أخبار وتقاريرمقالاتومضات

في تفكيك الوعي الزائف.. كيف تحمي الجماهير إدراكها من التضليل؟

أحمد سليمان

“الوعي السياسي هو الفهم العام للمناخ السياسي وما يحركه من تجاذبات ومخططات من الفاعلين السياسيين، ويتعلق مفهوم “الوعي السياسي” بالأفراد والمنظمات والمجتمعات على حد سواء. وإنشاء الوعي السياسي يعني تكوين ضرب من ضروب التفكير الواعي بالراهن السياسي. والحراك المطلبي في النطاق المحلي أو الإقليمي أو الدولي، وجميع التصرفات السياسية الشعبية مثل الانتخاب والترشح للانتخابات والقيام بالمظاهرات والثورات، كلها تتأثر وتتجه وتيرتها بناءً على مستوى الوعي، فهذا الوعي إذن هو القلب النابض للمكونات الحية للكيانات السياسية. بعد عمل غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل، لخّص كارل ماركس كيفية عمل الوعي السياسي”.

ويشير الوعي عادةً إلى فكرة المرء الذي يتمتع بوعي ذاتي. وهي خاصية أكرم بها الله سبحانه وتعالى الإنسان عن غيره من الكائنات. والوعي السياسي ليس مجرد قراءة الصحف أو متابعة نشرات الأخبار، بل هو حالة من الإدراك العميق والفهم التحليلي للواقع السياسي والاجتماعي المحيط بالفرد والمجتمع. والوعي السليم مرتبط بفهم موقف المرء الحقيقي من التاريخ.

والحذر الحذر من الوعي الخاطئ

فيرى ماركس أن الأيديولوجيات تظهر لتفسر وتبرر التوزيع الحالي للثروة والقوة في المجتمع. وفي المجتمعات ذات التوزيع غير المنصف للثروة والسلطة، تقدم الأيديولوجيات هذه التفاوتات على أنها مقبولة، وحميدة، وحتمية (سلم الهوية)، وما إلى ذلك. لذلك، فإن الأيديولوجيات تدفع الناس للقبول بالأمر الواقع. فيؤمن المرؤوس برئيسه: الفلاحون يقبلون بحكم الطبقة الأرستقراطية، وعمال المصانع يقبلون بحكم الملاّك، والمستهلكون بحكم الشركات. وهذا الإيمان بالمرؤوسية الناتج عن الأيديولوجية، في نظر ماركس، هو وعي زائف.

ويعني ذلك أن ظروف عدم المساواة تشكل أيديولوجيات تسبب للناس ارتباكًا بشأن أهدافهم وولائهم وطموحاتهم الحقيقية. لذا، من وجهة نظر ماركس، تعرضت، على سبيل المثال، الطبقة العاملة عادةً للتضليل بواسطة القومية والدين النظامي وغير ذلك من عوامل الإلهاء الأخرى، عبر تعزيز النزعات الاستهلاكية والفردانية على حساب القضايا الجمعية، وهذا ما يمكن إسقاطه أيضًا على مجتمعاتنا العربية في الداخل بشكل خاص، وفي الخارج بشكل عام. هذه الأدوات الأيديولوجية تساعد في الحيلولة دون إدراك الناس أنهم مَن ينتجون الثروة، ومن يستحقون ثمار الأرض، ومن يمكنهم الازدهار. وبدلًا من التفكير بموضوعية في أنفسهم، يتبنون الأفكار التي تقدمها لهم الطبقة الحاكمة.

ولتشكّل الوعي السياسي، على المرء أن يبادر إلى الإلمام بأسس المنظومة السياسية وطبيعة عمل المؤسسات، وفهم أبجديات المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والالتفات إلى القضايا العامة والأحداث الجارية محليًا وعالميًا. كما يجب عليه أن يقرأ ما وراء الخبر، ويربط الأحداث، ويشكك في الخطابات الإعلامية والحزبية.

وأرقى درجات الوعي السياسي هي إدراك الفرد أن المشاركة الفاعلة في العمل السياسي، من مظاهرات وانتخابات وعمل جماهيري وطني، أي الانتقال من المتلقي إلى المواطن الفاعل، لها وزنها ويمكن أن تُحدث تغييرًا.

الوعي السياسي هو مراقبة عمل المنتخبين والقيادات، وتقييم أدائهم ومحاسبتهم على إخفاقاتهم (المجتمعات الصحية تبنت آلية تقييم ومحاسبة)، والوعي هو طوق النجاة من الانخداع بشعارات شعبوية كإسقاط اليمين، أو التلاعب العاطفي بقضايا العقيدة كعدم البخل على الأقصى، أو التلهي بقضايا هامشية كأزمة الطحينة.

لذلك، الوعي هو الخطوة الأولى لأي حراك مجتمعي هادف قابل للمحاسبة والتقييم.

والوعي هو ضالة كل إنسان، عليه أن يسعى إليه ويستنفد جميع الوسائل، والإنسان مكلف بالطموح إلى الأفضل دومًا، فالأفضل أفضل له وللأجيال القادمة.

إن الإنسان بطبيعته يميل إلى الراحة، فالمظاهرات والوقفات الاحتجاجية والأعمال التطوعية ومساندة الأسرى والمسرى، كل هذه الأمور تقض مضجع الراحة وتجبر الإنسان على النهوض من وثير فراشه إلى السير تحت وطأة الشمس الحارقة أو المطر الكثيف.

ولكن هذا كله مردّه إلى الأفضل عاجلًا أم آجلًا. إن مسار الوعي يتطلب تضحية ومكابدة، وهو ما يتجلى بأبهى صوره في النماذج التاريخية والعقائدية، حيث كان لنا الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة، حين تحمّل أذى قريش له، وحين طُرد إلى الشعاب وذاق مرارة البعد والغربة والجوع والبرد والمقاطعة، وتحمّل مشقة المطاردة في هجرته إلى المدينة، كما تحمّل الصحابة مشقة الهجرة إلى الحبشة أيضًا، فلم يقبل بالتنازل عن الأمر مقابل أمور مادية دنيوية عرضها عليه كفار قريش. فكانت الراحة، وكانت دولة الإسلام، ووجد كل امرئ ما له سعى. فقد ساد المطاردون الأرض وملؤوها عدلًا وسلامًا.

فهكذا هو الوعي، على المرء أن يبذل الجهد ليناله لكي يتمتع بحلاوة النتيجة. ويقف الوعي السياسي اليوم كضرورة وجودية لا غنى عنها؛ فهو أداة التحرر من الأيديولوجيات الزائفة، والموجّه الأساسي لبناء مجتمع فاعل وقادر على حماية حقوقه وصياغة مستقبله بكفاءة واقتدار.

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى