أخبار وتقاريرمقالاتومضات

المواطنة الناقصة: كيف يُستنسخ التاريخ لتدجين الوعي الجمعي؟

أحمد سليمان

أفرز الاستعمار الإيطالي لليبيا انقسامًا حادًا في صفوف الليبيين؛ فبينما حمل البعض السلاح كسبيل وحيد للتحرر، اختار آخرون التكيف والاندماج مع المحتل لتجنب ويلات الصراع. وقد تعددت أشكال هذا التكيف؛ بدءًا من التفاوض البراغماتي والتعاون الإداري، مرورًا بالاستيعاب الثقافي (الطلينة)، وصولًا إلى القبول بالاندماج المشروط وما عُرف بـ”المواطنة الناقصة”.

لم تكن هناك درجة واحدة من التعاون مع المحتل. وأصعب هذه الحالات تبني أيديولوجيات المستعمر؛ فمثلًا، أسس الحاكم الإيطالي في ليبيا “الرابطة الإسلامية للّكتور”، بوصفها فرعًا إسلاميًا تابعًا للحزب الوطني الفاشي. كما أُنشئت منظمة شبابية باسم “شباب اللّكتور العرب”، وكان من أبرز أهداف هذه الرابطة إدماج الشباب في الرياضة والتنظيمات شبه العسكرية، وبناء إسلام رسمي موالٍ للاستعمار. ولم تكن هذه الرابطة مجرد مجلس خدمات محلية، بل جزءًا من بنية الحزب الفاشي الحاكم، أُنشئت لتعزيز التعاون الأيديولوجي. ورغم هذا التماهي، لم تمنح السلطات الإيطالية الجنسية الكاملة لهم، بل منحت بعض الليبيين “مواطنة خاصة” ومحدودة جغرافيًا، لا تمنحهم حقوقًا متساوية أو حرية انتقال مقارنة بالمواطن الإيطالي.

وباستدعاء هذا النموذج التاريخي لإسقاطه على واقعنا المعاصر، نجد أن النقاش التقليدي حول جدوى المشاركة في الكنيست والإنجازات الوهمية يأخذ منحًى جديدًا حول الوعي والانزياح في المفاهيم والمبادئ.

أنظمة الهيمنة عبر التاريخ – سواء كانت استعمارًا تقليديًا أو نظمًا إقصائية – تتشابه في آليات خلق “نخب خادمة” تروج لخطاب المقايضة. فمثلًا، يقوم منصور عباس وقائمته بدور خطير في المجتمع، ويعملون على تغيير الوعي والسلوك والخطاب استنادًا إلى قاعدة: “إذا أردنا تحسين علاقة الدولة بنا، يجب علينا أن نتغير معها إلى الأحسن”، مثل الموقف من قانون القومية، أو التنازل عن الثوابت في الخطابات الرسمية.

وبناءً على هذه المقاربة، يمكن النظر إلى نهج منصور عباس والقائمة الموحدة ليس فقط كاجتهاد سياسي براغماتي، بل كمشروع يؤسس لهندسة اجتماعية وسياسية جديدة تضرب في صميم الوعي الجمعي للمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل. إن خطورة هذا النهج تكمن في تحويل قضية فلسطينيي الداخل من قضية حقوقية وقومية وتاريخية إلى مجرد مسألة مقايضة خدماتية وميزانيات، وهو ما يشبه إلى حد بعيد الرضا بـ”المواطنة الناقصة” أو المشروطة التي أفرزتها نماذج الاستعمار القديمة، حيث يُمنح الفرد فتاتًا لتسيير حياته اليومية مقابل تخليه عن المطالبة بالمساواة الجوهرية.

إن القاعدة التي يروج لها هذا النهج، والتي تقوم على فكرة التماهي مع مؤسسات الدولة وإثبات “حسن النوايا” للحصول على الرضا والقبول، تؤدي إلى انزلاقات خطيرة في المفاهيم والمبادئ. فبدلًا من المطالبة بالحقوق كاستحقاق طبيعي، يتم استجداء الحقوق عبر التنازل عن الثوابت السياسية والوطنية، بل وتوفير شبكة أمان لسياسات حكومية يمينية. هذا التحول يخلق، بمرور الوقت، جيلًا يقبل بفكرة التبعية، ويستبطن الدونية السياسية، مقتنعًا بأن سقف طموحاته يجب ألا يتجاوز تحسين ظروف المعيشة الفردية ضمن هيكل قانوني يكرس التمييز ضده.

علاوة على ذلك، يساهم هذا المسار في تفتيت الهوية الجماعية؛ إذ يعزز الانشغال بالهموم المحلية والمطلبية البحتة على حساب الهم الوطني المشترك. وكما سعت “الرابطة الإسلامية الفاشية” في النموذج الليبي إلى صياغة “إسلام رسمي موالٍ” لضمان الولاء الأيديولوجي وتدجين الشباب، فإن نهج الموحدة يساهم – بقصد أو بغير قصد – في صياغة “مواطن عربي مدجن”، يقبل بالفصل التعسفي بين هويته القومية وواقعه المدني. هذا الانزلاق الخطير لا يشرعن فقط سياسات التهميش التاريخية، بل يجعل من الممثلين السياسيين أداة لتسهيل تمرير هذه السياسات دون مقاومة سياسية حقيقية، مما يشوه الذاكرة الجمعية ويفرغ النضال السياسي من محتواه الأخلاقي والمبدئي.

خلاصة القول، إننا نقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي يستوجب أقصى درجات الحذر واليقظة. إن مشروع منصور عباس والقائمة الموحدة ليس مجرد مناورة برلمانية عابرة، بل هو مسار متدحرج يُبطن تفكيكًا ممنهجًا للوعي الجمعي تحت غطاء براغماتي زائف لخدمات ومقايضات وهمية. هذا النهج يجرّ المجتمع بأسره نحو مستنقع خطير؛ مستنقع تُستبدل فيه الحقوق الأساسية والكرامة الوطنية باستجداء الفتات، وتُغسل فيه الأدمغة لتطبيع التبعية. إن الصمت أو التماهي مع هذا المشروع يعني التسليم بـ”مواطنة ناقصة” ودفع الأجيال القادمة نحو استبطان الدونية السياسية كقدر محتوم. لذا، فإن التصدي لهذا الانزياح الخطير لم يعد مجرد ترف أو تباين سياسي، بل هو معركة وجودية لحماية الهوية، والذاكرة، والكرامة من براثن الاستلاب والتدجين.

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى