أخبار رئيسيةالضفة وغزةتقارير ومقابلاتمرئياتومضات

32 أسرة صحفية مُسحت بالكامل.. هل نجحت تل أبيب في إسكات إعلام غزة؟

لم يكن قتل الإنسان وحده هدفا في الحرب على غزة، بل كان قتله بعيدا عن عدسات الكاميرات وخارج مساحات الرواية هدفا لا يقل أهمية لدى جيش الاحتلال الإسرائيلي على مدار نحو 3 سنوات من حرب الإبادة.

فقد طالت الضربات كل ما يمكن أن ينقل ما يجري، سواء كان قناة أو إذاعة أو صحيفة أو مؤسسة إنتاج، وصولا إلى الصحفيين والناشطين الذين حملوا هواتفهم وكاميراتهم في محاولة لإبقاء غزة مرئية.

لذا فقد كان الإعلام المحلي واحدا من ساحات الحرب التي تعرضت -بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة- لإبادة بنيوية طالت المنظومة بمكوناتها البشرية والمؤسسية والتقنية.

خسائر الأرواح والمعدات
وبحسب الأرقام التي كشفها مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة، فقد تضرر أو دُمر 16 مقرا لقنوات فضائية، و11 مؤسسة إذاعية، و12 مقرا لصحف ومجلات، و23 مؤسسة إعلامية رقمية، إضافة إلى 27 مطبعة و5 مؤسسات نقابية وحقوقية معنية بحرية العمل الصحفي.

ولم يتوقف الاستهداف عند المقرات، إذ امتد إلى منازل الصحفيين وعائلاتهم، فدُمر 53 منزلا لصحفيين، ومُسحت 32 أسرة صحفية بالكامل من السجل المدني.

لكن الأرقام لا تختصر حجم الخسارة، فبحسب أستاذ الإعلام المساعد في جامعة قطر محسن الإفرنجي، فإن ما جرى مثّل “أكبر ضربة عدوانية يتعرض لها نظام إعلامي محلي في العصر الحديث”، لأن تدمير المؤسسات يعني إسقاط منظومة من غرف الأخبار والكوادر والخبرات والأرشيف وشبكات الاتصال.

وتشير تقديرات الثوابتة إلى أن خسائر القطاع الإعلامي بلغت نحو مليار دولار، شملت المقرات والمعدات ومركبات البث والأجهزة التقنية.

لا يظهر أثر هذه الخسائر فقط في أرقام الدمار، بل في تفاصيل العمل اليومي، فمع تدمير المعدات وإغلاق المعابر وندرة الاستيراد، أصبح الصحفي في غزة يعمل بأدوات محدودة ودون بدائل، فأي عطل يصيب هاتفا أو ميكروفونا أو بطارية أو حامل تصوير قد يعني توقف التغطية بالكامل، في ظل نقص قطع الغيار وارتفاع أسعار المعدات التقنية بشكل يفوق قدرة معظم الصحفيين والمؤسسات المحلية.

تغييب الشهود
أما ثمن الخسارة الأثقل فكان بشريا، حيث يقول الثوابتة إن 262 صحفيا وإعلاميا استُشهدوا خلال الحرب، إلى جانب 28 ناشطا إعلاميا ومؤثرا عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

ويرى الأكاديمي الإفرنجي في تصريحات صحفية، أن استشهاد صحفي لا يعني غياب شخص فقط، بل فقدان “شاهد حي” على جريمة، تماما كما يمثل انهيار مؤسسة إعلامية فقدان منصة كانت مفتوحة أمام المجتمع على مدار الساعة.

وتكشف تجربة شركة “عين ميديا” للإنتاج حجم هذه الخسارة على مستوى أكثر قربا من الإنسان؛ فقد استشهد مصورون وعاملون فيها، بينهم مؤسسها رشدي السراج الذي قتله الاحتلال في الشهر الأول للحرب، وفُقد آخرون لتخسر الشركة فريقا راكم خبرات متعددة على مدى سنوات.

الفقد القاسي
تقول الصحفية شروق العيلة زوجة السراج في تصريحات إعلامية، إن استشهاد الفريق كان أقسى من فقدان المعدات، فكل فرد كان يمثل خبرة وبصمة وطريقة خاصة في العمل.

وبعد النزوح إلى رفح، وجدت الشركة نفسها تحاول الاستمرار بكاميرا واحدة، بعدما بقيت معداتها الأساسية وحاسوبها في غزة، ليستعين الفريق بمعدات صحفيين آخرين، وبطاقات ذاكرة وميكروفونات وأقراص تخزين يوفرها أصدقاء من الخارج، وتحول البحث عن الإنترنت والكهرباء إلى جزء من يوم العمل.

وهذا التحول هو أحد أبرز ما تركته الحرب في شكل الإعلام المحلي، ويقول الكاتب الصحفي وسام عفيفة إن النموذج التقليدي للمؤسسة الإعلامية، القائم على مقر ثابت وغرفة أخبار واستوديوهات وفرق متخصصة وأرشيف وشبكات اتصال وطاقة ونقل، سقط خلال الحرب وحل مكانه “إعلام طوارئ” متنقل يعمل بالحد الأدنى من الإمكانات.

من مؤسسة إلى غرفة طوارئ
ومع منع الصحفيين الأجانب من دخول غزة، وجد الصحفي الفلسطيني نفسه في موقع غير مسبوق، حيث أصبح هو المصدر الأساسي للصورة والمعلومة الميدانية نحو العالم، ليحمل عبئا مزدوجا، وهو أن ينجو من الحرب وأن ينقلها في الوقت نفسه.

وفي ظل انهيار البنية التقليدية للإعلام، لم يفقد الصحفيون مقراتهم ومؤسساتهم فقط، بل وجدوا أنفسهم مع مرور سنوات الحرب في عزلة تقنية متزايدة.

يقول مختص مبيعات معدات التصوير رائد كحيل -في حديث معه- إن هناك شحا شديدا في المعدات، في وقت أصبحت فيه غالبية الأدوات الموجودة بين أيدي الصحفيين قديمة ومتهالكة بفعل الاستخدام المكثف خلال الحرب، بينما لا تتوفر البدائل بسهولة.

أسعار مرتفعة
ولا يعكس الارتفاع الحاد في أسعار تلك المستلزمات حجم النقص في السوق فحسب، بل يكشف أيضا التكلفة التي أصبح الصحفي مطالبا بتحملها حتى يحافظ على أبسط أدوات عمله، بعدما وصلت أسعار بعض المعدات إلى 5 أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب.

فبحسب كحيل، يصل سعر الهاتف المناسب للتصوير الصحفي إلى نحو 5500 دولار، ويتجاوز سعر الميكروفون اللاسلكي عالي الجودة 2500 دولار، وحامل الميكروفون 300 دولار، بينما يتجاوز سعر بعض أنواع البطاريات المحمولة 350 دولارا، وقد تصل أسعار وحدات التخزين إلى 750 دولارا.

ومع استهلاك المعدات التي يعملون بها وصعوبة استبدالها، تحولت المحافظة على أدوات العمل نفسها إلى معركة يومية؛ فيلجأ بعض الصحفيين إلى استعارة هاتف أو ميكروفون من صديق، أو البحث عن معدات يمكن توفيرها عبر العاملين في المؤسسات الدولية، في محاولة لسد النقص والاستمرار في إنتاج الصورة.

الهاتف.. غرفة أخبار
ومع انهيار جزء كبير من البنية التقليدية، صعد الإعلام الرقمي من خيار اضطراري إلى أحد أهم مساحات البقاء.

ويقول المتخصص في الإعلام الرقمي حمزة مشتهى إن الحرب عززت انتقال الغزيين إلى المنصات الرقمية التي كانت أصلا مصدرا مهما للأخبار قبل الحرب، بعدما تعذر الوصول إلى الصحف والقنوات التلفزيونية، وانقطعت الكهرباء والاتصالات والإنترنت في كثير من الأحيان.

وفي بعض مناطق القطاع، كان الحصول على اتصال بالإنترنت فرصة نادرة تجعل متابعة أخبار أسبوع كامل حدثا بحد ذاته. ويصف الإفرنجي هذا التحول بأنه نموذج إعلامي هجين شارك في إنتاجه الصحفيون والمؤسسات والمواطنون والناشطون والمؤثرون.

لكن الرقمي لم يلغِ الحاجة إلى المؤسسة الإعلامية، فالحساب الفردي يستطيع نقل الصورة بسرعة، لكنه لا يوفر بالضرورة غرف الأخبار اللازمة للتحقق والتحقيق والأرشفة والإنتاج طويل النفس.

كما أن مشتهى يرى أن ما يميز الإعلام المحلي هو وجود “حارس بوابة” يمرر الخبر عبر مراحل من التحقق والمراجعة المهنية قبل وصوله إلى الجمهور، بينما تفتقر بعض المنصات الرقمية الناشئة أو الفردية إلى هذه الآلية، فتتحول السرعة أحيانا إلى ثغرة في الدقة والمهنية.

ولهذا، فإن الهاتف والمنصة الرقمية قد يكونان قادرين على نقل الصورة في لحظتها، لكنهما لا يعوضان بالضرورة غرفة الأخبار بما توفره من تحقق وتحقيق وأرشفة ومتابعة مهنية.

ويرى المحلل عفيفة أن المستقبل لا يقوم على استبدال المنصات الرقمية بالتلفزيون والإذاعة، وإنما على التكامل بينها، فالإذاعة تظل ضرورية عندما ينقطع الإنترنت، بينما يتيح الرقمي سرعة الانتشار والوصول إلى الجمهور خارج غزة.

الإعلام الورقي.. هل يعود؟
وحتى صحيفة “فلسطين” -إحدى أبرز الصحف الفلسطينية وأكثرها انتشارا في قطاع غزة– اضطرت إلى وقف نسختها الورقية خلال الأسبوع الأول من الحرب.

وتقول مديرة تحرير صحيفة “فلسطين” سمر شاهين -في حديث صحفي- إن توقف النسخة الورقية لم يكن قرارا تحريريا، بل نتيجة انهيار منظومة الطباعة بأكملها، في ظل تضرر مقر الصحيفة وارتفاع تكلفة الورق والطباعة وتعطل الكهرباء والاتصالات.

لكن توقف المطبوع لم يكن نهاية الصحيفة التي نقلت ثقل عملها إلى موقعها الإلكتروني ومنصاتها الرقمية والنسخة الإلكترونية بصيغة “بي دي إف”، في حين تولى فريق موجود خارج غزة إدارة جانب من العمل، واستمر الصحفيون داخل القطاع في إنتاج الأخبار والمتابعات من أماكن النزوح.

ومع ذلك، لا تنظر الصحيفة إلى هذا التحول بوصفه بديلا نهائيا عن المطبوع، إذ ترى شاهين أن عودة النسخة الورقية تظل مرتبطة بإعادة تأهيل البنية التحتية وتوفر مستلزمات الطباعة وتحسن الظروف الأمنية والاقتصادية.

حرب على الشاشة
كما أن الفضاء الرقمي نفسه لم يكن آمنا، إذ امتد الاستهداف -يقول الأكاديمي الإفرنجي- إلى منصات التكنولوجيا الكبرى، وفي مقدمتها “ميتا” مع حذف حسابات لصحفيين وناشطين ومؤسسات إعلامية، بينما يشير المسؤول الحكومي الثوابتة إلى اختراق مواقع ومنصات فلسطينية وحجبها، لتنتقل المعركة من استهداف الكاميرا في الميدان إلى استهداف المحتوى على الشاشة.

ورغم حجم الدمار، يقول الثوابتة إن 143 مؤسسة إعلامية لا تزال تعمل في الميدان، في حين يرى عفيفة أن ما يجري ليس تعافيا حقيقيا بقدر ما هو استمرار للعمل تحت الضرورة.

وتواجه المؤسسات المتبقية نقص المعدات وقطع الغيار، وضعف الكهرباء والاتصالات، وغياب المقرات، وصعوبة التنقل، إلى جانب الاستنزاف النفسي والمهني والأزمة المالية.

ويضع عفيفة حماية الصحفيين واستعادة الكوادر والتأهيل المهني في مقدمة الأولويات، إلى جانب توفير بنية تشغيل أساسية، وإعادة بناء المؤسسات وفق هياكل أكثر مرونة، وحفظ الأرشيف الذي أنتجه الصحفيون خلال الحرب.

نحو الدمج
ولا يرى مشتهى أن مستقبل الإعلام في غزة سيكون انتصارا للرقمي على حساب الإذاعة والتلفزيون، بل أقرب إلى الدمج بين الأشكال المختلفة. فحتى المؤسسات الكبرى باتت تعيد إنتاج برامجها التقليدية في قوالب رقمية متعددة، من المقاطع القصيرة إلى التصاميم والبودكاست، في محاولة للوصول إلى الجمهور حيث يوجد.

والمؤسسات المحلية التي تريد البقاء ستكون مطالبة -بحسبه- بالتكيف مع هذا التحول، وهو ما يتطلب استثمارا في الطواقم وتطوير مهاراتها، إلى جانب تجاوز الأزمات المالية التي تعوق كثيرا من المؤسسات عن تحديث أدواتها.

أما الإفرنجي فيرى أن المرحلة المقبلة تحتاج أيضا إلى إعلام يتجاوز التغطية الميدانية نحو “صحافة المجتمع”، تتابع التعليم والصحة النفسية والإعمار والفقر والتحولات الاجتماعية، وتخاطب العالم بلغاته المختلفة.

ورغم أن إسرائيل سخرت خلال الحرب قدرات عسكرية وتقنية هائلة لتدمير المؤسسات الإعلامية وقتل الصحفيين وحجب ما يجري في غزة، فإنها لم تستطع أن تنهي القصة عند حدود ما دمرته. فقد أخذ الصحفي الفلسطيني على عاتقه مسؤولية إبقاء الصورة حية، وأفشل الهدف الأبعد للاستهداف، بأن تموت القصة بموت أصحابها، وأن تُحجب الصورة بموت من كان يحملها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى