مع ديوان “زفرات مهموم” لشاعرنا المرحوم أحمد سليم

الشيخ رائد صلاح
الشعرُ في نظر الشاعر المرحوم أحمد سليم، أبي بلال، كما قال في مقدمة ديوانه “زفرات مهموم”: هو لحظة صدق بين الإنسان ونفسه، حين تضيق العبارة بالنثر، وتستعصي المشاعر على الوصف، فلا يبقى سوى الشعر ليحمل ما عجزت عنه اللغة اليومية من أوجاع وأحلام. فكم من قصيدة وُلدت من مشهد عابر استوقفني! وكم من بيت شعري خرج من تنهيدة مكتومة! وكم من نصّ كان استجابة لجرح رأيته في وجه إنسان، أو صرخة سمعتها من وطن، أو لسؤال ظل يؤرقني في عزلتي الطويلة مع النفس!”
وقد قال في ذلك من ضمن قصيدته “الفن أسمى”:
الفنّ أسمى من مقولة قائل الفنّ إبداع على الصفحات
الفنّ أن تفنى النفوس بعشقها الفنّ نكرانُ الأنا والذات
ولماذا اختار لديوانه هذا الاسم “زفرات مهموم”؟!
جوابًا على هذا السؤال، يقول في مقدمة هذا الديوان: “إنها زفرات خرجت من صدر أثقلته هموم الإنسان في هذا العصر المضطرب، هموم وطن ينزف، وأمة تتعثر بين أمجاد الماضي وأثقال الحاضر، وإنسان يبحث عن معنى وجوده وسط ضجيج العالم، وروح تتطلع إلى الله كلما ضاقت به السبل. حين اخترتُ لهذا الديوان عنوان «زفرات مهموم»، لم أكن أبحث عن عنوانٍ شعريٍّ فحسب، بل كنت أصف حالًا رافقني طويلًا. فالهم ليس دائمًا حزنًا، كما أن الزفرة ليست دائمًا شكوى. قد يكون الهم حبًا صادقًا لوطن يتألم، أو غيرة على أمة تتعثر، أو خوفًا على قيم تتآكل، أو شوقًا إلى عالم أكثر عدلًا ورحمة ونقاء”.
صدق د. محمد عدنان جبارين عندما كتب قائلًا في قراءة له لهذا الديوان: “الشاعر هنا يضع نفسه في موضع الناطق الرسمي باسم آلام الأمة وعذاباتها، لتصبح زفراته الفردية صدىً لزفرات الملايين من أبناء العروبة والإسلام المكلومين في واقعهم الراهن… أحمد سليم محاميد، لا يقف عند حدود رصد المأساة، بل يقدم البديل المعرفي والروحي المتمثل في العودة إلى الجذور الإيمانية والاعتصام بحبل العقيدة. تتحول القصيدة عندها في هذه المواضع إلى محراب متبتل، يمتزج فيه الثناء والدعاء بالدفاع الذائد عن حياض الدين والرسالة المحمدية، ترياقًا لسموم اليأس والإحباط، وتأكيدًا على أن قوة الحق الإلهي أزلية باقية مهما بلغت غطرسة القوى المادية الزائلة”.
وبعد أن قرأت هذا الديوان وجدت أن الشاعر أبا بلال، يستهل ديوانه بإعلان الوفاء لأهل الوفاء، حيث يقول في مطلع مقدمته: “… ويسرني أن أزجي وافر الشكر والتقدير، وخالص الدعاء، لكل من أحاط هذا العمل بعنايته، وكانت له يد بيضاء معطاءة في إخراجه وصقله ليرى النور في هذه الحلة البهية الزاهية. وأخص بالذكر والتقدير الابن البار المخلص بلال أحمد سليم، الأخ الفاضل والصديق الأصيل الدكتور محمد جبارين، الشاعرة والباحثة الفاضلة إيمان مصاروة. كما يمتد الشكر أجزله والثناء أعمقه إلى تلك الأيادي الخفية والقلوب النقية التي واكبت هذا العمل بمحبة ودعم”.
ثم ها أنا ذا أسجل هذه الملاحظات من عند نفسي حول هذا الديوان.
- إذا كان شعراء الجاهلية قبل الإسلام حرصوا أن يفتتحوا قصائدهم بالوقوف على الأطلال، فقد حرص شاعرنا أبو بلال أن يفتتح كثيرًا من قصائده بحمد الله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. مما يعني أن الزاد الدائم الذي ملأ صدره عندما كانت تهبط عليه الهموم، ثم عندما كان يترجم ما يمور في صدره إلى قصائد؛ إنّ زاده الدائم في كل ذلك كان حب الله تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم. وكانت الاستغاثة الدائمة كاستغاثة الغريق بالله تعالى، والتقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برسائل المديح والشوق لرؤياه والطمع بنيل شفاعته.
ونجد ذلك في كل من قصائده: “الفن أسمى”، “الله فيكم”، “إنذار الكورونا، هل من متعظ؟”.
فها هو في مطلع قصيدته “إنذار الكورونا، هل من متعظ؟” يقول:
الله والقدر المقدر عنده حمدًا له في بادئ الأقوال
ومحمد أحيا الوجود بهديه من نعمة المتفضل المتعالي
صلوا عليه، أيا وجوه عشيرتي تحظوْا لدى المولى بأجر عال
وها هو قد ضاقت عليه النوائب واستحكمت عليه حلقاتها، وبات على يقين أن لا منجى منها إلا أن يستغيث بالله تعالى، الذي له عاقبة الأمور. فيقول في قصيدته “مناجاة”:
رباه طعم السوط أضحى مطعما والقيد أدمى من يديّ المعصما
أبكي أذوب تحرقًا يا لوعتي والقلب يقطر من علائقه دمًا
رباه هل نحيا إلى زمن نرى الـ قرآن يفتح في محافله الفما
ويثور سجني عاصفًا بركانه والراية الخضراء تخفق في السما
ثم عندما تشتد عليه الغربة، وكأن الديار التي يسكنها ليست الديار التي كان يعرفها، وكأن القوم الذين يخالطهم ليسوا القوم الذين يعرفهم، وكأن الحال قد تحول به من الأُنس إلى الوحشة، ومن المودة إلى الخصومة، ومن الرحمة إلى القسوة، عند ذلك لا يجد بدًّا من التوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلواعج الشوق المتدفق كنهر فياض بالماء الغزير. وها هو يقول في قصيدته “حبيبي يا رسول الله”:
حبيبي يا رسول الله يا حبيبي يا نبي الله
أنت الداعي، أنت الهادي أنت الشافع بإذن الله
فرح الأقصى بالإسراء معراجك قد زان السماء
والملائكة في العلياء قالت جاء رسول الله
- بلا لجوء إلى شعر رمزي مبهم العبارة والمعنى، يؤكد لنا شاعرنا أبو بلال بصريح العبارة والوزن والروي والقافية في شعره، أن كل النوازل حلُّها في القرآن، والتمسكُ بالعقيدة، وأن صمود الهوية لن يتحقق بلزوميات المعري، وشطحات طه حسين، وباطنيات أدونيس، وانزلاقات نجيب محفوظ، ووسوسات توفيق الحكيم. بل لا بد مما ليس منه بد، من التمسك بالثوابت الإسلامية العروبية الفلسطينية.
وها هو يقول في قصيدته “زمن الرويبضة”:
فشققت باليمنى الطريق لعزتي والماء نزر، والطعام شحيح
وصنعت نصرًا من شموخ عقيدتي وأهلَّ فجري بالعدو يصيح
يا أيها الباغون طمس هويتي أحلامكم قد سفَّهتها الريح
- يشمخ شاعرنا أبو بلال في شعره بانتمائه إلى الأمة الإسلامية التي بناها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى حد أن رأسه تُطاول عنان السماء. ولا يغفل عن الوقوف على أمجادها في الماضي، ثم على هوانها اليوم، فنراه في شعره يحنّ إلى الماضي حنين رضيع لأمه، وفي المقابل يبكي على الحاضر بكاء ثكلى على موت ابنها. فها هو يقول في قصيدته “اليوم عيد”، مستحضرًا نكبات الحاضر:
المسلمون كما الخراف تراهمُ والعُرْب يختالون في حس بليدْ
أتُراهمُ كغثاء سيل أم تُرى ماتت أحاسيس البطولة والصمودْ
أم هانتِ الأعراضُ عند جموعهم؟ أم أنّهم الكبرى تطمّ وتستقيدْ
يا ويح أمة أحمد ربضت على أدرانها من بعد ماضيها التليدْ
- وكأني بشاعرنا أبي بلال، وهو ينتقل بين جراح الأمة ما بين شرق الأرض وغربها، ثم لا يجد نصيرًا من البشر يؤازره لإخراج هذه الأمة من ظلمة تيهها، ومن طول مأزقها، ومن استباحة عِرضها وأرضها وبرها وبحرها وجوها، وتمْرِها وزيتونِها؛ كأني به يواسي نفسه بفتح ملف نجوم الأمة الذين صنعوا تاريخها ورفعوا مجدها، وحرسوا حياضها، وذادوا عن حرمة الإنسانية فيها، وسهروا على دفع أي أذى عن مقدساتها.
وها هو يتطرق خلال قصائده إلى المعتصم وخالد بن الوليد، والسلطان عبد الحميد الثاني، وصلاح الدين الأيوبي. فها هو يقول في قصيدته “اليوم عيد”:
ونساؤنا ديست كرامتها، ولا حسٌّ لمعتصمٍ ولا لابن الوليدْ
والأرض باتت مستباحًا ساحُها والمسجد الأقصى ينادي يا حميدْ
وصلاح أوشك أن يشق ترابه غضبًا ويضرب عنقنا بيدٍ حديدْ
- خلال وقوف شاعرنا أبي بلال على الجوائح التي تحل بالأمة الإسلامية اليوم، لدرجة أنك قد تسمع صوت بكائه من نبرات شعره، وقد تبصر دموعه الساخنة تتدفق من بحوره؛ ها هو يتوج كل ذلك بالوقوف على أعتاب القدس والمسجد الأقصى المباركين، مستنطقًا كل حجر في القدس، وكل مئذنة ومصطبة وبائكة في المسجد الأقصى. فها هو في قصيدته “يا أذان القدس” يقول:
يا أذان القدس هيا أسمع الدنيا النداء
وانطلق فينا دليلًا نحو أمجاد الفداء
أيها الأقصى، فأبشر أيها العالي البناء
قد نهضنا من سبات حل تقديم الولاء
صخرة المعراج صبرًا واصمدي في إيلياء
كنت للهادي محمد سُلَّمًا نحو السماء
- إلا أن شاعرنا أبا بلال، وهو يرصد في شعره سطوة الرويبضات على الأمة الإسلامية وتوالي نكباتها بلا توقف، لدرجة أنها كلما قيل انقضت تمادت، إلا أنه لا يرفع الراية البيضاء، ويرفض شعر الهزيمة الذي قال الشاعر المهزوم فيه:
ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النُوَّم
بل يتوكل على الله تعالى أولًا، ويجدد همته بمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يحثنا على التمسك بالتفاؤل كخيار وحيد، واليقين أن ما بعد الليل إلا طلوع الفجر، وما بعد الكرب إلا الفرَج، وما بعد العُسر إلا اليسر.
وها هو يقول صارخًا فينا في قصيدته: “ألا إني أكلت يوم أكل الثور الأبيض”:
من قال إن الحق مات قولوا له: الحق آتْ
من خلف ديجور الظلام برغم كل النازلاتْ
ويصرخ فينا في الوقت نفسه، أن نثق بإرادة شعوبنا على طول امتدادها الإسلامي العروبي والفلسطيني، وهو يقول لنا في قصيدته: “ألا إني أكلت يوم أُكل الثور الأبيض”:
لن يقدر المأفون أن يئد النضارة والحماةْ
إن الشعوب عظيمة إن رامت العليا… وهاتْ
ثم يقول لنا في قصيدته: “كفكف دموعك وانسحب يا عنترة”:
نحن الجناة إذ استكنَّا ذلة فتأسد الفئران صرنا “مسخرةْ”
إن الشعوب إذا أرادت عزة قامت لأوكار الطغاة مدمرةْ
- أبو بلال الوفي ظل وفيًا لدعوته التي كان فيها الشاعرَ المنافحَ عن مبادئها، والتي كان فيها المنشدَ في أعراسها الإسلامية، والتي كان فيها الممثلَ في مسرحياتها الملتزمة، وفي مقدمتها مسرحية “وصية لاجئ”. وكان أبو بلال الناشط السياسي المناصر لها في انتخابات بلدية أم الفحم. وكان الإعلامي الناقد في مسيرة الصحوة وإعلامها وأدبياتها وبياناتها. وكان ابن المسجد، وابن الحلقة التربوية، وابن رياض الصالحين، وابن المعسكر الإسلامي، وقوافل الإغاثة، ومهرجانات الفن الإسلامي.
لكل ذلك فقد خص دعوته بالكثير في ديوانه، وها هو يقول في قصيدته: “دعوتنا”:
يا دعوةً صنعت كبير المعجزاتْ بنيت على خلق المكارم والثباتْ
ربّتْ بنيها، هذّبتهم، علَّمتْ من هدي مختار الأنام المكرُماتْ
لولاكِ ما دامت لنا أرض ولا عرض، ولا فزنا بمحمود الصفاتْ
وها هو يقول في قصيدته: “صمت اليراع”:
تبني صروح الخير ترفع راية للحق تبغي للنعيم مآلًا
لا ترتجي الإطراءَ، ليس يهمها إن قال قائلهم ولا ما قالا
وعلى خطى المختار طه المصطفى تُبنا لرب العالمين تعالى
وعرفتَ فالزم يا ابن دين محمد ووعدت فِ الوعدَ المؤملَّ حالا
- لا يمكن للشاعر أبي بلال أن يغفل عن نُصرة العربية لغتنا، وهو الشاعر والإعلامي والمنشد، وهو صاحب كتاب «بالعربي أهيب»، الذي يدعو فيه أن نرحم ألسنتنا وأقلامنا، وأن نطهرها من كل لفظة هجينة لا تمت إلى العربية بصلة. وها هو يقول لنا في قصيدته: “ضاد العروبة”:
ضاد العروبة كم يحلو بها الطربُ من هديها يستقيم العلم والأدبُ
الله يحفظها والغِرُّ يثلبها ترسي دعائمها في بطنها الكتب
واليوم يحمل رايات لعزتها أبناؤها… ثلة ما نالهم تعب
يحمون عزتها من كل مثلبة هم كالأسود إذا استنفرتَهم وثبوا
- ولأن شاعرنا أبا بلال عاش يوميات الربيع العربي ويوميات أفراحه، ثم يوميات من تآمروا عليه، فها هو يقف منافحًا عن الربيع العربي، وعن حق شعوبنا العربية باسترداد حريتها، بعد ظلمة سجون الرويبضات، وباسترداد كرامتها التي ضاعت عبر أثير الإعلام الكاذب لزعامات لم تنتصر إلا على شعوبها. ثم هاجت شعوبها وماجت، وصاحت فيهم: كفاية ظلمًا واستبدادًا، وإزهاقًا للأرواح وبيعًا للأوطان. وها هو يقول في قصيدته “الله فيكم”:
شعب يقرر من يكون رئيسهم فتطاول الشيطان: يا خيل اركبي
شلت أياديكم وأيدي جيشكم لا تقتلون إلا الكريم اليعربي
ثم يؤكد لنا مستشرفًا المستقبل زوال كل هؤلاء الرويبضات، وفي مقدمتهم بشار الأسد. وها هو يقول في قصيدته “الله أقوى وأكبر” مخاطبًا بشار الفارّ:
إني لأرقب ساعة مرجوة سأراك فيها راغمًا تنهارُ
وأرى مدائن حكمكم مهدومة وتئن يعلو رأسك “البُسطارُ”
- مقاصد قصائد شاعرنا أبي بلال أكثر مما ذكرتُ، فقد نبهنا في قصائده على مصارع الأمم الظالمة، ووقف واستوقف الكل على نكبة فلسطين وحق العودة، وبكى واستبكى على المعلم ورسالته. ولم يغفل أن يقدم النصيحة إلى الشباب عُدَّةِ مستقبلِنا، وتفجر حزنًا وهو يصف آفة العنف العمياء التي عصفت بنا. ولم يهادن الشعر الساقط، بل غمز فيه ولمز. وكم شده الحنين أن يفخر بحَمولته (الخضور)، ثم شده ألم الفراق أن يرثي كوكبة غالية ماتت من أقاربه، وخص قصيدة رثى فيها أخي المرحوم عاصم أبو شقرة.
- أنصح فرق النشيد الإسلامي أن تعود إلى هذا الديوان “زفرات مهموم”، فستجد فيها أكثر من قصيدةٍ طَروب تصلُح أن تنشدها هذه الفرق في شتى المناسبات.
- رحمك الله يا شاعرنا أبا بلال، وكم كنت موفقًا عندما ختمت ديوانك بهذه الكلمات: “انتهى بحمد الله. هذا وما كان من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو زلل فمني ومن الشيطان. أستغفر الله”.
