أخبار وتقاريردين ودنياومضات

في قلب الابتلاء.. ما ذهب الحياء امرأة سوداء اختارت الجنة

ليلى غليون

لم تكن صاحبة مال ولا جاه، ولم تكن من المشهورين بين الناس، التاريخ لم يذكر لنا اسم قبيلتها أو عشيرتها وحتى اختُلف في اسمها، بعضهم قال اسمها سعيرة، وبعضهم سماها شقيرة، وقيل اسمها أم زفر… لكنها كانت معروفة وعظيمة القدر عند رب الناس، نعم امرأة لم تُذكر لنا مكانتها الاجتماعية، ولا ثروتها ولا جمالها ولا شهرتها، ولم تُعرف بكثرة صيام ولا صلاة ولا بإنجازات عظيمة نصرة لهذا الدين وأهله، كل الذي عرفناه أنها امرأة سوداء مبتلاة في جسدها خلدت موقفها السنة المطهرة بما جعلها نموذجًا للصبر والإيمان والحياء.

إنها امرأة من أهل الجنة.. هكذا أخبر عنها من لا ينطق عن الهوى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، تلقت هذه البشرى على لسانه الشريف، فهانت عليها مصائب الدنيا وأهوالها أمام سلعة الله الغالية (ألا إن سلعة الله الجنة).

فعن عطاء بن رباح قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنهما: “ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي (بالشفاء)، قال: إن شئت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. فقالت: أصبر. ثم قالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها) أخرجه البخاري.

كان بإمكانها أن تطلب العافية وأن ينتهي عنها هذا البلاء، لكنها سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة غيرت معنى ابتلائها كله: “إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك”.

لم يكن الاختيار سهلًا… العافية أم الجنة؟… امرأة مبتلاة تتألم وتتوجع وتحتاج إلى العافية، ثم تُخيّر بين الصبر والجنة أو الدعاء والعافية، لتقول: “أصبر” لقد خُيّرت فاختارت ولم تتردد، اختارت ما قد يبدو للناس أصعب اختيار، فقصة هذه المرأة ليست قصة مرض فحسب، إنها قصة يقين.

قالت: “أصبر”… وقد استنارت جوارحها بيقين غامر أن ثمرة هذا الصبر الفوز بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فهان عليها كل شيء واستصغرت كل شيء، ولم يعد في حساباتها أي عارض من عوارض الدنيا، لم تختر الصبر لأنها تحب الألم، ولا لأنها لا تتمنى العافية، ولكنها رأت شيئًا أبعد من لحظة الوجع والألم… لقد أدركت أن وراء هذا الألم بابًا للجنة، وبعد هذا الابتلاء جائزة كبرى من رب كريم، وهذا الابتلاء يخبئ لها أجرًا أعظم مما تتصور، لم تر البلاء بعين الدنيا وحدها، بل رأته بعين الإيمان واليقين. فكم من إنسان يتألم ولا يعلم أن كل لحظة صبر وكل دمعة احتسبها لله، وكل وجع أخفاه عن الناس وقال معه: “الحمد لله” قد يرفعه ذلك درجات عند المولى عز وجل.

وهذه المرأة السوداء تعلمنا درسًا آخر شديد الأهمية، امرأة ربما اسمها مجهول عند الناس، لكن موقفها ظل درسًا لكل مبتلى، فقد تكون مجهولًا عند أهل الأرض لكنك معروف في السماء، قد لا يشعر أحد بألمك، قد لا يلاحظ أحد دمعتك، قد لا يسمع أحد آهاتك وأناتك، لكن الله الرحيم الذي لا يغيب عنه شيء يعلم، فهو يراك ويسمع تألمك وزفرات وجعك، فاصبر واطمئن فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، انظر لهذه المرأة التي اختارت الجنة حين خُيرت وجسدها يُبتلى، فبقيت قصتها شاهدًا على أن قيمة الإنسان ليست بما يراه الناس منه، بل فيما يعلمه الله من قلبه، فهي لم تكن تعرف متى ينتهي مرضها بل لم تطلب ذلك وكان بإمكانها، لكنها عرفت بيقين إلى أين تريد أن تصل… إلى الجنة، وكأنها تقول لكل مبتلى: لا تجعل ابتلاءك يهز أركان يقينك، ولا تجعل تأخر الفرج يجعلك تنسى وعد الله عز وجل الذي لا يخلف وعده.

لكنها لم تكتف بذلك، وقصتها لم تنته بهذا الفصل، وربما أجمل ما في قصتها لم يكن اختيارها الصبر وحده، بل الذي أرّقها وأهمها أنها تتكشف، حيث قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: “إني أتكشف فادع الله لي ألا أتكشف” فدعا لها. وهنا ينبغي أن نتوقف طويلًا، فهي امرأة تعاني مرضًا خارجًا عن إرادتها، ولكن حرصها على الستر كان واضحًا وحاضرًا في قلبها وعقلها حتى وهي مبتلاة، لم يكن همها أن يتوقف الألم فقط، بل كان يؤلمها أن ينكشف منها ما تحرص على ستره، حتى وهي في أصعب لحظات الابتلاء، حتى وهي تعلم أن مرضها خارج عن إرادتها فهي العاجزة عن التحكم في أمرها عندما تنتابها نوبات الصرع، إلا أن الستر كان يشغل قلبها، وحرصت أن يحفظ الله سترها فلا تفقد كرامتها وحياءها.

زينتي دومًا حيائي
واحتشامي هو مالي
إلا أني أتولى
عن متاع ذي زوالي
سوف أزهو بحيائي
وعلى الله اتكالي

فالحياء كان جزء من كرامتها، لباسًا يسترهًا ويزينها، لتعطي درسًا عظيمًا لكل متبرجة أن تحمد الله على نعمة العافية، ولكنها تتكشف بمحض إرادتها وعن سبق إصرار، وتظهر أجزاء من جسدها في مناسبة وغير مناسبة، مبرزة جمالها مع طوعها واختيارها غير مكترثة بحياء ولا إيمان، وتقف مبهورة أمام صيحات الموضة وصرعات الأزياء التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي يعلم القاصي والداني من يقف وراءها ومن يدير دكاكينها؟! تسمع آيات الله وتسمع أحاديثه صلى الله عليه وسلم عن حرمة التبرج والسفور فتدير لها الظهر، وتصر على أن يبقى بينها وبين اللباس الذي أمرنا الله تعالى به خصومة وجفاء.

تراها وقد هزمت فيها الإرادة الحرة فأقبلت مهرولة تبعثر الأموال الطائلة لشراء ملابس تكشف أكثر مما تستر وشراء مساحيق وألوان على الوجوه ونثر العطور والروائح والتعدي على حدود الله.

فيا من تجترئين على حدود الله، تأملي في حياة هذه المرأة السوداء، صادقة الإيمان عظيمة الحياء، كيف كان حرصها على التستر، فكيف حالك أنت، لم تتردد حين خُيرت، ولم تفكر مرتين، ولم تقل المسألة فيها نظر كما تقولين أنت عندما يعرض عليك لبس الحجاب، لتفتحين أبوابًا للجدال العقيم حول مشروعية الحجاب وتبدين عدم الاقتناع بفرضيته، وكأن أمر الله تعالى بحاجة إلى اقتناع أو برهان، فتلك المرأة العظيمة التي وصفها ابن عباس رضي الله عنهما بالمرأة السوداء، وهذا الوصف يذكرنا بحديثه صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”، فهذا النموذج العظيم أمامك لامرأة من أهل الجنة… امرأة سوداء… دخلت الجنة بصبرها وحيائها وحسن ظنها بالله الذي هو ثمرة الإيمان، ولم تدخلها بجمال أو مساحيق أو عطور، فيا من لا يزال بينك وبين الحجاب خصام، يا من جعلت جل اهتمامك بمنظرك ولباسك ومكياجك وعطرك للغادي والرائح، أيتها المستهينة بأمر الله، اعلمي أن حجابك الذي لا يزال بينك وبينه خصام، إنما يحارب من قبل أعداء الإسلام وما أكثرهم، وأنت تقدمين لهم العون والسند بتمرير مخططاتهم ومآربهم، ونحن نصبو لمجتمع مسلم قولًا وفعلًا، فالأولى بنا أن نسد منافذ الشيطان ونغلق أبواب الفساد ونرد كيدهم إلى نحورهم، وما نراه اليوم من مظاهر التكشف وأزياء اجتاحت مجتمعنا لم يسبق لها مثيل ما هو إلا تصميم شيطاني رهيب عنه قال رب العزة: “ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما…”.

وأنت يا من تتمسكين بحجابك وحيائك اثبتي في زمن يستهان به بهذه القيم… يا من تقبضين على الجمر اثبتي في زمن الفتن، زمن أصبح التكشف أمام الناس والتنازل عن الحياء يسمى حرية وتقدمًا، أيتها الغريبة في زمن قل فيه الغرباء اثبتي وتصبري واتعبي فهناك المستراح يوم يقال لأهل الجنة: “سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار”.

يا سلعة الرحمن لست رخيصة
بل أنت غالية على الكسلان

يا سلعة الرحمن ليس ينالها
في الألف إلا واحد لا اثنان

يا سلعة الرحمن ماذا كفؤها
إلا أولو التقى مع الإيمان

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى