معركة الوعي (287) سياسة “الزحف البطيء” قانون الأذان كمثال
حامد اغبارية
1)
تختزن الذاكرة الفلسطينية التفاصيل الدقيقة للأحداث التي عاشتها هذه البقعة المباركة من بلاد الشام، كإحدى أهم وأقوى وسائل الحفاظ على الهوية؛ هوية الإنسان الفلسطيني، وهوية المكان، والسردية.
ومن تلك الأحداث ما يُعرف، في تاريخ الصراع على هذه الأرض وعلى هويتها، بـ “ثورة البراق”. فقد كانت هذه المحطة من تاريخ الشعب الفلسطيني احدى مفاصل الصراع على القدس.
وقعت أحداث ثورة البراق في آب 1929، بينما كانت البلاد تحت الاحتلال الإنجليزي، الذي كان قبل اثنتي عشرة سنة من تلك الأحداث قد أعطى وعدا لقادة الحركة الصهيونية بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وهو الوعد المعروف بـ “وعد بلفور”.
لقد أدرك الفلسطينيون أن “الانتداب” الذي منحته “عصبة الأمم” لبريطانيا على فلسطين، إنما هو خطوة متقدمة وخطيرة نحو إنجاز وعد بلفور، وكانت هناك مئات الشواهد في سلوك الانجليز في فلسطين لا تدع مجالا للشك أن “الانتداب”- الذي هو في حقيقته احتلال بكل ما في الكلمة من سوء- تقود إلى مكان واحد وهدف واحد: تحقيق الوعد، الذي صدر بعد تمزيق بلاد الإسلام، التي اجتمعت حتى ذلك الوقت تحت راية الخلافة العثمانية، إلى أشلاء من خلال اتفاقية سايكس – بيكو.
2)
في “يوم الغفران” اليهودي الثالث والعشرين من أيلول 1928، فوجئ الفلسطينيون بمجموعة من اليهود بوضع طاولة ومقاعد وأدوات طقسية تتعلق بعيدهم على مسافة قريبة من حائط البراق، بحجة أن المكان تابع لهم. وقد اعتبر الفلسطينيون أن هذا السلوك يعدّ إخلالا بنظام الوضع القائم الذي كان سائدا في المسجد الأقصى في العهد العثماني. ولم تكن هذه المرة الأولى. فقد كانت تلك المجموعات اليهودية تنتهج سياسة “الزحف البطيء” نحو حائط البراق، إذ كانوا في كل مناسبة دينية لهم ينصبون طاولاتهم وكراسيهم في مكان أقرب من سابقه إلى حائط البراق، سعيا إلى تحقيق السيطرة عليه. هذا إضافة إلى محاولاتهم المتكررة امتلاك مبان وبيوت قريبة من الحائط، هي ذات السياسة التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا سعيا إلى تهويد المدينة المقدسة.
3)
في تشرين الثاني من نفس السنة (1928) أصدر وزير المستعمرات البريطاني ما يعرف بـ “الكتاب الأبيض” والذي أكد فيه إسلامية حائط البراق بصفته جزءا من المسجد الأقصى المبارك، وعدّ فيه زحف اليهود نحوه انتهاكا للوضع القائم منذ العهد العثماني، كما أكد فيه أن سلطات الانتداب البريطاني ستحافظ على الوضع الراهن. غير أن بريطانيا- كعادتها- نكثت وقلبت للفلسطينيين ظهر المجن، إذ لم يكن ذلك “الكتاب الأبيض” سوى وسيلة لتنفيس غضب المسلمين واحتواء تحركاتهم الرافضة “للزحف البطيء” نحو البراق. ولذلك فإن حكومة الاحتلال البريطاني لم تفعل شيئا لمنع زحف الطاولات والكراسي وأدوات الصلاة اليهودية. وبدلا من ذلك نظم اليهود مظاهرة في الرابع عشر من آب 1929، فيما يسمونه “ذكرى خراب الهيكل الثاني”، أمام حائط البراق مطالبين بالسيطرة عليه، باعتباره جزءا من هيكلهم. وفي اليوم التالي نظموا مظاهرة ثانية جابت شوارع القدس انتهت عند حائط البراق تحت ذات الشعارات. ولم تحرك القوات الأمنية البريطانية ساكنا، ولم تمنع الظاهرة، كما لم تفعل شيئا للحفاظ على الوضع القائم!! وبدلا من ذلك عملت على مرافقة المتظاهرين لحمايتهم من أي رد فعل فلسطيني.
4)
على اثر ذلك تحرك الفلسطينيون. ففي اليوم التالي، السادس عشر من آب، والذي وافق ذكرى المولد النبوي الشريف، خرج المقدسيون في مظاهرة غاضبة نحو حائط البراق لحمايته من الخطر القادم الذي يتهدده. ومن تلك اللحظة سجل التاريخ، كما حفرت في الذاكرة الفلسطينية أحداث انتفاضة البراق، أو ما يعرف بـ “ثورة البراق”، التي من خلالها برزت مسألتان:
الأولى: إدراك الفلسطينيين للخطر الذي يهدد مقدساتهم. والثانية: تواطؤ الاحتلال البريطاني، الذي استخدم القبضة الحديدية ضد المحتجين الفلسطينيين، وقدم منهم نحو ألف شخص للمحاكمة، وصدرت بحق عدد منهم أحكام بالإعدام، نفذت بحق ثلاثة هم فؤاد جازي ومحمد جمجوم وعطا الزير، ولم يكن بين المعتقلين سوى يهودي واحد كان يعمل شرطيا لدى البريطانيين، وأدين باقتحام بيت عائلة فلسطينية في مدينة يافا وقتل جميع أفرادها.
5)
ولقد انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه، ونجحت سياسة “الزحف البطيء” التي كانت نهج الحركة الصهيونية في تثبيت قدميها في فلسطين، وما تزال هي نهج المؤسسة الإسرائيلية في إنزال سياساتها على الأرض والإنسان الفلسطيني منذ 1948 ولغاية اليوم. فـ “الزحف البطيء” يشمل كل اتجاه وكل مجال وكل مكان: الأرض، والمسكن، ومنهاج التعليم، والحريات الشخصية والجمعية، وحرية العبادة وغيرها مما أُدرجَ في قائمة طويلة من سياسات تسعى إلى تحقيق الهدف: شطب هوية وإخلال هوية مكانها. ولعل من أبرز ما تحمله هذه السياسة استهداف الهوية الدينية بكل ما تحمله من معان. وهذا ما شهدته القدس منذ تلك المحطة في آب 1929 ولغاية يومنا هذا، وما يشهده مجتمع الداخل الفلسطيني الذي جُرد من كل شيء: جُرد من أرضه التي يملكها بالوثائق والمستندات بسلسلة قوانين ظالمة، بنفس سياسة “الزحف البطيء”، وجُرد من أوقافه ومقدساته بذات سياسة “الزحف البطيء”، وما تزال هذه السياسة تزحف نحو هويته لتشويشها والنيل منها، سعيا إلى إيجاد جيل بلا هوية وبلا انتماء وبلا إرادة وبلا طموح، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
6)
سعت المؤسسة الإسرائيلية منذ كانت، وما تزال- إلى فرض هويتها على كل شيء من خلال تهويد المكان بذات سياسة “الزحف البطيء”، لتحقيق مسعى “دولة يهودية” في كل شيء، لا يشوبها شيء، ولا يزعجها شيء، ولا يشوبها شائب من الأغيار. ولأنها تدرك تمام الإدراك أن ما يحفظ الهوية حفظا حقيقيا، ويثبّت أركانها، ويحميها من الذوبان والتلاشي والتشوش والخلل هو الدين وكل ما يتعلق به من مقدسات وأوقاف وأخلاق وسلوك ومظاهر، فقد وجّهت سياسة “الزحف البطيء” نحو كل ما يذكّر بهذه الهوية ويبرزها ويؤكد وجودها، ومن ثَمّ يشكل حجر عثرة أمام تهويد كل شيء.
7)
هكذا تجدد الحديث هذه الأيام، وفق سياسة “الزحف البطيء”، عن كتم صوت الأذان في مساجد المسلمين في وطنهم، بعد سنوات من القوانين الظالمة التي سعت المؤسسة إلى إقرارها واضطُّرت إلى تجميدها في كل مرة لأسباب إجرائية مختلفة. وقد بدأ السعي إلى منع صوت الأذان قبل اثنتي عشرة سنة تارة بحجة الإزعاج!! وتارة بحجة التحريض!! وهذا من أعجب عجائب هذه السياسة التي يعتقد السذج من أبناء مجتمعنا أنها جاءت في زمن بن غفير وسموطرتش، وقد غفل عن أن الذين هدموا المساجد ودمروا المقدسات عام 1948 هم الذين يعتبرهم بعض أهلنا من “اليسار اللطيف”!! كما غفلوا عن أن أول من قدم اقتراح قانون لمنع صوت الأذان (عام 2014) هو حزب معارض للحكومة الحالية، يسعى بعضنا إلى عودته للحكم (يسرائيل بيتينو برئاسة أفيغدور ليبرمان)، وأن ثاني من قدم اقتراح لنفس القانون (2015) هو حزب يسعى إلى إسقاط الحكومة الحالية ليحل مكانها (البيت اليهودي برئاسة نفطالي بنط)، في وقت يسعى بعضنا إلى أن يضع يده في يده، كما فعل من قبل!!
7)
إن مشكلة هؤلاء ليست مع صوت الأذان كمسبب للإزعاج كما يزعمون، بل مع صوت الأذان كمظهر من مظاهر هوية الإنسان والمكان. ولذلك يسعون اليوم إلى سن قانون فاشي يذكّر بحقبة مظلمة من تاريخ البشرية أيام محاكم التفتيش في الأندلس، والتي كان ضحاياها تحديدا وحصرا المسلمون واليهود. فيا لعجائب التاريخ الذي لا يمكن أن يمر على باطل قبل أن يفضحه. والأعجب من هذا أن الذين احتضنوا يهود الأندلس يومئذ وآوَوْهم وأمّنوهم على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وعبادتهم وحرياتهم هم المسلمون، وتحديدا الخلافة الإسلامية العثمانية، التي ما لبث هؤلاء حتى عملوا على إسقاطها وتفتيتها، بتحالف عجيب مع الاستعمار الغربي ممثلا ببريطانيا، رأس الأفعى يومذاك، والتي كانت حاضرة أيضا بكل لؤمها ووساختها في أحداث البراق عام 1929، تماما كحضور راس الأفعى اليوم (أمريكا) في حماية نهج الزحف البطيء في غزة والضفة ولبنان وسوريا.
8)
إنها حرب على الهوية، التي يمثلها المسجد والمئذنة وصوت الأذان.
9)
ربما ينجحون في سن القانون هذه المرة، وهذا مرجّح عندي، بسبب الظروف الحالية، التي يرونها مواتية لتمريره. فنحن أمام سلطة أصيبت بلوثة من الجنون منذ السابع من تشرين الأول 2023، ويتلبَّسُها الاعتقاد بأنه قد حان الوقت لحرق الأخضر واليابس. وربما سنشهد من عجائب هذه المرحلة ما لا يتخيله أحد. فالمسألة لن تتوقف عند منع صوت الأذان، الذي يزعجهم وجوده ووجود أهله، بل سيتواصل الزحف البطيء إلى كل زاوية. فنجاح تمرير القانون سيفتح شهية مَن يعتبروننا عبئا كان يجب التخلص منه قبل ثمانية عقود، كي يسُنّوا قوانين أخرى تخص الصلاة في المساجد، وأخرى تخص المناسبات الإسلامية؛ مثل رمضان وذبح الأضاحي وأداء مناسك الحج، وتنظيم الاحتفالات الدينية، والدراسة في الجامعات والعلاج في المستشفيات، وربما نصل إلى مرحلة يُسن فيها قانون يمنعنا من دخول البلدات اليهودية منعا مطلقا.
10)
إنْ وقع هذا، وأظنه سيقع بشكل أو بآخر، وربما أشد منه وأقسى، فسيكون ذروة الظلم الذي كان سببا في سقوط أعتى الإمبراطوريات على مر التاريخ.