أخبار رئيسيةمقالاتومضات

ما يُقال عنّا بالعبرية.. يجب أن يعرفه أهلنا والعالم

عبد الإله معلواني

لقد اتخذنا في موقع “موطني 48” قرارًا واضحًا: ألا نترك ما يُقال عن مجتمعنا في وسائل الإعلام الإسرائيلية يمر مرّ الكرام بعيدًا عن أعين أهلنا، وألا تبقى اللغة العبرية حاجزًا يحجب خطابًا يستهدف الفلسطينيين في الداخل، ويُسهم في تشكيل المواقف والسياسات تجاههم.

في الأشهر السنة الأخيرة، نتابع يوميًا وعلى مدار الساعة، القنوات والبرامج والمنصات الإسرائيلية، ونرصد ما يصدر فيها من تصريحات ومواقف، ثم نختار المقاطع المهمة ونترجمها ونحررها وننشرها كي نطلع أهلنا عليها على أوسع نطاق. وقد استطعنا خلال هذه الفترة رصد ونشر مئات المقاطع المصورة والمترجمة، لا بحثًا عن الإثارة أو المشاهدات، بل انطلاقًا من واجبنا وحرصا على حق مجتمعنا في أن يعرف كيف يجري الحديث عنه وماذا يقال عنه، وما الصورة التي تحاول منابر إعلامية إسرائيلية ترسيخها في أذهان الجمهور.
ما شاهدناه ونشاهده لا يمكن اختزاله في تصريح متطرف هنا، أو مداخلة عنصرية هناك. نحن أمام خطاب متكرر، تتشابه مضامينه ومصطلحاته، وينتقل من برنامج إلى آخر، ومن صحافي إلى محلل، ومن سياسي إلى ضيف، حتى أصبح التحريض على العرب جزءًا مركزيّا من المشهد الإعلامي العبري.

في الآونة الأخيرة، اتسعت دائرة هذا الخطاب بصورة لافتة. فقد شاهدنا هجومًا على الأطباء العرب والتشكيك فيهم، وهجومًا على سائقي الشاحنات والتحريض عليهم، واستهدافًا للممرضين والممرضات، والشخصيات الجماهيرية، والمحاضرين والأكاديميين العرب.
كما تابعنا حملات استهدفت أهلنا العاملين في قطاع النقل العام (الحافلات)، ومحاولات لزرع الخوف منهم والتحريض عليهم، إلى جانب خطاب متصاعد حول الوجود العربي في الجليل، وصل إلى حد تصوير المواطنين العرب الأمر باعتبارهم “خطرًا ديمغرافيًا” يهدد الوجود اليهودي، حتى بلغ الأمر تصوير عرب الجليل بأنهم ينفذون خطة احتلال ناعمة! إضافة إلى اعتبار تسمية فلسطينيي الداخل أنفسهم “عرب الداخل” جريمة.

وهذه فقط نماذج من عشرات ومئات المقاطع التي تُبث ليلًا ونهارًا. ففي كل مرة يجري اختيار فئة جديدة من مجتمعنا ووضعها في دائرة الاتهام: الطبيب والممرضة في المستشفى، المحاضر في الجامعة، والسائق في الحافلة أو الشاحنة، والعامل، والموظف، والقيادي الجماهيري، وصولًا إلى الوجود العربي في مدينة أو منطقة بأكملها.

لم يعد الاستهداف مقتصرًا على الشخصيات السياسية أو القيادات العربية، بل أصبح يمس الإنسان العربي في مكان عمله ومهنته ووجوده اليومي. وكأن المطلوب هو أن يُنظر إلى إليه، مهما كان موقعه أو عطاؤه، بوصفه شخصًا مشبوهًا أو خطرًا ينبغي الحذر منه.
تبدأ العملية بتعميم الاتهام، ثم التشكيك في الانتماء والولاء، وتصوير العرب باعتبارهم خطرًا أمنيًا أو ديمغرافيًا و “عدوًا داخليًا”، قبل الانتقال إلى تبرير إقصائهم والتضييق عليهم أو الدعوة إلى معاقبتهم جماعيًا.

هذه الصورة لا تُبنى في يوم واحد، بل تتشكل من خلال التكرار. تُستخدم المفردات نفسها، وتُعاد الرسائل ذاتها على ألسنة شخصيات مختلفة، حتى تبدو مع مرور الوقت وكأنها حقائق لا تحتاج إلى دليل.

وهنا تكمن خطورة دور الإعلام؛ فهو لا ينقل الواقع فقط، بل يمتلك القدرة على تشكيله ومن ثَمَّ تشكيل رأي عام معادٍ، وتحديد من يستحق التعاطف، ومن يجب الخوف منه، ومن يصبح التحريض عليه أمرًا مقبولًا.

إن الكلمة التي تتكرر يوميًا على الشاشة لا تبقى حبيسة الاستوديو، بل تنتقل إلى شبكات التواصل الاجتماعي، ومنها إلى الشارع وأماكن العمل والمؤسسات التعليمية والصحية والخدماتية، وقد تتحول لاحقًا إلى مواقف وممارسات وسياسات تمييزية.

الترجمة تكشف ما يُقال عنا
قد تبدو ترجمة مقطع تلفزيوني عملًا تقنيًا بسيطًا، لكنها بالنسبة إلينا تحمل معنى أعمق. فالترجمة تفتح نافذة أمام مجتمعنا ليرى ما يدور في إعلام يتحدث عنه ويؤثر في واقعه، بينما لا يستطيع قطاع واسع منه متابعة اللغة العبرية، أو إدراك الدلالات السياسية والثقافية للمفردات المستخدمة.

عندما ننشر في «موطني 48» مقطعًا مترجمًا، فإننا لا ننقل الكلمات من لغة إلى أخرى فقط، بل نكشف خطابًا كان يمكن أن يبقى بعيدًا عن معرفة مجتمعنا. كما نتيح للجمهور أن يشاهد المتحدث، ويسمع نبرة صوته ويدرك كما خلفها، ويقرأ الترجمة، ويفهم السياق، ويكوّن موقفه استنادًا إلى المادة الأصلية لا إلى وصف منقول.

إن معرفة ما يُقال عنا ليست دعوة إلى الخوف أو الانغلاق، بل شرط أساس لفهم البيئة السياسية والإعلامية التي نعيش فيها. ومن لا يعرف الخطاب الموجّه ضده، يصعب عليه تفكيكه أو مواجهته أو الرد عليه.

رغم شحّ الكادر… نواصل العمل
نحن في موقع «موطني 48»، وعلى الرغم من قلة الكادر وشحّ الإمكانات، نعمل بكل ما أوتينا من جهد وشعور بالواجب لأداء هذه المهمة.
فخلف كل مقطع منشور ساعات من المشاهدة والمتابعة والبحث، ثم التدقيق والترجمة والمراجعة والتحرير والمونتاج والنشر. وهذا كله يقوم به طاقم محدود يحمل على عاتقه مسؤولية إعلامية كبيرة.

ورغم محدودية الطاقم، نجحنا خلال أكثر من ستة أشهر في نشر مئات المواد وكشف جانب واسع من الخطاب الذي كان يُبث باللغة العبرية بعيدًا عن معرفة قطاعات كبيرة من مجتمعنا.

نحن لا نقول ذلك بحثًا عن الثناء، بل لتوضيح حجم العمل والمسؤولية، وللتأكيد أن استمرار هذا المشروع وتطويره يحتاجان إلى شراكة إعلامية ودعم حقيقيين. فحجم المواد التي تُبث ليلًا ونهارًا أكبر من قدرة أي موقع أو طاقم محدود، مهما امتلك من إرادة وإخلاص.

لا نروّج للكراهية… بل نكشفها
إن نشر هذه المقاطع لا يعني منح المحرّضين جمهورًا إضافيًا أو إعادة إنتاج الكراهية داخل فضائنا العربي. فهناك فرق كبير بين ترويج الخطاب التحريضي وبين كشفه ووضعه أمام الجمهور ضمن سياقه.
دورنا ليس رفع صوت الكراهية، بل كشف الطريقة التي تعمل بها والبيئة التي خرجت منها، ومن ينتجها، وكيف تنتقل رسائلها من الشاشات إلى مواقع التواصل الاجتماعي والشارع. ولذلك نحرص على الترجمة الدقيقة والعنوان المهني وتوضيح السياق، بعيدًا عن الاجتزاء والإثارة.

وبعد نشر مئات المقاطع، أصبح من الضروري الانتقال من الرصد وحده إلى التحليل. علينا أن نسأل: ما الكلمات الأكثر استخدامًا في وصف العرب؟ كيف تُعمم أفعال فردية على مجتمع كامل؟ كيف يجري الانتقال من استهداف شخصية بعينها إلى التحريض على أصحاب مهنة كاملة؟ وكيف تتحول الكراهية تجاه الأفراد إلى تحريض على الوجود العربي في منطقة كاملة مثل الجليل والنقب؟
كما يجب حفظ هذه المواد في أرشيف إعلامي منظم، يضم التسجيل الأصلي والترجمة وتاريخ البث واسم البرنامج والمتحدث المحرِّض والسياق الذي وردت فيه التصريحات. فوسائل التواصل الاجتماعي سريعة، لكنها قصيرة الذاكرة، وقد يختفي المقطع بعد أيام تحت سيل الأخبار.

نحن لا نوثّق من أجل الحاضر فقط، بل من أجل المستقبل أيضًا، حتى لا يأتي يوم يُقال فيه إن هذا التحريض لم يحدث، أو إننا بالغنا في وصفه. فالأرشيف يحفظ الحقيقة من الإنكار والنسيان، ويساعد على فهم تطور الخطاب ومقارنة مراحله المختلفة.

لا يكفي أن نخاطب أنفسنا
يجب ألا تبقى هذه المواد محصورة باللغة العربية. فمن الضروري مخاطبة الجمهور الإسرائيلي باللغة العبرية، والوصول إلى الجمهور الدولي باللغة الإنجليزية، من خلال محتوى واضح وموجز وموثق، يشرح خلفية كل مادة ويضعها في سياقها.
فقوة رسالتنا يجب أن تستند إلى دقة التوثيق ووضوح الأدلة. وعندما يشاهد المتلقي المقاطع الأصلية، ويدرك أنها لا تستهدف سياسيًا أو حزبًا فقط، بل الطبيب والممرضة والسائق والمحاضر والموظف والوجود العربي بأكمله، فإنه يستطيع أن يفهم حجم الظاهرة وخطورتها وأهدافها.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن نبقى أسرى لخطاب الآخرين عنّا. تقع على الإعلام العربي مسؤولية إنتاج روايته الخاصة، وعرض مجتمعنا كما هو: مجتمع حي ومتعدد، فيه الأطباء والممرضون والمعلمون والمحاضرون والسائقون والعمال والطلاب والمبدعون وأصحاب المهن والمبادرات.

علينا ألا نسمح لماكينة التحريض بأن تختصر الفلسطيني في صورة الخطر أو المتهم. ولا نواجه هذه الصورة بمجرد إنكارها، بل بإنتاج تقارير وبرامج وأفلام وقصص إنسانية تقدم حقيقتنا بأصواتنا.

مسؤوليتنا ألّا نعتاد
ما بدأه «موطني 48» لا ينبغي أن يبقى جهدًا خاصًا بموقع واحد. فحجم المواد التي تُبث يوميًا أكبر من قدرة أي طاقم منفرد، ومواجهتها تحتاج إلى تعاون بين المواقع والصحافيين والمترجمين والباحثين وطلاب الإعلام.

القضية ليست منافسة على سبق صحافي أو نسبة المشاهدات، بل مسؤولية تجاه مجتمع كامل. نحن بحاجة إلى جهد إعلامي مهني يكشف التحريض، ويفكك رسائله، ويحفظ مواده، وينتج في المقابل رواية فلسطينية قوية وموثقة.
وأخطر ما قد يحدث لنا هو أن نعتاد هذا الخطاب، وأن نشاهد مقطعًا جديدًا ثم ننتقل إلى الخبر التالي وكأن شيئًا لم يكن. فالاعتياد يمنح التحريض مساحة أكبر، ويحوّله تدريجيًا إلى جزء طبيعي من المشهد.

سنواصل في «موطني 48»، رغم قلة الكادر وشحّ الإمكانات، الرصد والترجمة والتوثيق، وسنعمل على تطوير هذا الجهد إلى أرشيف وتقارير وتحليلات وإنتاجات إعلامية تخاطب أهلنا والعالم.

إننا لا نفعل ذلك كي نعيش أسرى لما يقوله الآخرون عنّا، بل كي نفهم ونوثّق ونواجه، ونبني روايتنا الإعلامية بأيدينا.
لقد تحدثوا عنّا طويلًا من دون أن نسمع. واليوم، من حق أهلنا أن يعرفوا كل ما يُقال عنهم، ومن واجب إعلامنا ألا يترك الكراهية تعمل في الظلام.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى