هل إقرار مشروع “قانون المؤذن” في الكنيست مقدمة لمنع رفع الأذان في المسجد الأقصى؟

الشيخ رائد صلاح
بعد أن أقرّت الهيئة العامة للكنيست بتاريخ 1/7/2026، بالقراءة التمهيدية، مشروع “قانون المؤذن”، والذي يحمل في دلالته منع رفع الأذان، ثم قد يتطور مع الأيام ويقوم بعض الرسميين الإسرائيليين بمنع الجهر بالأذان، بعد كل ذلك فإني أسجل هذه الملاحظات:
- استنادًا إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 114)، فإنه لا أحد أظلم ممّن سعى إلى منع ذكر اسم الله في المساجد، وهو حُكم يقع بوضوح على كل مَن سعى لمنع رفع الأذان في المساجد.
- يلفت الانتباه في هذه الآية كلمة: ﴿أَن يُذْكَرَ﴾. وهذا يعني أن الذي يعلن اليوم عن مشروع منع رفع الأذان في المساجد، فإنه يُخفي في صدره الطمع بأن يمنع ذكر اسم الله أصلًا في المساجد.
- يلفت الانتباه في هذه الآية هذا البيان الذي هو جزء منها: ﴿وسعى في خرابها﴾. وهذا يعني أن الذي يسعى إلى منع رفع الأذان في المساجد، فإنه يسعى بذلك إلى خراب المساجد.
- قال بعض المفسرين إن هذه الآية نزلت تتحدث عن الروم الذين منعوا ذكر اسم الله في المسجد الأقصى. وقال البعض الآخر من المفسرين إنها نزلت تتحدث عن قريش عندما منعت ذكر اسم الله في المسجد الحرام. ووفق كلا الرأيين، فإن هذه الآية نزلت تتحدث عن منع ذكر اسم الله في مسجد واحد. ومع ذلك جاء الحديث عن هذا المنع في هذه الآية بهذا التعبير: ﴿مساجد الله﴾، مع أن المنع كان في مسجد واحد، على اعتبار أن مَن منع ذكرَ اسم الله في مسجد واحد فكأنما منع ذكر اسم الله في كل مساجد الأرض. وهذا يعني أن من منع رفع الأذان في مسجد واحد فكأنما منع رفع الأذان في كل مساجد الأرض.
- يلفت الانتباه هذا البيان العظيم في هذه الآية: ﴿مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. وهذا يعني أن المساجد ستبقى هي المساجد بمبناها ورسالتها حتى لو قام البعض بمنع رفع الأذان فيها، وستبقى تحمل هذه الهوية أبد الدهر. وقد ترِقُّ هذه الهوية، ولكنها لن تنقطع. ولو نظرنا إلى تاريخ المساجد في الأرض لوجدنا أن قوًى ظالمة كثيرة قد شنت حربًا مسعورة على المساجد، وبعض هذه القوى الظالمة هدم عشرات، بل مئات المساجد، والبعض أحال العشرات منها إلى مطاعم ودور سينما ومتاحف وحظائر أبقار، فماذا كانت المحصّلة؟ زالت كل هذه القوى الظالمة، واندثرت، وبقيت المساجد، وعاد إليها الأذان يصدح من جديد بعد عقود، بل بعد قرون من الزمان.
فمن كان يصدّق أن الأذان سيصدح من جديد في إسبانيا والبرتغال بعد سقوط الأندلس؟! ومن كان يصدّق أن الأذان سيعلو في سماء أوروبا الغربية بعد أن حاربت أوروبا الغربية الأذان منذ انفجار الحروب الصليبية، ثم واصلت حربها على الأذان لقرون طويلة؟! ومن كان يصدق أن الأذان سينهض من جديد فيما عُرف في الماضي باسم “المعسكر الشرقي” في أوروبا الشرقية، بعد أن طالت آلة الهدم الكثير من المساجد، وبعد أن طاردت آلة القمع الكثير من المؤذنين وأئمة المساجد والدعاة؟!
وها هي العشرات من المساجد في عكا وحيفا ويافا واللد والرملة، كانت خرابًا أو متصدعة أو مغلقة، ثم عادت إليها هُويتُها، وعادت تصدح بالأذان، وهذا يعني أن كل عدوّ للمساجد فهو في معركة خاسرة، وستبقى المساجد بعده كما كانت قبله، وسيبقى الأذان بعده كما كان قبله، وسيُوارى بعد حين في التراب، وستبقى مآذن المساجد شامخة تعانق السماء، وسيبقى أذان المساجد عذبًا نديًا منذ الفجر الصادق وحتى الفجر الصادق الذي يليه، إلى ما لا نهاية، ما دامت الدنيا وما دام الإيمان قائمًا في الأرض.
- مسكين من يخرج فاتلًا عضلاته على المساجد، ومتوعدًا أنه سيمنع رفع الأذان في المساجد! ألا يعلم هذا المسكين أن أذان المساجد هو الصوت الوحيد الذي لا ينقطع في الأرض ولو لثانية واحدة، وهو يصدح بلا توقف ليلًا ونهارًا، وصيفًا وشتاءً، في كل سماء فوق كل قارة من قارات الدنيا! فما إن يرتفع الأذان في أي بقعة من الأرض إذا حل وقته، حتى يرتفع الأذان في بقعة الأرض التي تليها بعد أن يحل وقتها، ثم يرتفع الأذان في بقعة الأرض الثالثة التي تلي البقعة الثانية بعد أن يحل وقتها، ثم في البقعة الرابعة والخامسة، وهكذا بلا توقف حتى يعم كل الأرض بلا توقف، ثم يعود من جديد في دورته الجديدة بلا توقف، وهكذا يبقى في هذه الدورة العالمية، التي يمكن أن نسميها دورة رفع الأذان العالمية المتواصلة بلا توقف ما دامت الدنيا، وهكذا يبقى الأذان يصدح بلا توقف في كل ثانية تمر على الأرض.
فيا لهذا المسكين الذي خدعته نفسُه، وظن أن في مقدوره أن يمنع رفع الأذان، فراح يزبد ويربد ويعربد، وراح يزمجر ويبربر ويثرثر، وراح يعقد الاجتماع تلو الاجتماع، ثم طلع علينا وصاح: قررت منع رفع الأذان!
فيا لهذا المسكين الذي حاله كحال الذي وقف ينفخ على الشمس حتى يطفئها، فهل هناك أسفه من هذا المخلوق الساعي إلى إطفاء الشمس؟!
بل يا لهذا المسكين الذي حاله كحال من غرف كأس ماء من بحار الدنيا، وصبه في دلو، ثم صرخ وقال: لقد جمعت كل بحار الدنيا في هذا الدلو. فهل هناك أغبى من هذا المخلوق الجامع لبحار الدنيا في دلو يتيم؟! لقد صدق من قال: إلا الحماقة أعيت من يداويها.
- يلفت الانتباه في هذه الآية (114) من سورة البقرة، هذه الإضافة لله: ﴿مساجد الله﴾. ومن البدَهي أنها لله. ولو قيل: (منع المساجد أن يذكر فيها اسمه)، لكان المعنى تامًا ومفهومًا. ولكن جاءت هذه الإضافة: ﴿مساجد الله﴾، لتبين لنا أن المساجد ليست كأية أبنية في الأرض. فهي مساجدُ لله، ومن سعى إلى منع رفع الأذان فيها، فقد أعلن الحرب عليها. ومن أعلن الحرب عليها، فقد أعلن الحرب على الله. فهل هناك معتوه يرضى لنفسه أن يعلن الحرب على الله؟! ألم يجعل من نفسه أضحوكة لأهل الأرض، وهو يظن، سفاهةً، أن أرحام النساء لم تلد كمثله؟!
- يلفت الانتباه في هذه الآية (114) من سورة البقرة، أنها تتحدث عن أعداء مساجد الله بصيغتين. الصيغة الأولى جاء الحديث فيها عن أعداء مساجد الله بصيغة المفرد: ﴿منع﴾ و﴿سعى﴾، والصيغة الثانية جاء الحديث فيها عن أعداء مساجد الله بصيغة الجمع: ﴿أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وهذا يعني أن ظهور عدو للمساجد لن يكون لمرة واحدة، ولن يكون في زمان واحد من عمر البشرية، ولن يكون في بقعة واحدة من الأرض، ولن يكون من لون واحد، أو جنس واحد، أو لغة واحدة من البشر. بل ما دامت الدنيا، فسيظهر عدو لمساجد الله، ثم سيظهر عدو ثانٍ لمساجد الله، ثم عدو ثالث ورابع، وهكذا بلا توقف. وهذا يعني أن عداوة مساجد الله هي ظاهرة أبدية ما دامت الدنيا، وليست محصورة في فرد واحد، أو عصر واحد، أو بقعة واحدة من الأرض، بل ستتواصل هذه الظاهرة، ولكن هناك محصلة واحدة تجمع بين كل أعداء مساجد الله ما دامت الدنيا، وهي كما قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وهي محصلة واحدة تعود على نفسها، كأنها تقع لأول مرة كلما ظهر عدو لمساجد الله وسعى في منع رفع الأذان فيها، مما يعني أنّه سعى في خرابها.
وهكذا تلفت هذه الآية انتباهنا أن عداوة مساجد الله هي حرب مع الله تعالى، والله تعالى هو صاحب هذه المعركة، لأن هذه البيوت هي بيوته، وهو الحافظ لها، وهو الحافظ لرسالتها، وهو الحافظ لاستمرار رفع الأذان فيها. وهذا يعني أن المساجد لن تُبتلى بعدو ظالم، بل ستبتلى بعدو ظالم فأكثر. ولكن لن تكون وحيدة في هذه المعركة، بل الله تعالى معها. ومَن كان الله معه فهو مع القدرة التي لا تُقهر، ومع الإرادة التي لا تُهزم، ومع المشيئة التي تحيط بكل مشيئة.
- بيّنت هذه الآية (114) من سورة البقرة مصير أعداء مساجد الله، فقالت لنا: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. فجاءت كلمة ﴿خزي﴾ النكرة لتستوعب كل احتمال لمعنى كلمة (خزي)، فكل احتمال لمعنى كلمة (خزي) قد يقع عليهم.
ثم إن هذا البيان القرآني: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ يعني أنهم لن يغادروا هذه الدنيا حتى ينالوا هذا الخزي. وإنَّ مَن يقرأ عن مصير أعداء مساجد الله في الماضي يجد المصداق العملي المحسوس لهذه الآية، بداية من أبرهة الحبشي، ومرورًا بالقرامطة والمجوس، وسيل الصليبيين والتتار، وغيرهم من أعداء مساجد الله.
ثم إن هذه الآية تخبرنا عن مصيرهم في الآخرة، وتقول لنا: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ويلفت الانتباه أن كلمة ﴿عظيم﴾ جاءت لوصف عذاب الآخرة، وأما عذاب الدنيا فقد وصفته هذه الآية بكلمة ﴿خزي﴾، ولم تصفه بكلمة ﴿عظيم﴾، لأن كلَّ عقوبة ستقع عليهم في الدنيا ستكون هيّنة جدًا إذا ما قورنت بعذاب الله تعالى الذي أعدَّه لهم في الآخرة.
- إن الذين يسعون اليوم إلى منع رفع الأذان، كائنًا من كانوا، فإنّما يسعوْن إلى حرمان البشرية اليوم من نعمة الأذان.
وعلى سبيل المثال، كنت قبل برهة من الزمن أتابع تقريرًا وثائقيًا عن المسلمين في هولندا، فلفت انتباهي في ذلك التقرير إمام مسجد في ذلك التقرير، حيث قال: إنّ المؤسسة الهولندية تسمح لهم برفع الأذان عبر مكبرات الصوت 3 مرات في اليوم. وقال إنه يعرف الكثير من الهولنديين الذين ينتظرون رفع الأذان في كل وقت بشوق ومحبة، لدرجة أن أحدهم قدم احتجاجًا إلى المؤسسة الهولندية وطالب برفع الأذان عبر مكبرات الصوت 5 مرات في اليوم.
وإن أنسى فلن أنسى موقف بعض حكومات الدول الأوروبية خلال محنة كورونا التي هزت العالم، حيث بادرت هذه الحكومات من تلقاء نفسها، وطالبت مؤذني المساجد في دولها برفع الأذان عبر مكبرات الصوت حتى تستأنس شعوبها بصوت الأذان، وتخرج من ضيق الهم والغم والاحتقان الذي كانت تعيش فيه.
ثم إنني أعترف وأقول: إني من الشّغوفين بمتابعة إسلام مئات الآلاف الذين بدأوا يدخلون في دين الله أفواجًا على صعيد كل الأرض في هذه الأيام. فلفت انتباهي قصة إسلام شاب كندي، الذي اعترف أنه كان ضائعًا في حياته، وتائهًا يبحث عن الطريق المستقيم، حتى سمع الأذان ذات يوم، فانهمرت دموعه على خديه، وهو لا يدري ما معنى كلمات الأذان. وكانت هذه البداية في مسيرة إسلامه.
وكم عجبتُ وقلت “سبحان الله”، عندما شاهدت تقريرًا وثائقيًا عن حرائق كاليفورنيا المهولة التي وقعت قبل برهة من الزمن، حيث تحدثت فتاة أمريكية في هذا التقرير، وقالت إنها حوصرت بالنار ولم تدرِ ماذا تفعل، وأيقنتْ بالهلاك، ثم سمعت صوتًا نديًا في تلك اللحظات، ولم تفهم معناه، إلا أنها تبعت مصدر ذلك الصوت بحذر شديد من ألسنة النار التي كانت تأكل الأخضر واليابس، ثم وجدت نفسها فجأة أمام مبنى كبير احتشد فيه الناس. عرفت أنهم مسلمون كانوا يعملون على إنقاذ المحاصرين في تلك النار. فلما دخلت ذاك المبنى عرفت أنه مسجد، ولما سألت عن ذاك الصوت قيل لها: هو أذان المسجد الذي يرتفع قبل كل صلاة!!
ثم ضمن القصص التي لا تزال عالقة في ذاكرتي قصة سائحة أعجمية في المغرب، وفجأة سمعت صوتًا نديًا شرح صدرها، فسألت: ما هذا الصوت؟! فقيل لها: هو أذان المساجد. فقالت: ما أجمل هذا الصوت، وأسلمت!!
كما ولا تزال عالقة في ذاكرتي قصة الممثل البريطاني المشهور، (ليام نيسون) الذي كان يصوّر جزءًا من أحد أفلامه في إسطنبول، فسمع صوتًا نديًا شرح صدره، فلما سأل عن ذاك الصوت وعرف أنه أذان المساجد أسلم.
وهكذا، يا لنعمة الأذان، نعمة عابرة للأزمان وللقارات، ومن سعى سفاهة إلى إزالة هذه النعمة فإنما يتعدى على البشرية التي هي بأمسّ الحاجة إلى هذه النعمة الروحية للمسلم ولغير المسلم.
11. يتزامن إقرار مشروع (قانون المؤذن) في الكنيست الإسرائيلي مع مواصلة اقتحام المسجد الأقصى المبارك، ومع مواصلة إبعاد المئات ممن يشدّون الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك، ومع مواصلة ارتفاع الأصوات التي تدعو علانية إلى بناء هيكل على حساب المسجد الأقصى المبارك، ومع مواصلة نزع صلاحيات هيئة الأوقاف الإسلامية في المسجد الأقصى المبارك، وشلّ إرادتها وكأنها غير موجودة، ومع مواصلة فرض السيادة الدينية اليهودية على المسجد الأقصى المبارك إلى جانب مواصلة فرض السيادة الاحتلالية عليه، ومع مواصلة الجهر بأداء الصلوات التلمودية في المسجد الأقصى المبارك، ورفع العلم الإسرائيلي فيه، ومع مواصلة السعي الناعم والتدريجي لتقليل عدد حراس المسجد الأقصى المبارك حتى أصبح عددهم اليوم ثلث ما كانوا عليه قبل ذلك؛ ولذلك أرى من الواجب أن أطلق هذا التساؤل العلني: هل إقرار مشروع (قانون المؤذن) في الكنيست هو مقدمة لمنع رفع الأذان في المسجد الأقصى المبارك؟
