القضية الفلسطينية وحسابات روسيا تجاه إسرائيل
د. عبد الستار قاسم- كاتب وأكاديمي فلسطيني
بداية لا بد من التأكيد على أنه لا حل للقضية الفلسطينية ما دام الفلسطينيون يبحثون عن حل لقضيتهم في جيوب الآخرين، فالقضايا الدولية والكبيرة لا تتم حلولها بالوكالة أو الإنابة، وإنما يمكن للآخرين أن يمدوا يد العون بتوفير تسهيلات دبلوماسية ولوجستية.
وليس أمام الفلسطينيين إذا أرادوا استعادة بعض حقوقهم الوطنية الثابتة إلا أن يعتمدوا على أنفسهم، أي مراكمة القوة. هذا ليس بالأمر السهل، لكن طريقه أقصر بكثير من طريق الاعتماد على الآخرين.
ثوابت روسيا
يتطلع بعض الفلسطينيين إلى روسيا للعب دور في إعادة بعض الحقوق إلى أصحابها بالضغط على المؤسسة الإسرائيلية، وهو تطلع لا يختلف عن تطلع دول عربية عدة إلى الاتحاد السوفياتي كمنقذ من براثن الإسرائيليين؛ لكن الاتحاد السوفييتي لم يفعل، وروسيا أيضا لن تفعل.
المتتبع للسياسة الروسية تجاه القضية الفلسطينية يجد أنه ليست لروسيا رؤية مستقلة أو خطة لإقامة سلام في المنطقة العربية الإسلامية عبر حل القضية الفلسطينية، ولا توجد طروحات روسية مستقلة عن الطروحات الأميركية والصهيونية، ولا تتوفر رؤية روسية بشأن الحقوق الفلسطينية التي تجب إعادتها للفلسطينيين.
ورغم الملابسات الكثيرة والخطيرة التي أحاطت بقيام المؤسسة الإسرائيلية، والضغوط الهائلة التي مارستها أميركا على دول عديدة لتصوت لقرار تقسيم فلسطين، ورغم تهجير الفلسطينيين على إثر مجازر دموية وحشية؛ فإن روسيا لم تحرك ساكنا في أمر إقامة إسرائيل واقتراف جرائم حرب ضد الفلسطينيين، والبحث في مشروعية تقسيم بلاد على حساب أهلها… إلخ.
وعلى شاكلة الدول الأوروبية وخاصة الغربية منها؛ تعترف روسيا بالمؤسسة الإسرائيلية وتقبل بها عضوا في الأمم المتحدة رغم أنها لم تحترم تعهداتها أمام المنظمة الدولية، بإعادة الفلسطينيين المهجرين إلى بيوتهم وممتلكاتهم التي طُردوا منها.
وروسيا تنظر إلى المؤسسة الإسرائيلية بوصفها دولة ذات سيادة ولها حق الاحترام وفق القوانين الدولية. قد يقول أحدهم إن العرب وبعض الفلسطينيين يعترفون بها، وعلينا ألا نطلب من الروس القيام بما لا نقوم به نحن.
هذا صحيح، وأنا لا أطلب ذلك من الروس، وإنما هناك أعمال ومهام مطلوبة من الدول العظمى لإقامة العدالة في هذا العالم، وروسيا دولة عظمى تدرك تماما أن غياب العدالة يعني غياب السلام والأمن على المستوى العالمي.
فهل تدرك روسيا أن الظلم الشديد قد وقع على الشعب الفلسطيني بسبب المؤسسة الإسرائيلية الاحتلالية؟ وهل تدرك أن الحروب لم تتوقف في المنطقة العربية الإسلامية منذ أن قامت المؤسسة الإسرائيلية، وليس من المتوقع أن تتوقف رغم حجم التنازلات العربية؟
التفوق الإسرائيلي
يؤكد أهل الغرب دائما -وعلى رأسهم الدول الاستعمارية البارزة: فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة- ضرورة بقاء المؤسسة الإسرائيلية صاحبة اليد العليا عسكريا في المنطقة. وهم يؤكدون أنه يجب أن تتوفر للإسرائيليين قوة عسكرية كافية للتفوق على قوة العرب مجتمعين ومنفردين، وأن هذه القوة يجب أن تكون رادعة فلا يجرؤ العرب على مهاجمة إسرائيل.
وفعلا بقيت المؤسسة الإسرائيلية تتلقى أحدث الأسلحة الغربية وأكثرها تفوقا وخاصة من الولايات المتحدة، ولذا بقي سلاح الجو الإسرائيلي متفوقا، وتم تمكين الإسرائيليين من تطوير القنابل النووية والصواريخ الحاملة لها.
حاول العرب إبان الاتحاد السوفياتي أن يحصلوا على أسلحة سوفياتية متطورة لقلب المعادلة العسكرية القائمة في المنطقة، لكن الاتحاد السوفياتي لم يكن يتماشى مع ذلك، وحتى إنه لم يكن يزود العرب بأسلحة دفاعية فعالة إلا بعد جهد جهيد.
هكذا كان الأمر مثلا بالنسبة لصواريخ سام المضادة للطائرات. لقد كانت الطائرات الحربية الاسرائيلية تصول وتجول في الأجواء العربية دون رادع، ولم يزوّد العرب بالصواريخ القاتلة للطائرات إلا في بدايات سبعينيات القرن الماضي.
الأمر لا يختلف بالنسبة لروسيا؛ فهي تمتنع عن تقديم الدعم للمقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية. وتمتنع عن تقديم الأسلحة الضرورية لدول عربية من أجل كسر التوازن القائم حاليا والمائل لصالح الإسرائيليين؛ بل إن تعريف التوازن في المنطقة غريب من نوعه، وهو يعني المحافظة على التفوق العسكري الإسرائيلي.
وهذا التفوق هو ضمانة الإسرائيليين للبقاء في المنطقة كدولة؛ فكم من مرة حاولت بعض الدول العربية الحصول على أسلحة تكسر الهيمنة الإسرائيلية الجوية على المنطقة، لكن روسيا أحجمت عن تقديم الدعم اللازم.
وهذا صحيح بالنسبة لصواريخ “أس 300” و”أس 400″؛ فهناك الآن حديث عن نية روسيا تسليم هذه الصواريخ لسوريا، وقادة المؤسسة الإسرائيلية يستمرون في لقاءاتهم مع المسؤولين الروس لثنيهم عن الأمر. سلم الروس هذه الصواريخ لإيران، لكنّ هناك شكا كبيرا في تسليمها إلى سوريا.
روسيا تؤيد المحافظة على أمن المؤسسة الإسرائيلية، ولا تؤيد محاولات المس بأمنها بغض النظر عن الجهة التي يمكن أن تهددها. وما دامت روسيا تحرص على التفوق العسكري الإسرائيلي فهي بالتأكيد تحرص على أمن الإسرائيليين، لكن دون المحافظة على أمن الفلسطينيين وغيرهم من العرب.
إنها لا تدعو إلى ملاحقة الإسرائيليين وتعريض أمنهم للخطر، وهي لا يزعجها كثيرا احتلال اسرائيل للأرض العربية رغم أنه تهديد لأمن العرب وللاستقرار العالمي.
إنها تتعايش مع هذا الاحتلال رغم أنها ترى فيه انتهاكا للقوانين الدولية، وانتقاصا لسيادة الدول التي فقدت جزءا من أرضها، وانتهاكا للحقوق الفلسطينية. إن رفض روسيا للاحتلال لا يتوازن مع دعم الولايات المتحدة للاحتلال.
غياب الرؤية
لا يبدو أن روسيا تقف مع حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، فهي لا تنشط في الهيئات الدولية لتثبيت هذا الحق. إنها تنشط بشأن عودة اللاجئين من مختلف دول العالم، لكنها لم تطور موقفا يتبنى هذا الحق الذي تكفله كل القوانين الدولية، ويكفله ميثاق الأمم المتحدة.
من الواضح أن موسكو ترى في حق العودة للفلسطينيين انتهاكا للسيادة الإسرائيلية، وتعديا على وجود إسرائيل. إن عودة اللاجئين الفلسطينيين تشكل إخلالا بالتوازن السكاني للكيان الإسرائيلي، وهذا يشكل تهديدا لوجود هذا الكيان. أي أن روسيا في هذه المسألة تهرب من منطق العدالة لصالح التوازنات والمصالح السياسية.
أما بالنسبة لحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني فإن روسيا تؤيده إلى الحد الذي لا يمس وجود الكيان الإسرائيلي؛ فهي ترى أن للفلسطينيين حق في تقرير المصير كباقي شعوب الأرض، وترى ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة بشرط ألا يهدد هذا الحق بقاء المؤسسة الإسرائيلية بالمنطقة العربية، وبشرط الاتفاق معه. ولهذا لم تعارض روسيا اتفاق أوسلو الذي أخل كثيرا بالقوانين والشرائع الدولية.
روسيا لا تملك رؤية لحل القضية الفلسطينية، وهي غالبا تؤيد الطرح الأميركي للتسوية وتدعم حل الدولتين، ولا تتناقض مع مسار التفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ولم تعمل على تطوير مقاربة خاصة بها تضغط على المؤسسة الإسرائيلية لتحترم القوانين الدولية المتعلقة باحتلال أراضي الغير أو بانتهاك حقوق الإنسان، والكف عن اقتراف جرائم حرب. أميركا تبادر عادة لعقد لقاءات مع الأطراف المختلفة، وتطرح أفكارا جديدة باستمرار من أجل الالتفاف على الحقوق الفلسطينية، لكن روسيا تبقى تراقب من بعيد ولا تعارض الأفكار الأميركية.
وفي المجمل؛ تطورت المقاومة العربية في غزة وجنوب لبنان، وأخذ المقاومون يدركون أهمية الاعتماد على الذات، وأن الحق لا ينتزعه إلا أصحابه. إنهم ليسوا ضد معونات تأتي من الآخرين، لكن لم تعد لديهم طاقة لوضع مصيرهم ومصير شعوبهم بأيدي غيرهم؛ إنهم بالتأكيد يرحبون بدعم روسي لمقارباتهم وتطلعاتهم، لكنهم لن ينتظروه.
