حين يقول الطفل: “أنا متضايق”.. بطريقة مزعجة
لمى مصاروة: الطفل “المشكلجي” لا يبحث عن المشاكل.. بل يطلب المساعدة

مارِيّة محاجنة
تزداد شكاوى الأهالي من الأطفال الذين يصفونهم بـ”المشاكسين” أو “المشكلجية”، في وقت يؤكد فيه المختصون أن كثيرًا من هذه السلوكيات ليست تعبيرًا عن سوء التربية أو التمرد، بقدر ما هي رسائل عاطفية يحاول الطفل إيصالها بطرق لا يجيد التعبير عنها بالكلمات.
وفي هذه المقابلة مع موقع “موطني 48”، تتحدث المعالجة الزوجية والأسرية والأخصائية الاجتماعية لمى مصاروة، من بلدة عرعرة، عن الأسباب الكامنة وراء السلوك المزعج لدى الأطفال، وكيف يمكن للأهل التمييز بين ما هو طبيعي في مراحل النمو، وما يستدعي التدخل المهني، كما تقدم رؤية عملية تساعد الأسر على فهم أطفالها والتعامل معهم بوعي أكبر.
موطني 48: من هي لمى مصاروة؟
مصاروة: أنا عاملة اجتماعية، حاصلة على درجة الماجستير في الطفولة المبكرة، ومعالجة زوجية وأسرية. كما أعددت بحثًا جامعيًا بعنوان: “القتل وتأثيره على الأمومة”.
وأعمل في عدة مجالات علاجية، منها: توجيه المجموعات، وورشات الوالدية والثنائية، والعلاج العاطفي الفردي، والعلاج الأسري، والعلاج الثنائي، والعلاج الزوجي، بالإضافة إلى العلاج العاطفي للأطفال الذين يعانون من تأخر في التطور أو من احتياجات خاصة.
موطني 48: ما هي الحالات التي يمكنكِ تقديم العلاج فيها؟
مصاروة: أتعامل مع حالات متعددة، منها تحديات سن الرشد، ومواجهة مراحل التطور والبلوغ، واختلال التوازن النفسي، مثل نوبات الغضب، ونوبات الهلع، والاكتئاب، والاضطرابات النفسية المختلفة.
كما أعمل مع حالات الاحتياجات الخاصة، مثل التأخر النمائي، والتوحد، وفرط الحركة، والتأخر اللغوي، إلى جانب حالات الفقد، والمعالجة في مراحل الفراق التي قد تتزامن مع الصدمة النفسية.
موطني 48: هل يحدث أن يصف الأهل ولدًا واحدًا من أبنائهم فقط بأنه “المشكلجي”، رغم أن الإخوة يعيشون بهدوء في البيت نفسه؟
مصاروة: يذكّرني هذا السؤال بالطفل شادي، ذو السبع سنوات. كلما كان يحضر برفقة أمه، ولسبب ما، كانت الأشياء من حوله تتعرض للتكسر؛ فعصا المكنسة تنكسر، والتراب يصيب عين أخته الصغرى، ويصرخ لأنه لم يفز في لعبة الكرة، وهكذا. ولهذا السبب، كانت أمه توبخه كثيرًا؛ فهو الذي “أطلع العاقّة”، كما تقول، محاولةً تبرير نفسها بأنها ترغب في تهذيبه، لكنه يفشل دائمًا في التصرّف بشكل جيد. “ما أهدأ إخوته”، هكذا تصفه الأم، لكن عبثًا؛ يبقى صوت شادي هو الأعلى بين إخوته.
إن حال الطفل شادي لا تختلف عن حال كثير من الأولاد المميزين داخل عائلاتهم، إذ يبدو أنهم يصابون بسوء الحظ، خاصة في الأوقات الحساسة داخل الأسرة؛ مثلًا عندما تريد الأم أن تصغي للهاتف أثناء حديثها مع صديقتها، أو عندما يعود الأب إلى المنزل متعبًا بعد يوم عمل شاق، أو حين تنشغل الأم برعاية طفلها الصغير الذي احتاج للتو إلى حمّام اضطراري بسبب اتساخه. وبالفعل، يعمد كثير من الأهالي إلى التشدد في التعامل مع مثل هذا الطفل، أو ينهالون عليه توبيخًا تارة، وانتقادًا تارة أخرى.
كانت أم شادي تهز ساقها بعصبية حين سألتها كيف تصف ابنها، فقالت: “هو ذكي وفتِح، لكنه يظل يزعج، ويصرخ كثيرًا، ويسبب المتاعب لإخوته، ومتعب جدًا”. وأضاف الأب، متمسكًا بنظرة أكثر تفاؤلًا: “لما يكبر بصير يفهم”.
للأسف، كثيرًا ما يكون أمثال هذا الطفل يعبّر عن ضائقة معينة، أو تجربة صعبة، بطريقته الفريدة.
موطني 48: كيف تفرّقين، كمعالجة، بين السلوك الطبيعي لطفل أو يافع، وبين السلوك الذي يعكس ضائقة عاطفية؟
مصاروة: كمعالجة، أنظر أولًا إلى نوع السلوك، ثم إلى شدته وتكراره.
فمثلًا، حين يصف الأهل ابنهم، ذي الأربع سنوات، بأنه “عنيد جدًا”، أو “يرفض كل شيء”، أو “يبكي على أشياء بسيطة”، أو “يتشبث بأمه طوال الوقت”، أرى أن هذه تصرفات طبيعية جدًا لعمره، ولكل منها معنى مهم ومساهمة كبيرة في تطور شخصيته الفريدة.
ولا شيء أسهل من الطفل المطيع، الذي يوضع في الزاوية ست ساعات فلا يفعل شيئًا، لكن على الطفل أن يطوّر رأيًا وموقفًا، وأن يعبّر عن نفسه، رغم أنني أتفهم صعوبة ذلك بالنسبة للأهل. في هذا العمر، كثير من الأطفال يقولون “لا” باستمرار، ويختبرون الحدود، ويريدون أن يشعروا بأنهم مستقلون، وقد ينفعلون بسرعة، لكن هذا جزء طبيعي من النمو.
وهنا يكون التدخل مع الأهل لتوسيع مهاراتهم في إدراك احتياجات الطفل، والإصغاء إليه، إلى جانب الحزم ووضع الحدود، طبعًا. ومن الجدير بالانتباه أيضًا التركيز على سياق السلوك المزعج: هل هناك أحداث خاصة سبقت ظهوره؟ هل يتكرر السلوك بشدة؟ هل ظهر فجأة بعد موقف معين؟
أحيانًا، حتى الأحداث الطبيعية، كسفر الأب، قد تستثير تطور الشعور بالخوف الذي يحدث تلقائيًا لدى كثير من الأطفال قرابة سن الرابعة.
إن تزامن الأحداث يمنح الأهل فرصة لفهم عالم ابنهم، أيًا كان عمره، وفهم ما إذا كانت نوبات الهلع المفاجئة تطورًا طبيعيًا، أم تعبيرًا عن فقدان شخص عزيز أو خوف داخلي أعمق.
وقد تختصر هذه الأسئلة الفكرة كلها: هل السلوك مناسب لعمر الطفل أم مبالغ فيه؟ هل ظهر فجأة بعد حدث معين؟ هل يقتصر على موقف واحد أم يمتد إلى جميع جوانب الحياة؟ هل يختفي عندما يشعر الطفل بالاحتواء أم يستمر رغم ذلك؟ وهل يبدو كمرحلة عابرة، أم كإشارة إلى ضغط داخلي مستمر؟
موطني 48: هل كثرة الإزعاج قد تكون طريقة الطفل الوحيدة ليقول: “أنا محتاجكم”؟
مصاروة: نعم، في كثير من الحالات، قد يكون السلوك المزعج هو الوسيلة الوحيدة التي يعبّر بها الطفل عن احتياج عاطفي لا يستطيع صياغته بالكلام. وهذا لا يعني أن كل سلوك مزعج سببه نقص الاهتمام، لكنه احتمال مهم ينظر إليه المختصون عند محاولة فهم السلوك.
ومن منظور العلاج الأسري، قد يقوم الشخص، بالغًا كان أم صغيرًا، بالتعبير عن مشاعر معقدة، مثل الغيرة، والقلق، والخوف من فقدان البيت، أو الإحساس بالتجاهل، عبر السلوك؛ لأن تلك التجربة بالنسبة إليه “أخرسته” من شدتها. فقد تتعطل مهاراته اللغوية في الدماغ بسبب حالة التأهب العالية، وتركيز الدماغ في تلك اللحظة على “صراع البقاء”. فقد تسأل شخصًا رأى إطلاق نار على أحد أقاربه، فلا يستطيع الكلام، وهذه ردة فعل طبيعية جدًا.
وبالقياس، قد تكون تجربة الطفل مع فقدان الروتين اليومي للمدرسة، أو فقدان الاستقرار الاقتصادي في المنزل بسبب توقف الأب عن العمل، صدمة حقيقية بالنسبة إليه. فأي تغير حاد في جودة حياته قد يشعره بانتكاسة داخلية.
وبدلًا من أن يحكي مشاعره ويعبّر عنها بالكلام، يبدأ “بتصريفها” عبر السلوك، أي إنه يقول بطريقته الخاصة: “أنا متضايق”، أو “أحتاج إلى من يسعفني”.
موطني 48: كيف يحدث أن يختار الطفل تصرفًا سلبيًا بدلًا من أن يحصل ببساطة على الاهتمام من خلال تصرف إيجابي؟
مصاروة: تخيّلي طفلًا يشعر أن والديه مشغولان عنه. فقد وضعت أمه للتو مولودها الصغير، ولم تنتبه إلى أن ابنها البكر لم يعد يتمكن من النوم، لا هذه الليلة ولا الليالي التي سبقتها.
الطفل لا يفكر عادة بطريقة واعية: “سأزعجهم لأحصل على الاهتمام”، لكنه يلاحظ تجربة متكررة. فعندما يكون هادئًا، لا يلتفت إليه أحد، لأن الظروف العائلية تبدو مستقرة وهادئة.
لكن، ولحسن حظه من وجهة نظره، حين يصرخ أو يفتعل مشكلة، يلتف الجميع نحوه. ينظرون إلى عينيه مباشرة، ويتحدثون معه بصوت مرتفع وقريب جدًا، فيشعر بقربهم، وبصوتهم، وبأن كل الانتباه أصبح موجهًا إليه.
ومع الوقت، يتعلم دماغه أن السلوك المزعج هو أسرع طريقة للحصول على الاتصال العاطفي المقصود، بل وربما للحصول على اتصال عالي الجودة. وليس لأنه يريد الإزعاج بحد ذاته، بل لأن هذه أصبحت الوسيلة الأكثر فاعلية بالنسبة إليه.
وهنا نقطة مهمة: ليس كل إزعاج يعني احتياجًا عاطفيًا فقط. فأحيانًا يكون مرتبطًا بعوامل أخرى، مثل التعب، وصعوبات التنظيم العاطفي، كاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، أو حساسية فسيولوجية، أو ضغط مدرسي، أو جوع، أو حتى ألم مزعج في الأذن، مثلًا. وقد يحتاج الأمر، أحيانًا، إلى تقييم لدى مختص.
لكن غالبًا، عندما نسأل: “ما الذي يحاول الطفل قوله من خلال هذا السلوك؟”، نبدأ فعليًا بفهمه بشكل أعمق. كثير من أبنائنا لا يقولون: “أنا محتاجكم”، بل يعبّرون عنها بطريقتهم… وقد تكون أحيانًا بالإزعاج.
موطني 48: متى يحتاج الأهل إلى مراجعة مختص، مثل مختص في العلاج العاطفي أو العلاج الأسري؟
مصاروة: يُنصح بمراجعة مختص في العلاج العاطفي عندما يصبح السلوك مستمرًا، وشديدًا، ويؤثر على حياة الطفل أو الأسرة، ولا يكون مجرد مرحلة عابرة. ومن العلامات المهمة التي تستدعي الانتباه، استمرار السلوك الصعب لأسابيع دون تحسن، وتأثيره في النوم، والدراسة، والعلاقات، أو انتظام الوجبات اليومية.
كذلك، إذا شعر الأهل أنهم جرّبوا الهدوء، ووضع الحدود، والحوار، وما زالوا عاجزين عن الفهم أو التعامل، أو إذا ظهر السلوك بعد حدث مؤثر، مثل فقدان شخص عزيز، أو الانتقال إلى مسكن جديد، أو ولادة أخ جديد، أو حدوث تغير كبير في حياة الأسرة. إن طلب المساعدة ليس دليلًا على الفشل، بل هو خطوة واعية ومسؤولة.
وأحيانًا، لا يحتاج الطفل إلى “إصلاح”، بل يحتاج إلى من يساعد الأسرة على فهم ما يحاول قوله، قبل أن يتحول التعب اليومي إلى صراع دائم داخل البيت.
