أخبار وتقاريردين ودنيامقالاتومضات

إنها حرب دينية لا قومية ولا سياسية ولا اقتصادية

الشيخ كمال خطيب

لسنوات وعقود طويلة، حاول أعداء الأمة إخفاء حقيقة الصراع والحرب التي يعلنونها علينا.

ويومًا بعد يوم أصبحت تتضح معالم هذا الصراع وهويته ومحاوره ومعسكراته، بأنه الحرب بين الإسلام وعلى الإسلام من كل أعدائه على اختلاف أسمائهم ومعتقداتهم وراياتهم .

إنه صراع وإنها حرب دينية عقائدية حضارية، هكذا بلا رتوش وبأجلى صورة، لتظهر حقيقة ما كانوا يحاولون إخفاءه وإظهار وادّعاء أنها حروب سياسية واقتصادية وذات خلفيات قومية ووطنية وغير ذلك من ادّعاءات.

وإلا فماذا يعني وكيف نفسّر تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد فوزه في فترة رئاسته الأولى 2017-2021 من أن الكتاب المقدّس “الإنجيل” لا يفارقه منذ خمس عشرة سنة، وأنه خير من يمثّل المسيحيين ومصالحهم ومعتقداتهم على كرسي البيت الأبيض، وأنه وبعد فوزه في دورة الرئاسة الثانية الحالية فإنه قام بافتتاح ما أسماه “المكتب الإيماني” بجانب مكتبه في البيت الأبيض وترأسه المبشّرة والقسيسة “بولا وايت” حيث وظيفة هؤلاء القساوسة تقديم النصائح الدينية لفريق ترامب والدعاء له ونشر القيم المسيحية والدينية.

وكيف نفسّر أن يظهر وزير خارجيته “مارك روبيو” وعلى جبينه قد رسم الصليب، ووزير حربه “هيغست” وقد نقش الصليب على جسده، وسفيره في تل أبيب هو القسيس “مايك هاكابي”؟ هكذا حال أقرب مستشاريه.

وكيف نفهم ونفسّر أن يقوم الرئيس الروسي بوتين بزيارة كاتدرائية موسكو لأخذ مباركات البطريرك الأكبر لروسيا عندما قرر إرسال قوّاته إلى سوريا في العام 2015 لدعم حليفه بشار ولقتال وقتل المسلمين في سوريا؟ إنه بوتن الذي ظهر خلال رحلة صيد بغير البدلات الرسمية وربطات العنق كيف أن صليبًا كبيرًا كان يتدلّى على صدره.

وكيف نفسّر ونفهم التحوّل الكبير في صفوف الجيش الإسرائيلي، حيث كبار ضباطه ممن يلبسون الكيباه الدينية ويقيمون الشعائر الدينية، وكيف نفسرّ أن يتم اختيار رئيس الموساد ورئيس الشاباك من المتدينين القوميين الذين يلبسون الكيباه، وكيف نفسّر أن يتم إرسال حاخامات الجيش إلى جبهات القتال لرفع الروح المعنوية وقراءة الدعاء، وأن أي معسكر للجيش فقد يتم فيه إقامة كنيس ومثله في مراكز الشرطة، وأن تخريج أي جندي في إحدى الفرق القتالية فإنه يبدأ من جوار حائط البراق بزعم أنه حائط مبكاهم؟

إن حقيقة هذا الصراع وهويته قد لخّصها مستشار ترامب السابق “ستيف بونان” لما قال: “نحن بين يديّ حرب صليبية جديدة”.

 

كيف دخل العرب التاريخ

فإذا كان من يعادون أمة الإسلام ويعلنون الحرب عليها، فإنهم لا يخجلون بالإعلان عن هويتهم الدينية والعقائدية عليها يربّون وينشئون أبناءهم وجيوشهم، فإن زعماء العرب والمسلمين الذين نصّبهم أعداء الإسلام فبدلًا من أن ينشئوا الأجيال ويعدّوا أبناءهم على معاني العقيدة وتعاليم الإسلام، فإن ما يحصل هو العكس تمامًا.

لقد سمعنا وعرفنا ما كان يربّى عليه أفراد الجيش السوري زمن الهالك حافظ الأسد وابنه الهارب بشار حين كان يقف الجنود في الطوابير ويهتفون:

آمنت بالبعث ربًا لا شريك له                وبالعروبة دينًا ما له ثاني

ويقولون: سلام على كفر يوحّد بيننا         وأهلًا وسهلًا بعده بجهنم

ويقولون: لا تسأل عن ملّتي عن مذهبي     أنا بعثي اشتراكي عربي

 

ومثل بشار فإنه السيسي الذي أعلن أنه لن يسمح بأيّ مظهر من مظاهر التديّن عند أي منتسب للجيش المصري وقوى الأمن خوفًا من أن تكون خلفية أحدهم متأثرة بفكر جماعة الإخوان المسلمين التي حمل السيسي راية العداء السافر لها وملاحقتها والانقلاب على الشهيد الرئيس محمد مرسي أحد أبنائها، زيادة على خوف السيسي من مصير يشبه مصير ونهاية الرئيس أنور السادات الذي قتله جنود مصريون بخلفية دينية خلال استعراض عسكري في العام 1981.

وبدلًا من أن يتم إرسال علماء وشيوخ الأزهر إلى معسكرات الجيش لنشر القيم والتعاليم الدينية ورفع الحالة المعنوية والإيمانية، فإن ما يحصل هو العكس حيث يتم إرسال ضباط وضابطات من الجيش السيساوي لإلقاء محاضرات على خريجي الأزهر ومعاهده من الدعاة ليتم ترويضهم وبثّ رسائل التثبيط والهزيمة في نفوسهم حتى تكون رسائلهم عبر المساجد التي سيكونون خطباء فيها تنسجم مع سياسة السيسي.

وفي الأردن فقد تم تعديل مناهج التدريس في المدارس والجامعات، حيث تم حذف مئات الآيات القرآنية التي تتحدث عن القتال وعن بني إسرائيل. وهكذا كان الحال في الإمارات وفي السعودية، وكل ذلك جرى بادّعاء محاربة جذور تطرف الدين وتجفيف منابعه وكأن القرآن كلام رب العالمين وآياته التي تتحدث عن العزة قد أصبحت من معاني الإرهاب والتطرّف، لتتلاءم وتنسجم مع مضامين السلام الإبراهيمي ومشاريع التطبيع.

وكيف لأمّة العرب والإسلام أن تعزّ وترتفع حينما يعظّم غيرنا السبت والأحد ونخجل نحن من تعظيم الجمعة. وحين يربّي غيرنا أبناءه وشبابه وجنوده على تعاليم الإنجيل والتوراة، بينما يحارب قادة العرب والمسلمين القرآن والسنة ويحذفون آياته والأحاديث من مناهج تدريس الأجيال. وكيف ولماذا يهتف غيرنا بأسماء أنبيائهم ، بينما فينا ومنا من يشتم محمدًا ﷺ. بل إنها وسائل إعلام عربية رسمية تستضيف من يتطاول على صاحب المقام المحمود محمد ﷺ، بل وصل الحد إلى أن تستضيف قناة تلفزيونية مصرية رسمية قبل سنوات أحد المعممين يطالب الانقلابي السيسي بإلغاء الحج إلى مكة المكرمة ويصبح الحج إلى طور سيناء.

إن التاريخ ما يزال يحفظ أنه لم يكن يومًا للعرب عزّ بغير الإسلام كما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “كنا معشر العرب أذلّ قوم فأعزّنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزّة بغير الإسلام أذلّنا الله”.

إن العرب لم يدخلوا التاريخ بيوم البسوس ولا بيوم داحس والغبراء، وإنما دخلوه بيوم بدر والخندق والقادسية واليرموك وحطين وعين جالوت وفتح الأندلس. ولم يدخل العرب التاريخ بأبي جهل وأبي لهب، وإنما دخلوه بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي. ولم يدخل العرب التاريخ بالمعلقات السبع، وإنما دخلوه بالقرآن. ولم يدخل العرب التاريخ باللات والعُزّة وهُبل، وإنما دخلوه بلا إله إلا الله محمد رسول الله.

الله للدين كم ظلمًا أهين وكم             ظنّوه نقصًا وفي التفكير نقصان

سل صفحة الأمس عمّن أيّدوه      أما كانت لهم في نواحي الأرض تيجان

دين الحضارة والأخلاق أسعدهم      فمذ أهانوه قد ذلّوا وقد هانوا

عدل من الله تأييدًا لسنته               حظّ المقصّر إقصاء وحرمان

يا قوم لوذوا بحبل الله واعتصموا      إن الدواء لداء العرب قرآن

 

عندما تنازلوا عن أمضى سلاح

إن قادتنا وعظماءنا الذين سطّروا أعظم صفحات المجد، وقد كانوا يعدّون أبناء الأمّة إعدادًا إيمانيًا ومعنويًا وعسكريًا يليق بمهمتهم لنشر الدين وتأديب كل من يتطاول على الإسلام، وأنهم كانوا لا يتنازلون عن حاجتهم لمعيّة الله ومدده في اللحظات الحاسمة والحرجة والدعاء له سبحانه والتذلل بين يديه.

فها هو الفاروق عمر رضي الله عنه وقد تأخّر جيش عمرو بن العاص في فتح مصر، فأرسل إليه عمر يقول: “خرجت ومعك أربعة آلاف وأمددتك بأربعة آلاف، على رأس كل ألف رجل بألف رجل، يقصد بذلك القادة العظماء الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو وعبادة بن الصامت ومسلم بن مخلد، فيكون معك اثنا عشر ألفًا ولا يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة، إلا أن يكون هؤلاء قد غيّرهم ما غيّرهم، يا عمرو إذا جاءك كتابي فاجمع الناس في يوم جمعة عند الزوال وقت ساعة الاستجابة وادعوا الله واستغفروه وتوبوا إليه ينصركم”.

واستجاب عمرو بن العاص وفعل وعمل بوصية عمر بن الخطاب ففتحت مصر، بينما ضاعت سيناء وهزمت مصر في نكسة 1967 يوم أقصي الدين وأهله وتم تنظيف الجيش المصري من أصحاب أي انتماء ديني، ولم يبق فيه إلا أدعياء القومية الذين كانوا ليلة الخامس من حزيران يسهرون ويسكرون ويرقصون وفي مقدمتهم قائد جيشهم السكّير الماجن والزاني الداعر عبد الحكيم عامر.

ومثل عمر بن الخطاب في تربيته لجنوده على الإيمان والاستقواء بالله تعالى، فإنه كان الفاتح صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، حتى أن قادة الصليبيين أعداءه كانوا يعرفون سرّ قوته ومصدر شجاعته، فقد قال أحدهم وقد كان أسيرًا عند المسلمين: “إن لصلاح الدين سرًا مع الله، فإنه ما ظهر ولا ظفر علينا بكثرة جنوده وعساكره، وإنما ظفر علينا بالدعاء وصلاة الليل، فإنه كان يصلي بالليل ويرفع يديه إلى السماء يدعو الله باكيًا فيستجيب له”.

إنه صلاح الدين الذي كانت بطانته من العلماء والأولياء والصالحين وأهل القرآن يطلب منهم الدعاء والنصيحة، فلم يعلن صلاح الدين الحرب على القرآن ولا على العلماء والصالحين فيذلّهم ويطاردهم ويسجنهم ويشرّد عوائلهم كما يفعل في هذا الزمان حكام وقادة العرب والمسلمين، وإنما كان صلاح الدين يقول: “والله ما أرجو النصر بأولئك الجنود وإنما ننصر بضعفائنا وصالحينا، وكيف أقطع صلات قوم يقاتلون عنّي وأنا نائم بسهام لا تخطئ، إنها سهام الدعاء”.

سهام الليل صائبة المرامي          إذا وترت بأوتار الخشوع

يصوبها إلى المرمى رجال        يطيلون السجود مع الركوع

بألسنة تهمهم من دعاء             وأجفان تفيض من الدموع

 

فإذا كانت هذه هي سيرة وسريرة صلاح الدين الذي أذلّ ملوك أوروبا الصليبيين وانتصر عليهم، فكيف سينتصر السيسي الذي يسمح لقزم متطاول اسمه يوسف زيدان وعبر وسائل الإعلام المصرية أن ينال من صلاح الدين الأيوبي ويتطاول عليه ويتهكّم عليه؟ وكيف سيكون حال من يسجنون العلماء وأهل القرآن والصالحين في بلاد الحرمين، بينما يرسلون الطائرات الخاصّة لتأتي من أقاصي الأرض بالرقّاصات والمغنّيات والتافهات ويغدق عليهن الملايين لإقامة حفلات الرقص والمجون في أطراف المملكة، لا بل في جدة وقريبًا من مكّة المكّرمة وفي العلا قريبًا من مدينة رسول الله ﷺ.

 

كيف لهؤلاء أن يعيدوا للأمّة مجدها الضائع وأن يحاربوا عدوّها الذي يتربص بها بينما هم يعلنون الحرب على الإسلام ويحظرون الحركات الإسلامية الدينية يعرفونها بأنها “الإسلام السياسي” وكأن الإسلام كان مفصولًا عن السياسة. إنهم حظروا تلك الجماعات والحركات وأخرجوها عن قوانينهم، وطاردوا دعاتها وقادتها وسجنوهم، فكيف سيكون هؤلاء المأجورون سببًا في عزّ الدين؟ وكيف سيكونون قادرين على مواجهة حرب دينية تعلن على الإسلام، بينما هم أنفسهم يحاربون دين الإسلام؟

 

كفرنا بالدعاوي زائفات

إنه السؤال الكبير إذن، كيف ولماذا يحاربنا أعداؤنا بدينهم، يتمسّكون به ويفتخرون به ومن نصوصه يصيغون شخصية أبنائهم وأجيالهم؟ ولماذا وعلى العكس منهم، فإن قادة أمتنا وزعماءها ممن اغتصبوا الحكم إما بالوراثة العائلية أو بالانقلابات العسكرية، فإنهم يحاربون ديننا وإسلامنا ولا يريدون بل يمنعون أن تكون تعاليم الإسلام هي من تصوغ شخصية الأبناء والشباب والأجيال؟

أليس عجيبًا أن يحاربونا هم بدينهم بينما نحن نحارب ديننا؟ ولذلك ومهما كثرت شعاراتهم وأكاذيبهم من أنهم حماة الدين والوطن، فإن الواقع يكذّبهم ويفضح زيفهم، وكما قال الشاعر:

وإذا استباح الناس حرمة ربّهم           ماذا تظن بحرمة الأوطان

فإذا كان الدين والإسلام قد هان عليهم وحاربوه، فكيف لا تهون عليهم الأوطان فيفرّطون فيها؟ وما أجمل وأصدق قول القائل: “إنها القدس وإنه المسجد الأقصى حررها عمر بن الخطاب وهو يلبس الثوب فيه الرقّعات، وإنها القدس وإنه المسجد الأقصى ضيّعهما من يلبسون الكرفتات والبدلات من أشهر الماركات. إنها القدس حرّة فليس لها إلا الأحرار، وإنها القدس الطاهرة فليس لها إلا الأطهار، وإنها القدس الشريفة فليس لها إلا الشرفاء.

فإلى الدين وإلى الإسلام يا شباب، فإنه عزنا في ماضينا وبدونه فلن يكون لنا مستقبل. فإلى الدين وإلى الإسلام يا شباب الأمّة وإياكم أن تنجرفوا وتلهثوا خلف الزيف والشعارات البراقة والسراب والأوهام.

شباب الجيل قولوها تدوّي     فلن يجدي يمين أو يسار

كفرنا بالدعاوي زائفات        فبالإسلام قد وضح المسار

وإن غدًا لناظره قريب.

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.

 

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى