أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالات

الابتلاء والفتن وحيرة الحليم قبل التمكين (2-3)

حامد اغبارية

من خلال متابعة المشهد المأساوي على مسرح الأمة، وبعد أن بدا وكأنَّ أنظمة العار العربية قد بسطت سيطرتها، وتمكنت، وأطاحت بأحلام شعوبها في التحرر والانعتاق من جبروت الطواغيت ومن التبعية لعصابات الإجرام العالمية (شرقية وغربية)، رغم ما سال من دماء الأبرياء، ورغم التضحيات العظيمة التي قدمتها الشعوب على مذبح الحرية، ورغم تشريد الملايين في أصقاع الأرض، ورغم الدمار الهائل الذي أحدثه بطش الآلة العسكرية لتلك الأنظمة، مدعومة من قوى إقليمية وعالمية، في مواجهة شعوبها؛ مع هذا المشهد، تطفو أسئلة كثيرة في أذهان من ينشُدون الحق، ويسعون إلى حرية الأمة وعودتها إلى عصورها الذهبية، بعد مائة سنة عجاف من الذل والانسحاق تحت ماكينة المطامع الصليبية – الصهيونية- الجبرية. أسئلة تنمُّ عن حيرة وقلق وارتباك، مردّه إلى ارتباك المشهد ذاته، خاصة في سوريا (ولكن في مصر واليمن وليبيا والعراق كذلك): هل كنا على حق؟ أم كنا مخطئين؟ لماذا حدث ما حدث؟ وكيف يمكن أن يحدث كل هذا التراجع والانكماش في ثورة الشعب السوري – على سبيل المثال- وقد كان قاب قوسين أو أدنى من إسقاط نظام آل الأسد؟ أيمكن أن ينتصر الظالم على المظلوم، والمجرم على الضحية؟
والجواب القصير والمباشر: نعم، كنا على حق، وما نزال على الحق، ولم نخطئ في موقفنا من أنظمة العار؛ نظام آل الأسد، ونظام الخائن السيسي، وسائر الأنظمة التي فتكت بشعوبها لتحول دون حريتها، ليس فقط من أجل أن تبقى هذه الأنظمة متربعة على عروش تجري من تحتها أنهار من دماء الأبرياء، وإنما أيضا وفي الأساس، من أجل تحقيق أجندة الصليبية – الصهيونية – الماسونية، التي تسعى إلى بسط الهيمنة على بلاد المسلمين، من أجل هدف واحد ووحيد.
وما هو هذا الهدف يا ترى؟!
أترون كل ما جرى ويجري من أحداث دامية في أرض الإسلام منذ قرن من الزمان، وتخصيصا منذ مطلع القرن العشرين، وتحديدا منذ صدور وعد بلفور المشؤوم؟ إن هذا كله ليس له إلا هدف واحد: فلسطين وبلاد الشام. هذه الأرض التي فيها فصل الخطاب وحسم الأمور وتحديد المصائر ورسم خارطة العالم الجديدة.
ولتقريب المشهد، وتوضيح الصورة، فإن المسألة كلها تتعلق ببيت المقدس وبالمسجد الأقصى المبارك، الذي على صخرته تتصارع القوى، وتُنسج أوهام الواهمين، وعلى رأسها وهم الهيكل الثالث، الذي يشكل طريقا إلى مملكة إسرائيل الكبرى، التي يطمعون أن تمتد من النيل إلى الفرات، تمهيدا لنزول المسيح (أو ميلخ مشيّح) الذي نعتقد أنه ليس إلا المسيح الدجال، والذي يعتقد أعداء الأمة أنه سيخلص البشرية من الأشرار وقوى الظلام (أي من المسلمين!)، وسيحكم العالم من مملكة إسرائيل. هذا هو ملخص كل ما يجري، وليس هنا مجال التفصيل فيه أكثر، وقد فصلناه في مقالات سابقة أكثر من مرة.
سُنّة الابتلاء
وبناء على هذا يمكننا أن نفهم جانبا من جوانب حقيقة المشهد الحالي، في سوريا على سبيل المثال. وسوريا بشكل خاص ليست مجرد دولة وقعت فيها أحداث ومواجهات بين النظام وبين شعبه، وإنما هي الدولة التي من أرضها ستنطلق قوى التغيير في المنطقة، ولذلك فإن جهود قوى الاستكبار العالمية والصهيونية والصليبية وعبيدها من الأنظمة الجبرية الجالسة على صدور شعوب الأمة الإسلامية صبت في هذه البقعة من أرض الإسلام، لتمنع حدوث هذا التغيير، ويْكأنها تسعى إلى منع قدر الله، وهي لا تدري أن “تمكينها” الحالي ليس إلا استدراجا قدريا من الله تعالى: “حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (يونس: 24). إن من ضرورات فهم واقعنا أن نكون من القوم الذين يتفكرون بالمشهد.
غير أن للمشهد جانبا آخر لا يقل أهمية، بل ربما هو الأهم، لا بد من الالتفات إليه، وهو أن القوى التي صارعت النظام السوري لم تكن كلّها على هدف واحد، ولا على قلب رجل واحد، ولم ترفع راية واحدة، ولم تسر خلف قيادة واحدة. وقد شاهدنا عيانا كيف أن تلك القوى تصارعت فيما بينها، ووجهت السلاح بعضها إلى بعض، بدلا من توجيهه إلى أعداء الأمة، فاستنزفت قواها، وحرفت البوصلة، فكان لا بد من ثمن باهظ. فتلك سنّة الله التي لا تتبدل ولا تتغير، قاعدتها: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ” (محمد: 7). فهل كانت جميع القوى والفئات التي رفعت راية الإسلام في مواجهة النظام السوري قد خرجت لتحقيق معنى هذه الآية، نصرةً لله ولدين الله وللمستضعفين من الولدان والنساء؟ لقد كان من المؤلم أن ترى الإسلاميين، أو الذين يزعمون أنهم إسلاميون، يفتك بعضهم ببعض، بدلا من تجميع قواهم في مواجهة قمع النظام، ومن خلفه الاحتلال الروسي والإيراني. نعم، كانت هناك قوى رفعت راية الإسلام، أو قدمت نفسها بطابع إسلامي، لكنها لم تكن في حقيقتها كذلك، وأنا لا أقصد تنظيم “داعش” فقط، ذلك التنظيم الذي قاتل سائر القوى التي قاتلت النظام، بل أقصد تنظيمات أخرى اتضح أن لها أجندات لا علاقة لها بمستقبل الأمة، ولا بأهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى، ومنها تنظيمات مدفوعة من قوى دولية سيتضح ذات يوم قريب أنها أوجدت بالذات لإفشال ثورة الشعب السوري، بهدف الحيلولة دون تطهير أرض بلاد الشام من رجس أنظمة العار، تمهيدا لما هو قادم. ناهيك عن أن جزءا من تلك القوى التي واجهت النظام لم تكن ذات طابع إسلامي، بل خرجت منذ البداية بطابع علماني. فهل كان من الممكن أن تتوقع انتصار هؤلاء على النظام، رغم ظلمه وجبروته وبطشه، وهدمه للمساجد، وقتله للمصلين في مساجدهم، ودكّه للمساكن فوق رؤوس أصحابها من الأطفال والنساء والشيوخ؟ إنّ فهْمَنا لسُنّة التمكين يجعلنا نقول دون تردد: لا… على الإطلاق.
ولقد عاشت الأمة في مراحل التكوين والتمكين الأولى مشهدا يشرح ما نقول، يوم كان لا بد من تلقين الأمة درسا قاسيا، حتى تعلم أن للنصر شروطا صارمة وقواعد لا ينبغي الانحراف عنها. في غزوة أحد، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهراني المسلمين، وكانت الأمة قد خرجت منتشية بمعنويات تناطح السحاب من نصر غزوة بدر، واستشعرت نصرة الله للمستضعفين، غير أن فئة من أبنائها فاتها أن أول شروط النصر هو طاعة الله وطاعة رسوله في كل الأحوال، فلما تركت هذا (لفترة لم تتجاوز دقائق معدودات)، ونزلت عن سفح الجبل، وقد أمِرت أن تبقى مرابطة فيه حتى لو رأت النصر المبين، وضربت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض الحائط، (رغم أن هذا قد يفسره البعض على أنه اجتهاد من تلك الفئة بعد أن رأت عيانا هزيمة المشركين)، فكان الثمن باهظا، وتحول النصر إلى هزيمة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوْلى بالنصر رغم ارتكاب مثل هذا الخطأ، لكنها السنن التي لا تتبدل ولا تتغير.
ثم يطرح السؤال:
هل ثورات الربيع العربي والانقلابات الدموية هي نهاية المطاف؟
إنه لمن الطبيعي أن تتبادر هذه الأسئلة وغيرها في الأذهان، لأن تفكيرنا المحدود قاصر عن فهم كل شيء، وهو قاصر أكثر عن إدراك حكمة الله فيما يجري، خاصة وأننا ننطلق في تفكيرنا القاصر من أن الحق لا بدّ أن ينتصر في كل الأحوال، خاصة أمام التضحيات الكبيرة ومئات آلاف القتلى وملايين المشردين، ووضوح ظلم النظام وإجرامه، وقد نسينا أن الحق كل الحق كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والرعيل الأول من الصحابة، ومع ذلك تألموا في أحُد وفي حُنيْن وفي غيرهما.
وجوابا على السؤال: لا.. إن ثورات الربيع العربي، وتحديدا “الفشل” الذي أصابها، حيث أنها – فيما يبدو في الظاهر- لم تحقق أهدافها، ليست نهاية المطاف، بل هي بداية مرحلة جديدة، مرحلة الابتلاء، “وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ” (محمد: 31)، “وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ” (آل عمران: 141)
ثم نسأل: ماذا كانت أهداف ثورات الربيع العربي؟
لقد كان على رأس تلك الأهداف تحقيق العدالة الاجتماعية، ورفع المعاناة عن الشعوب، وتحسين الظروف المعيشية للناس، ومنح تلك الشعوب حريتها في تحديد مستقبلها، وأقصى ما حلمت به الشعوب إسقاط النظام واستبداله بنظام أكثر عدالة ورحمة بها. فالذي تربّى طوال مائة سنة على الفردانية، ولم يفكر بهموم الأمة ولا بأسباب تراجعها في قافلة الأمم، ولا بمستقبلها، وعاش أيام القهر والجوع والفقر والتجهيل، لا بدّ أن يفكر بالحلول القريبة التي يظن أنها هي التي ستغيّر أحواله للأفضل، فكان هذا أقصى ما أرادته الشعوب في العموم. لكن الشعوب أرادت شيئا، والله تعالى يدبّر للأمة أمرا آخر. وهناك من وضع لنفسه ولغيره خريطة طريق يمشي عليها ويسعى لتحقيقها، ولكن خارطة الطريق الربانية لها مركّبات مختلفة وأهداف مغايرة، لا علاقة لها بأحلام العصافير التي ميزت المشهد العام لثورات الربيع العربي، فزادته ارتباكا وعدم وضوح رؤية. وأستطيع أن أؤكد أن الفئة الوحيدة في كل هذا المشهد الكبير جدا، التي أدركت ما يجري، وفهمت منذ البداية أن الأحداث ستقود إلى ما هو أكبر من الأحلام الصغيرة للشعوب، هي تنظيم الإخوان المسلمين، ولا أبالغ في هذا. وأنت تستطيع أن تفهم هذه الحقيقة لمّا تعلم أن قوى العالم كله؛ من أمريكا إلى روسيا إلى أوروبا إلى إيران، إلى الأنظمة الجبرية قد وحّدت قواها لضرب هذا التيار ومحاربته، ليس لكونه مجرد تنظيم إسلامي، بل لكونه النواة الصلبة للإسلام الذي سترتفع رايته ذات يوم تحت قيادة واحدة.
إن ذلك الحدث الهام والمفصلي، الذي عُرف باسم “ثورات الربيع العربي” ما هو إلا خطوة واحدة في مسيرة طويلة جدا، ومتواصلة، تتميز بالتمحيص، لأن الله تعالى يقول: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} آل عمران/179. هي إذًا مرحلة تمحيص بدأت ولمّا تنتهِ بعدُ، وقد يطول زمانها، حتى تستوي على الجوديّ، وتستقر ثالثة الأثافي، ويأخُذُ القِدْرُ مكانه في مسيرة القَدَر. هي مرحلة تستخلص من الأمة رجالها الذين سيسيرون على طريق النصر والتمكين، بعد أن تُزلزَلَ الأمّةُ زلزالا شديدا، لتُطهّر مما علق بها من أدران وشوائب وانحرافات؛ “أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (البقرة: 214). “أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (آل عمران: 142). فهي بأساء وضراء وزلزلة شديدة وجهاد وصبر تسبق النصر والتمكين.
سُنّة الاستدراج
أما ما يحدث على الجانب الآخر؛ جانب الباطل الذي تمثله أنظمة البطش والقمع، ودول الاستكبار العالمي، وما تراه على وجوهم من فرح وتشفٍّ بالشعوب، وظنّهم أنه قد مُكِّن لهم، وأنهم استعادوا السيطرة على زمام الأمور، فهذا، مع شدّة إيلامه لأنصار الحق، إنما يندرج تحت سُنّة الاستدراج. نعم، تتألم وتتوجع وتغضب، ويأكلك الحزن والقهر وأنت ترى بشار الأسد يتمطى فرحا، والسيسي يقهقه من شدة السعادة، وابن سلمان يهدم بلاد الحرمين دون رقيب أو حسيب، وبوتين يفرك يديه جذلا وأجراس الكنيسة الأرثوذكسية تقرع أذنيه، وترامب يرقص طربا وأجراس الكنيسة الإنجيلية تدغدغ خاصرتيه، ونتنياهو (المرعوب) يضحك ملء شدقيه وأبواق الحاخامات تشنّف سمعه، لكنه الاستدراج، الذي لو أدركوا خفاياه لبكوْا دما بدل الدموع. وعلى هؤلاء وأشباههم ينطبق قوله تعالى: “فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” (الأنعام: 44). وفي كتاب الله العزيز آيات توضح لك الطريق فلا تَحِد عنها، وافهَمْ- يرحمك الله- كيف تَسِير الأمور وتُسيَّر بقدر الله وعلمه وحكمته. يقول تعالى: “وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ (الأعراف: 182)، ويقول سبحانه: “فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُون وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ” (القلم: 44-45). فهو استدراجٌ لهم، حتى إذا فرحوا “بانتصاراتهم” التي حققوها على أنهار دماء الأبرياء وأشلاء الأطفال والنساء والشيوخ، جاءهم أمر الله بغتة وهم غافلون، وقد سدروا في غيّهم وغرقوا في نشوة أوهامهم، وتاهوا في طريق الباطل. (يتبع).
ملاحظة: بسبب طول المقال سيكون هناك قسم ثالث وأخير في العدد القادم، إن شاء الله تعالى، وفيه محاولة للإجابة على ما تبقى من أسئلة طرحناها في القسم الأول.

زر الذهاب إلى الأعلى