دعوها فإنها منتنة

ليلى غليون
لقد خلقنا الله تعالى شعوبًا وقبائل لنتعارف ونتعاون على البر والحق، وجعل سبحانه ميزان التفاضل بيننا التقوى والعمل الصالح، لا اللون ولا العرق ولا الحسب ولا النسب، بل لنهدم كل هذه الحواجز، ونحذر من ضيق الانتماءات الجاهلية العمياء ونبتعد عنها، لقوله جل جلاله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).
كما أن الإسلام اعتبر الفتنة جريمة أشد من القتل، لقوله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، فنبذ العصبية وحارب القبلية، وانتزع من النفوس كل شعار وكل دعوى تنادي بها وتدعو إليها، بل اعتبرها من دعاوى الجاهلية التي جاء الإسلام من أجل القضاء عليها واستئصال شأفتها.
ويحضرنا في هذا المقام الموقف النبوي العظيم، حين تنازع رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فنادى أحدهما: يا للمهاجرين، ونادى الآخر: يا للأنصار، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: “أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟! دعوها فإنها منتنة”.
لم تكن المشكلة في المهاجرين ولا في الأنصار، ولا في الانتماء إليهما، ولكن المشكلة كانت في استغلال هذا الانتماء لإشعال الفرقة والفتنة وإحياء روح التعصب، التي هي بمثابة سلاح يمزق أوصال المجتمع، وجدران تفصل بين أفراده.
ولكننا، وللأسف الشديد، كثيرًا ما نعيد إنتاج هذه العصبية بأشكال مختلفة ومتعددة، لنهاجم الآخرين ونخاصمهم، وربما نعاديهم، لا لشيء، بل لأنهم لا ينتمون إلى دائرتنا الضيقة، ولا يغردون في سربنا، ولا يعزفون على أوتارنا.
فالوحدة القوية، والصف المرصوص، والرباط المتين الذي لا تنفك عراه، لا يمكن أن تقوم له قائمة ولا أن يثبت له حال، إلا إذا كانت رايته التوحيد والعقيدة؛ فهي الراية التي لا تُنكّس، والقوة الغالبة التي لا تُقهر.
فلا لون ولا جنس ولا قومية ولا وطنية ولا حزبية تملك من مقومات هذه الوحدة وهذا الصف، ولو اجتمعت كلها في وادٍ واحد وصفٍّ واحد.
والذي يحب ويبغض، ويوالي ويعادي، بناءً على راية اللون والجنس والقومية والوطنية والحزبية، فإن هذه الراية بالتأكيد ستسقط وتتهاوى لا محالة مع أقل هزة؛ لأنها دعوة صريحة من دعاوى الجاهلية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
إن ثقافة التعصب الأعمى لفئة ما، أو لشخص ما، أو لرأي ما، واعتبار أن هذه الفئة أو هذا الشخص ليس له مثيل، لا في الأولين ولا في الآخرين، أو أن هذا الرأي هو الأصوب والأصح، وكل رأي دونه خطأ وضلال، إن مثل هذه الثقافة المنتشرة في مجتمعاتنا لهي باب واسع من أبواب الفتنة المشتعلة، التي تظهر جليًا لدى قطاع لا بأس به من أفراد المجتمع.
لنجد من لا يرى إلا بعين واحدة، ولا يزن إلا بميزان واحد، فشرارة صغيرة يمكن أن تشعل حربًا ضروسًا بين مختلفين في الرأي؛ بحيث تراهم يوالون ويصفقون ويبتسمون ملء الشفاه لمن يوافقهم رأيهم أو جماعتهم، ويعادون ويخاصمون من غرد خارج سربهم.
يخترقون الصف بتعصبهم لأفكارهم، ويبغضون من يخالفهم، بل ربما يضعونهم في خانة الأعداء، ويحسبون أنهم على الحق وأنهم يحسنون صنعًا، وأن غيرهم على باطل، لتستيقظ الفتنة البشعة من سباتها، وتكشر عن أنيابها، وتمتد كالأخطبوط، فتهدم كل صلة بينهم، وتقطع كل وشائج محبة وقربى وعلاقات طيبة كانت بالأمس القريب تربط بينهم، لتشتعل هذه الفتنة وتأكل الأخضر واليابس، فيكون الصراع والإقصاء وعدم تقبل مجرد الاستماع إلى الآخر، بل وربما الاقتتال والخصومات، والسبب رأي مخالف أو موقف مخالف.
إن المجتمع الراقي ليس الذي يتشابه أفراده في أفكارهم وانتماءاتهم، بل هو مجتمع يتسع للاختلاف، ويحترم التنوع، ويحتكم إلى الحق والعدل مهما كان صاحبه، لا مجتمع تضيع فيه العدالة ويُقتل فيه الحق على مذابح الولاءات الضيقة.
وصدق الشاعر حين قال:
إذا لم يكن للحق فينا نصيبُهُ
فأيُّ انتماءٍ بعد ذلك يُحمدُ؟
فما أحوجنا إلى أن نعود إلى المعنى الحقيقي للانتماء؛ انتماء يجمع ولا يفرق، ويحترم ولا يقصي، وينصف ولا يجامل. وإن عادت الفتن والعصبية لتطل برأسها، وإذا حاولت أن تجرنا إلى مستنقع الفرقة والكراهية، فليكن جوابنا كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوها فإنها منتنة». فكل عصبية وكل فتنة تفرق القلوب وتعمي العقول هي نتن ينبغي أن نتطهر منه، لا راية نفتخر بحملها.
وما أبلغ ما قيل في إشعال الفتنة:
إذا أشعلوا نار الخلاف فلا تكنْ حطبًا يزيد لهيبها اشتعالًا
وإن نادت العصبية في قومها فكن للحق لا للناس مثالًا
ولا تجعل الأنساب سيفًا مسلطًا فكم فرّق التعصب أهلًا وآلًا
فالمرء يُعرف بالمواقف والتقى لا بالذي ورث الأسماء والأنسابا
ونحن نعايش في هذا الزمان أيامًا عصيبة تموج فيها الفتن كموج البحر؛ فتن عن أيماننا، وفتن عن شمائلنا، ومن خلفنا ومن أمامنا ومن تحتنا.
فتن توالت وتعددت ألوانها، وعمت وطمت. فتن قد تُريك الحق باطلًا والباطل حقًا، وفتن قد تعميك وتصمك وأنت لا تشعر، كما قال أحدهم:
يُقضى على المرء في أيام محنتهِ
حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسنِ
يقول صلى الله عليه وسلم: “يتقارب الزمان، ويُقبض العلم، وتظهر الفتن، ويُلقى الشح، ويكثر الهرج”. قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: “القتل”.
ومن وصاياه صلى الله عليه وسلم الإكثار من العبادة وقت الفتن والأزمات، لقوله: “العبادة في الهرج كهجرة إليَّ”. قال النووي: “وسبب كثرة فضل العبادة أن الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا أفراد”.
وقال ابن الجوزي: “إذا عمت الفتن اشتغلت القلوب، وإذا تعبد متعبد حينئذ، دل على قوة اشتغال قلبه بالله عز وجل، فيكثر أجره”.
وقد حذر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من هذه الفتن التي ستجتاح هذه الأمة اجتياحًا، وتعصف بها عصفًا، وتزلزل الأرض من تحتها، حتى إنه من شدة هذه الفتن وعظمتها وكثرتها، يمر الرجل على أهل القبور فيتمنى لو أنه منهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بالقبر فيقول: يا ليتني مكانه”.
ومن أوصاف هذه الفتن، كما بينها صلى الله عليه وسلم، أنها كقطع الليل المظلم، وأنها كرياح الصيف، أي في تتابعها وسرعة مجيئها وتنوعها، وأنها يرقق بعضها بعضًا، بمعنى أنها تتعاظم مع مرور الزمن، أي إن الفتنة التي تلي سابقتها تكون أعظم منها وأشد، وأنها تموج كموج البحر، أي إنها متتابعة لا نهاية لها، بالإضافة إلى أنه عند هيجان البحر يهلك أناس كثيرون. وأنها تُعرض على القلوب، لا على الأسماع والأبصار، فلا ينجو منها إلا من كان قلبه سليمًا.
وقد دلنا رحمةُ الله للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، على أن سبيل السلام، وقارب النجاة، والمنجى من هذا الشر المستطير، هو:
– الاعتصام والاستمساك بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والعض عليهما بالنواجذ.
– تقوى الله تعالى؛ فهي باب واسع ومخرج فسيح وصمام أمان من كل شر، ومن كل شدة، ومن كل فتنة.
– اتباع العلماء الراسخين في العلم، والمشهود لهم بالصلاح والثقة والاستقامة، والأخذ عنهم.
– لزوم الجماعة؛ لأن يد الله مع الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، ولأن الجماعة رحمة والفرقة عذاب.
– الدعاء الخالص والصادق والدائم بالثبات، وأن يجنبنا الله عز وجل شر الفتن.
نسأل الله تعالى السلامة من كل فتنة وعصبية، والعافية من كل بلية، وأن يثبتنا ويحفظ لنا ديننا وأعراضنا وأوطاننا ومجتمعاتنا، وأن ينجينا من شرها، ما ظهر منها وما بطن.
