الحزبية في السياق الإسرائيلي كتعبير عن وصاية الحزب على الدولة بزعم أنه مؤسس الدولة من فترة الييشوف) لصالح تفعيل مسؤوليتها عليه وتمّ لها ذلك من خلال قانونين الأول سُنَ عام 1969 ويسمى قانون تمويل الأحزاب، وقد قطعت الدولة من خلاله على الأحزاب تفعيل التبرعات لصالحها وتحقيق تواصل مستمر مع المجتمع وذلك عبر تمويله مباشرة من خزينتها، وبذلك نقلت العلاقة من طورها العام الى الخاص المتعلق بالدولة كممول ولا يتم التمويل إلا من خلال المشاركة في الانتخابات والحصول على مقاعد تترجم ماليا لتحقق للحزب نشاطه السياسي، ومن ثم فقد خلقت فاعلية حزبية داخلية تتعاطى مع الانتخابات كهدف ذاتي ليحقق لها الكسب المالي من جهة وتشغيل كوادر الحزب من جهة أخرى وتفعيل المستوى التنظيمي الداخلي عبر هياكله المختلفة، والثاني قانون الأحزاب للعام 1992. ووفقا لهذين القانونين فكل حزب لا يشارك في الانتخابات للكنيست لا ينطبق عليه اسم الحزب.
تآكل دور الأحزاب وتراجعها
منذ سبعينات القرن الماضي تتراجع قوة الأحزاب الكبرى لصالح حالة من التشظي الحزبي الواسع ولصالح احزاب طائفية من مثل حركة شاس واحزاب قطاعية من مثل اسرائيل بيتنا وثالثة مصالحية من مثل حزب المتقاعدين “هجملائيم” الذي شارك في انتخابات 2013.
الاحزاب السياسية الاسرائيلية تتراجع باستمرار ومستوى ثقة الجماهير بها يتضاءل كذلك باستمرار- انظر جدول رقم1- ومن معالم هذا التراجع على سبيل المثال لا الحصر تراجع اعداد المنتسبين لهذه الاحزاب- انظر جدول رقم2- وقلة المشاركين حتى من المنتسبين في نشاطات وفعاليات هذه الاحزاب، وتراجع منظومات القيم الفكرية والايديولوجية لهذه الاحزاب لصالح متغيرات مجتمعية بدأت تأخذ بعدا جوهرانيا داخل المجتمع الإسرائيلي فرضتها الأتمتة (الأتمتة): الأتمتة هي استخدام الحاسوب والأجهزة المبنية على المعالجات والبرمجيات في مختلف شؤون وتصاريف الحياة العامة واليومية والتي تشير الى تراجع الدور البشري وذلك لتأمين سير الإجراءات والأعمال بشكل آلي دقيق وسليم وبأقل خطأ ممكن) والحداثة في سياقات المجتمع اليومية ويعزو عديد الباحثين الأسباب المباشرة لتراجع دور الحزب في عموم النُظُم الديموقراطية ومنها إسرائيل الى فقدان الدور الاساس للحزب في سياقه المجتمعي: الدور الفكري والايديولوجي، والدور الاجتماعي وتحوله مع مرور الوقت الى هيكل لا روح فيه تمده بالحياة بين الحين والحين الانتخابات الداخلية للحزب وانتخابات البلاد العامة، وذلك بتحوله من حزب نابض بالحياة الى حزب يشكل رافعة للسياسيين ليتقدموا للانتخابات التشريعية للحصول على مكانة سياسية معززة ماليا بدخل معيشي محترم يُمَكِنُهُ من تعزيز مكانته الاجتماعية بعدئذ تحصل على مكانة سياسية تحت سقف الكنيست.

مرد هذا التراجع المستمر يعود الى ستة أسباب في مقدمتها فشل هذه الاحزاب في تقديم اجوبة وافية وحقيقية على المستجدات والطوارئ التي تعتور الحياة المدنية والسياسية في البلاد خاصة فيما يتعلق بالوضعين السياسي- الامني والاقتصادي، وتآكل دور الحزب الوظيفي كوسيط بينه وبين الدولة/ الحكومة لصالح المؤسسات الحكومية التي تباشر العلاقة مع ساكنة البلاد خاصة في عصر السيولة المعلوماتية وتوافر وإتاحة التواصل بين السكان كأحاد وهذه المؤسسات، التراجع الايديولوجي-الفكري داخل الاحزاب عموما لصالح حالات شعبوية وتبني بعضها سياسات ضبابية في القضايا الحارقة من مثل حدود الدولة ،العلاقة مع الفلسطينيين، العلاقة مع الفلسطينيين من حملة الهويات الزرقاء، العلاقة مع كارتيلات المال والنفوذ واختراقهم لبعض هذه الاحزاب لتمرير مصالح لها داخل الكنيست من مثل منع قانون التدخين لجيل معين ومنع ادخال شركات كهرباء منافسة، خصخصة بعض مرافق ومؤسسات الاحزاب بسبب مديونياتها او عدم وجود كفاءات تديرها، دخول الميديا وادوات التواصل الاجتماعي كبديل سياسي/ حزبي وهذا الخير يشكل اليوم الاكثر تحديا للأحزاب والحركات السياسية يضاف الى هذا كله سيطرة قيادات بعينها على هذه الاحزاب عدد سنين تاركة خلفها اجيالا من الشباب الغض الذي طمح بالعمل السياسي ضمن الظاهرة الحزبية وهو ما ولّدَّ حالة من الاحباط والابتعاد عن العمل السياسي عموما والعمل الحزبي خصوصا خاصة في المجتمع العربي في الداخل الفلسطيني.

زر الذهاب إلى الأعلى