أخبار وتقاريردين ودنياومضات

أيها الشباب.. ما لهذا خلقتم ولا بهذا أمرتم

ليلى غليون

إبراهيم بن أدهم سيد الزهاد، وسلطان العارفين، من أتباع التابعين، الذين كانوا من أبناء الملوك، إذ كان أبوه ملكًا من ملوك خراسان، كان في بداية حياته شابًا مدللًا مرفهًا، يقول: كنت في أحد الأيام أركب فرسي للصيد وأطارد غزالًا في الطريق، فسمعت هاتفًا يقول لي، وفي رواية أخرى، فإذا برجل عجوز يأخذ بلجام فرسي وينظر إلي ويقول: يا إبراهيم… ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت؟ فحلف ألا يعصي الله تعالى، وترك ملك أبيه، وأكثر من السفر في طلب العلم والازدياد من الطاعات.

لقد أدرك الإسلام أن الشباب هم عماد الأمة ودعامتها، فأولاهم عناية فائقة، ورباهم على تحمل المسؤولية، وغرس فيهم الثقة، وكلفهم بأعظم المهام، فهم أسرع الناس استجابة للحق، وأكثرهم استعدادًا للتضحية والعمل.

ومن يتأمل التاريخ الإسلامي يجد أن كثيرًا من أعلام الأمة كانوا شبابًا عندما حملوا المسؤوليات العظام، فقد حملوا أمانة الدعوة، وتعلموا القرآن، وشاركوا في بناء المجتمع، وصنعوا المجد وهم في مقتبل أعمارهم، لأنهم امتلكوا الإيمان بأنفسهم بعد إيمانهم بالله، والإرادة الصلبة والعمل الجاد، وقد ذكر القرآن الكريم نماذج مشرقة لشباب ثبتوا على الحق رغم الظروف الصعبة التي كانت تحيط بهم، من أبرزهم أصحاب الكهف الذين مدحهم الله تعالى بقوله: “إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى”. الكهف. فكانوا مثالًا للشجاعة والثبات على المبادئ، فالعمر ليس معيارًا للإنجاز والعطاء والبناء، وإنما يُصنع كل ذلك بصدق الإيمان والعزيمة والإخلاص وحسن استثمار الوقت، وقبلها الوعي والإدراك بالدور الذي خُلق كل فرد لأجله.

فحين نتحدث عن الشباب، فإننا لا نتحدث عن مجرد مرحلة عمرية لها ما لها وعليها ما عليها، بل نتحدث عن مرحلة القوة والعطاء والقدرة على صناعة التغيير، عن الروح التي تسري في جسد الأمة والمجتمعات، عن القوة الهادرة التي لا يمكن لأي أمة أو مجتمع أن يتقدم خطوة إلى الأمام إن لم تكن الدافع والمحرك لهذه الخطوة، فهم الثروة الحقيقية التي لا تنضب، وهم رأس المال الذي لا يقدر بثمن، باختصار فإننا نتحدث عن الشريان الذي تتدفق فيه مياه الحياة، وإذا تعطل، تعطل كل شيء.

نعم إننا نتحدث عن نبض الحياة، وسواعد البناء، وعقول الإبداع، ووقود النهضة، واسألوا التاريخ فإنه لا يكذب، هل نهضت أمة عبره إلا وكان الشباب في مقدمة صفوفها؟ وهل صنعت الأمجاد ورفعت رايات العلم والتقدم إلا بشباب واجهوا التحديات وتحملوا الصعاب وصنعوا التحولات الكبرى؟

وإذا أردنا أن نستشرف مستقبل أي أمة، فلننظر إلى شبابها وبأي خط سير يسيرون، وكيف لنا أن نطمئن إلى مستقبلها إذا كانوا غارقين في الفراغ والشهوات وضياع الهوية وضعف الهمة وقتل الأوقات بما يغضب الله تعالى؟ عندها ليس فقط أن مستقبلها في خطر، بل كبروا عليها أربع تكبيرات واسترجعوا.

لقد منح الله تعالى الشباب طاقة جسدية وحيوية وفكرية وإرادة وطموحًا لا يعرف المستحيل، وذلك لعظم دورهم في الحياة ولعظم مسؤوليتهم في صناعة المستقبل، لذا فهم ليسوا مشكلة بحاجة إلى حل كما يفرز واقعنا اليوم للأسف، بل المفروض أنهم هم الحل لكثير من مشكلات المجتمع، وذلك عندما يفقهون دورهم، ويعون رسالتهم، ويدركون الهدف من وجودهم ولماذا ولأي هدف الله خلقهم، عندها سيقودون ولا ينقادون، وسيؤثرون ولا يتأثرون، وسيكونون هم القدوة وليسوا مقلدين ينجرفون خلف كل فكرة، وينساقون وينجرون وراء كل موضة وكل مستحدث وما سفه وما تفه.

فيا شباب الأمة: أنتم الأمل بعد الله تعالى، أنتم الأمناء على حاضر مجتمعاتكم ومستقبلها، أنتم خشبة النجاة التي ستنقذ مجتمعاتكم، والسفينة التي سترسو به إلى شواطئ الأمن والسلامة والأمان، كونوا أصحاب رسالة وهدف، تمسكوا بدينكم فهو مصباح هدايتكم، اعتزوا بقيمكم، لا تسمحوا لأحد أن يحرف بوصلتكم عن الحق وعن الجادة، ولا تسمحوا لأحد أن يعرقل خطواتكم بالتثبيط واليأس وأنكم لن تستطيعوا تغيير هذا الواقع الكئيب، فهو المستحيل، لا وألف لا… فكل إنجاز بدأ بفكرة، وكل فكرة ولدت في عقل إنسان آمن بنفسه واستعان بربه ثم عمل بجد وإخلاص، تقدموا فما أشد الحاجة إليكم، إلى وعيكم، إلى أخلاقكم، إلى هممكم، إلى سواعدكم، إلى عقولكم، إلى إبداعاتكم، وإياكم أن تخافوا من الفشل، فالفشل الحقيقي ليس في أن تفشلوا، وإنما في الاستسلام للفشل وعدم المحاولة من جديد.

إن أعداء الأمة عرفوا من أين تؤكل الكتف، وعرفوا أن أقصر الطرق وأنجح الوسائل لسقوط المجتمعات والسيطرة عليها هي قتل روح الهمة عند الشباب وخلق جيل منهم بلا طموح وبلا أهداف، جيل تتقاذفه رياح التمييع والغربة عن الدين والأصالة والثوابت.

ولأن الشباب هم أكثر فئات المجتمع قدرة على البناء والتغيير، فهم في نفس الوقت أكثر الفئات تعرضًا للتحديات والتأثيرات المتسارعة، وما أكثرها وما أخطرها، وما أشدها فتكًا على هذه الفئة المستهدفة بالذات، ومن بين هذه التحديات:

• ضعف الوعي وضياع البوصلة وكثرة الأفكار والآراء وطوفان المعلومات عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل التي جعلت الكثير من الشباب في حيرة يصعب عليهم التمييز بين الحق والباطل والنافع والضار.

• الغزو الفكري والثقافي والانفتاح الرقمي وإدمان وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تستهلك الساعات الطوال من حياة الشباب والتي أثرت بالطبع سلبًا على التحصيل العلمي والإنتاجية والعلاقات الأسرية والتركيز وغيرها.

• الفراغ وإهدار الوقت الذي يؤدي للعادات السيئة والانشغال بالتفاهات.

• سوء الحالة الاقتصادية وازدياد نسبة البطالة وصعوبة الحصول على فرص العمل.

• الضغوطات النفسية وضغوطات الدراسة والعمل، والمقارنات المستمرة مع الآخرين والتي بدورها قد تؤدي إلى المزيد من الضغط والقلق وفقدان الثقة بالنفس.

• لا نقول غياب القدوة، بل ضعف القدوة والنموذج الذي يحتذى به، وتأثر الشباب بالمشاهير والمؤثرين والذين في الغالب لا يمثلون القيم الإيجابية.

• كثرة المشاكل في البيوت والتفكك الأسري وغياب الحوار داخل الأسرة دفع العديد من الشباب للبحث والتوجه لمصادر غير موثوقة وربما مدمرة.

• ربما هو الاستسلام وفقدان الأمل عند العديد من الشباب أن النجاح مستحيل وأن التغيير الإيجابي بات حلمًا يصعب تحقيقه، مما جعلهم يقبعون في دوائر اليأس فيستسلمون ويتوقفون عن المحاولة من جديد.

ولكن رغم كل هذه التحديات، ومهما بلغت وعظمت، لا ينبغي أن تكون سببًا للاستسلام ولا للإحباط، بل دافعًا لمزيد من العزيمة والهمة والتحدي الراشد القادر على تحويل الأزمات إلى فرص، والعقبات إلى جسور للنجاح.

تذكروا أيها الشباب أن الأيام تمضي سريعًا، وأن العمر مهما طال فهو قصير، وقيمة الإنسان لا تقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بالأثر الذي تركه بعد رحيله، وستأتي اللحظة التي يقف كل واحد منا بين يدي الله تعالى لا يسأله عن عدد متابعيه ولا عن شهرته ولا عن سيارته الفارهة، وإنما يسأله: ماذا قدمت لدينك، ماذا صنعت لأمتك، كيف قضيت شبابك، وفي أي شيء أفنيت عمرك.

اجعلوا من شبابكم طريقًا إلى رضوان الله، ومن سلوككم نورًا يهدي الناس، ومن أخلاقكم رسالة تحبب الخلق في دين الله، ومن أعمالكم صدقة جارية تبقى بعد رحيلكم.

ابدؤوا من اليوم، من هذه اللحظة ولو بخطوة صغيرة، أصلحوا ما بينكم وما بين الله، أكرموا والديكم وأحسنوا إلى الناس، كونوا مفاتيح للخير لا مفاتيح فتنة، ازرعوا الأمل حيث وجد اليأس، وابنوا حيث يهدم الآخرون، واتركوا في كل مكان تمرون به أثرًا طيبًا يشهد لكم لا عليكم، وابذلوا أعماركم في خدمة الناس ونصرة الحق وإعمار الأرض، واعلموا أن الأوطان تبنى بالحجارة ولكن الحضارات تبنى بالإنسان، فانهضوا فالأمة والمجتمع بانتظاركم عملًا لا كلامًا، فالمستقبل لا يصنعه المترددون ولا المسوفون ولا اليائسون، بل يصنعه أصحاب الإيمان والعزيمة والهمة والرسالة أمثالكم.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى