غواية الاستئثار بالسلطة

أحمد سليمان
تتعدد الأساليب التي يتبعها القادة السياسيون لتوطيد أركان حكمهم وتركيز السلطة في أيديهم، سواء في البنى السلطوية القديمة أو في النظم المعاصرة. وتظل الإستراتيجية الأكثر تكرارًا هي إدخال تعديلات هيكلية وتعيين الموالين في مناصب حساسة، بهدف إضعاف المؤسسات الموازية وتهميش مراكز القوى المنافسة، وصولًا إلى إحكام السيطرة على مقاليد الحكم.
هذا الصراع الأزلي بين رغبة السلطة التنفيذية في التمدد والانفلات، وبين كوابح المؤسسات الرقابية والدستورية، اختصره الشاعر بقوله:
وَإِذَا المُلُوكُ تَمَكَّنَتْ سُلْطَانُهَا … جَعَلَتْ رِجَالَ الدَّوْلَةِ الأَعْوَانَا
وَتَفَرَّدَتْ بِالأَمْرِ دُونَ رَقِيبَةٍ … حَتَّى تَصِيرَ شُؤُونُهَا طُغْيَانَا
عند تفكيك هذا السلوك السياسي، نجد أن آلياته تكاد تتطابق عبر العصور؛ فالمشهد المعاصر لسياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يمثل مجرد مناورة سياسية عابرة، بل مسارًا ممنهجًا لإفراغ “الديمقراطية” من مضمونها، وهو ما يتقاطع مع تجارب تاريخية انتهت بتفكيك الدول وإضعافها.
في أواخر القرن الرابع الهجري، قدّم محمد بن أبي عامر (الحاجب المنصور) نموذجًا كلاسيكيًا في تهميش السلطة الشرعية. فقد استغل صغر سن الخليفة الأموي هشام المؤيد بالله، وعزله سياسيًا داخل القصر، ونقل مركز الحكم الفعلي إلى مدينة الزاهرة، ثم أعاد تشكيل المؤسسة العسكرية على أساس الولاء الشخصي بدلًا من الولاء للدولة. ورغم ما حققه من قوة آنية، فإن هذا المسار مهّد، بعد وفاته، لفتنة الأندلس وانهيار الخلافة الأموية وقيام عصر ملوك الطوائف.
وفي روما القديمة، اتبع أغسطس قيصر أسلوبًا أكثر دهاءً؛ إذ أبقى مجلس الشيوخ والمحاكم قائمة شكليًا، لكنه جرّدها عمليًا من صلاحياتها، وأقام جهازًا أمنيًا يدين له شخصيًا. وبذلك تحولت الجمهورية إلى إمبراطورية، وهو تحول زرع بذور الصراعات الداخلية التي انتهت لاحقًا بتفكك الإمبراطورية.
في السياق نفسه، يتحرك بنيامين نتنياهو داخل نظام برلماني معقد مستخدمًا أدوات حديثة لتحقيق غاية قديمة، تتمثل في إخضاع المؤسسات الأمنية والقضائية لإرادة السلطة التنفيذية.
فقد انتهج سياسة تقوم على تعيين شخصيات أكثر انسجامًا مع توجهاته السياسية في قيادة الشرطة وجهاز الأمن العام “الشاباك” والمؤسسة العسكرية، بما يقلص فرص المعارضة المؤسسية داخل الدولة. ورغم أن القانون يمنح “الشاباك” صلاحيات لحماية النظام الديمقراطي عند تعرضه للخطر، فإن هذه التعيينات أثارت انتقادات واسعة، وعدّها كثيرون خطوة تهدف إلى ضمان ولاء المؤسسات في اللحظات السياسية الحاسمة.
وكما يقال، فإن الدولة تقوم على ثلاث سلطات: التنفيذية والتشريعية والقضائية. وبعد أن أحكم نتنياهو سيطرته على السلطتين التنفيذية والتشريعية، اتجه إلى تقليص استقلال السلطة القضائية عبر ما عُرف بـ”الإصلاح القضائي”، ولا سيما إلغاء “حجة المعقولية”، بما يحد من قدرة المحكمة العليا على مراقبة الحكومة وإبطال قراراتها. وترافق ذلك مع حملة متصاعدة ضد المستشارة القضائية للدولة وأجهزة إنفاذ القانون، وبلغت الأزمة ذروتها في الصدام مع المحكمة العليا ورفض الحكومة تنفيذ بعض قراراتها. فإذا سقطت هيبة القضاء، فسلام على “الديمقراطية”.
ولعل المفارقة التي تستحق التأمل أن ما وصفه زئيف جابوتنسكي بـ”الجدار الحديدي” بوصفه وسيلة لحماية الدولة من الأخطار الخارجية، لا يستطيع أن يحميها من التآكل الداخلي عندما تتحول السلطة إلى مشروع للهيمنة على مؤسسات الدولة. فالخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا من خارج الحدود، بل قد ينشأ من داخلها حين يُستبدل حكم المؤسسات بحكم الأفراد.
وتتقاطع هذه الفكرة مع ما ذهب إليه فرانز فانون، حين رأى أن السلطة التي تنغلق على نفسها وتستأثر بالحكم تنتهي إلى تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لحماية النخبة الحاكمة بدلًا من حماية المجتمع، وهو ما يفضي إلى فقدان الشرعية وتآكل الدولة من الداخل.
تؤكد هذه النماذج التاريخية أن أساليب الاستئثار بالسلطة تتكرر، وإن اختلفت الأزمنة والأدوات. فالعقلية التي دفعت الحاجب المنصور إلى إعادة تشكيل الدولة على أساس الولاء الشخصي، والتي جعلت أغسطس يُفرغ المؤسسات من مضمونها، هي ذاتها التي تُلهم اليوم محاولات إعادة هندسة النظام السياسي الإسرائيلي بما يضمن هيمنة السلطة التنفيذية.
وإذا استمر هذا المسار وتجاوز ما تبقى من القيود القضائية والمؤسسية، فإن الخطر لن يقتصر على إضعاف “الديمقراطية”، بل قد يمتد إلى تقويض أسس الدولة نفسها. فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تسقط فقط تحت ضربات خصومها، بل قد تنهار أيضًا عندما تنقض سلطاتها على مؤسساتها، فتفقد توازنها من الداخل قبل أن يهزمها أي عدو من الخارج.
