أخبار وتقاريرمقالاتومضات

مع ديوان (قالوا عروبيون)

الشيخ رائد صلاح

سلفًا أقرّ معترفًا أنني لست ناقدًا أدبيًا، وما كتبته في هذه المقالة ليس نقدًا أدبيًا وإنما هو خواطر اجتمعت في صدري بعد أن قرأت ديوان (قالوا عروبيون) للأستاذ واصل طه ابن بلدة كفركنا بعد أن وصلني هذا الديوان قبل بضعة أيام، وهاكم بعض هذه الخواطر:

  1. قالوا في الماضي: (أكذب الشعر أعذبه) وأنا شخصيًا لا أوافق هذا القول بل أقول: أوفى الشعر أعذبه، فلا عذوبة لشعر بلا وفاء، ولذلك فإن إحدى خواطري الأساس حول هذا الديوان أن صاحبه الأستاذ واصل طه اجتهد أن يكون فيه وفيًا لزوجه وأولاده وأحفاده، ووفيًا لبلدته كفركنا التي ولد فيها وعاش فيها ولا يزال منزرعًا فيها، ووفيًا لكل معالم أرضنا وبيوتنا ومقدساتنا في الداخل الفلسطيني الممتد ما بين الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية -عكا وحيفا ويافا واللد والرملة- ووفيًا لفلسطين وأركان وجودها وصمودها القدس المباركة والمسجد الأقصى المبارك وغزة الصابرة والضفة الغربية المطاردة، ووفيًا للشتات الفلسطيني فوق كل أرض وتحت كل سماء، ووفيًا لانتمائه العروبي المحصن والمسدد بثوابت وقيم وتاريخ مجيد، ووفيًا لإنسانيته ورسالته الحضارية التي انطلقت وثّابة في سيرها ذات يوم وخدمت أهل الأرض ثم توقفت، ولا بدّ أن تجدد سيرها مهما واجهت من تحديات.
  2. لأنه اجتهد أن يكون وفيًا لزوجه وأولاده وأحفاده، فقد أهدى هذا الديوان إلى رفيقة عمره منى وإلى أولاده عمار وعمر وليلى ومحمد وسائر الأحفاد، ولم يقف عند حدّ الإهداء، بل نظم قصيدة بعنوان (ما لنفسي عزة إلا هواك)، لرفيقة دربه منى قال فيها:

أنتِ شمس في سمائي لن تغيبي   ونجومي تنحني حين تراكِ

ونظم قصيدة بعنوان (لعينيك يا عمر) لحفيده عمر، ونظم قصيدة ثالثة بعنوان (وتبسمت سيلين) لحفيدته البكر سيلين، ونظم قصيدة رابعة ذات شجون وأحزان بعنوان (من أجل عيني نيسان) في وداع هذه الحفيدة الغالية نيسان، ونظم قصيدة خامسة تكاد تهطل بالدموع بعنوان (لحنان قلبك شائق أُختاه) رثى فيها شقيقته، واستجمع فيها فيض العاطفة ودوام التواصل معها قبل الموت وبعده، ونظم قصيدة سادسة بعنوان (المولودة منى) استقبل فيها ميلاد حفيدته منى قال فيها:

وقد عمّ السرور نفوس قوم

وعمّت غبطة قلب الجدودِ

ونظم قصيدة سابعة بعنوان (من أجل عيني بانا) أهداها لحفيدته بانا بعد أن انتقلت من مرحلة الرضاع إلى بدايات الطفولة ووقفت على قدميها وباتت تجوب البيت متنقلة بين أحضان والديها وجدها، فهذه سبع قصائد خصّ بها الأستاذ واصل طه بيته وما مرّ عليه من أفراح وأحزان، ومن ابتسامات ودموع، ومن استقبال ووداع.

  1. لأنه اجتهد أن يكون وفيًا لبلدته كفركنا فقد نظم فيها شعرًا يكاد أن يكون غزلًا، وفاخر بها سائر البلاد، واجتهد أن يؤرّخ لجذورها وما حملت من أمجاد ولحاضرها وما حمل من هموم، ولمستقبلها الطامح رغم هول التحديات، ففي قصيدته (يا عرس قانا) قال مخاطبًا بلدته:

يا كفركنا أيا ريحانةً عبِقَتْ … عرس السنابل قد حنّى أيادينا

يا كفركنا رقيق الصوت نعشقه … موّال صوتك في الأرجاء يحيينا

  1. لأنه اجتهد أن يكون وفيًا لمعالم ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا في الداخل الفلسطيني، فقد خاطب بحر الجليل وعكا ويافا، وها هو يقول في قصيدته التي حملت عنوان (باقون في ليموننا يافا):

باقون في ليموننا يافا لحنًا وأغنية

للشمس ننشدها

تعلو وتسمو فوق أعتابك

وها هو يقول في قصيدته التي حملت عنوان (ليس الجليل بظاعن)

أجارتنا ليس الجليل بظاعن … وإني مقيمٍ ما أقام جليلُ

أجارتنا إن الجبال رواسخٌ … وكل عسيب للجليل خليلُ

  1. لأنه اجتهد أن يكون وفيًا لفلسطين ولأركان وجودها، فقد أخذ بنا بشعره لنعيش مع فلسطين وامتداد نكبتها، ومع غزة وكربها، والضفة الغربية وجراحها، ومع القدس المباركة وكبريائها، ومع المسجد الأقصى المبارك وهتاف أذانه الأبدي، ومع كنيسة القيامة وحصارها، ومع حارات القدس وأحيائها وشوارعها، ومن يقرأ هذا الديوان فسيكتشف بسهولة أن الأستاذ واصل طه قد وقف واستوقف وبكى واستبكى في معظم قصائده على فلسطين النكبة والبسمة والصمود، وها هو يقول في قصيدة حملت عنوان (يا ناس):

هذي فلسطين في الألباب قد نقشتْ … أيقونةً خلدت في الناس للأبد

هذي فلسطين تبكي في سلاسلها … سبعون عامًا وجيش العرب لم يفدِ

وها هو يقول في قصيدة له حملت عنوان (قولوا لغزة):

قولوا لغزة شمسها أبدية … خاب الغزاة وخاب كلّ توعّدِ

  1. وأما القدس والمسجد الأقصى المباركان فقد أسهب فيهما وأطنب، وعلى عتباتهما، أنشد وأجاد، ونادى النائمين، ونبّه الغافلين، وصرخ باسم كل حجر وزيتونة وتينة ولوزة ومئذنة ومصطبة وبائكة وتلة ووادٍ في هذه البقعة المباركة مجتهدًا أن يسمع كل الظالمين والمظلومين وكل اليائسين والمتفائلين، وكل المنكسرين والقائمين، وكل امتداد لهذه البقعة المباركة على الصعيد الإسلامي العروبي الفلسطيني لا بل على الصعيد الإنساني العالمي، لا بل على صعيد عالم الجن والإنس، كيما يؤكّد للجميع مقولة الانتماء والبقاء الأبدية: هنا باقون في القدس والمسجد الأقصى المباركين، وها هو يخاطب القدس المباركة في أكثر من قصيدة، حيث خاطبها في قصيدة بعنوان (القدس شامخة)، وفي قصيدة بعنوان (يا قدس يا سرمد العشاق منزلة)، وفي قصيدة بعنوان (لا تبرح القدس)، وفي قصيدة بعنوان (القدس داري)، وفي قصيدة بعنوان (القدس محفورة)، وفي قصيدة بعنوان (يا قدس سورك شامخ لا ينحني)، وفي قصيدة بعنوان (يا قدس سيفك ما نبا)، ويوم أن خاطب القدس فقد خاطبها خطاب الابن لأمّه، وخطاب المريد لشيخه، وخطاب التلميذ لأستاذه، واجتهد أن يقسم لها الأيمان المغلّظة أنها دم يجري في شرايينه، وروح تسري في جسده، فقال لها من ضمن ما قال لها:

القدس بوابة للشمس مشرعة … وقبلة الحرّ والشيّاب والولدِ

وقال لها من ضمن ما قال لها:

لا الخوف يخضعها ولا الشرر … القدس شامخة وتنتصر

القدس زنبقة بمواطننا … وعبيرها في الكون منتشر

وقال لها من ضمن ما قال لها:

للقدس غنّوا إلى إشعاع قبتها … القدس لحن عروس قد عشقناه

يا قدس ليلك بالحناء قد خضبوا … يوم الزفاف بأنوار كتبناه

وقال يخاطب المسجد الأقصى وأصول مبانيه:

حرم ومسرى والقيامة عهدة … مهر الخليفة قدسها بسماحِ

وقال يخاطب المسجد الأقصى:

الجرح ينزف في الأقصى يعانقه … والذل يرشح من عينيه والجسدِ

  1. إلى جانب الحديث عن فلسطين والقدس والمسجد الأقصى وغزة والضفة الغربية فقد تحدّث الأستاذ واصل طه في هذا الديوان عن الثوابت بعامة، وعن حق العودة وأسرى الحرية بخاصة، وحذّر من كل حديث عن سلام قائم على وهم، ومن كل حق قائم على استجداء، ومن كل سير في ظلمات التيه، وها هو في قصيدة له بعنوان (العودة حقي وقراري) ينشد لحق العودة ويقول بنبرة الواثق بيقين:

وأنا ما زلت أنام الليل

وفي حلمي

مفتاح الدار يرافقني

وصدى الأصوات يناديني

الحق لأصحاب الدار

الحق لأصحاب الدار

والعودة حقي وقراري.

وها هو يخاطب أسرى الحرية عبر قصيدة له بعنوان (أسرى الحرية منابع نبل أمتنا) اجتهد فيها أن يكون لسان حال أسرى الحرية وهم يرسفون بالقيود خلف القضبان في ظلمات سجونهم وعلى وقع أنين أمراضهم:

أنا حر وسجّاني

يخاف الصوت في سجني

يخاف الجوع والأمعاء خاوية

يخاف الضوء من عيني

وها هو يخاطب الأسير كريم يونس في مشهد لا يسعف فيه إلا الصبر والدعاء والدموع يوم أن ماتت أم كريم قبل أن تحتضنه، ومع ذلك فإن الأسير كريم يتحول إلى المعزِّي وليس المعزَّى بين أصحابه من سائر الأسرى، وها هو الأستاذ واصل طه يخاطب الشتات والمخيم والخيمة واللاجئ عبر أبيات من قصائده، وهكذا هو يحاول بذلك أن يجمع بين نصفي حبة البرتقالة التي تغنى بها من قبله بعض الشعراء الفلسطينيين.

  1. اجتهد الأستاذ واصل طه أن يتلوّع محزونًا عبر قصائده على جرح واحد يمتد من فلسطين ويمتد في سائر شعاب الشام ويتواصل مع جرح العراق وجرح لبنان وجرح اليمن وجرح مصر وجرح المغرب العربي على اعتبار أنه جرح عروبي واحد، وفق إيقاع قصائد الأستاذ واصل طه وبحورها وقوافيها، ولأنه جرح واحد فهو ألم واحد، ولأنه ألم واحد فهو أمل واحد، ولأنه واحد فكم يتمنى الأستاذ واصل طه أن تعود تلك الأيام التي امتلأت فيها العروبة بالقيم الإسلامية النابعة من عقيدة وعبادة وشريعة وخلق، فلم تكن العروبة جوفاء، لأن كل عروبة جوفاء فهي خواء لا يصلح الإنتماء إليها والتغني بها.

ولذلك يقول الأستاذ واصل طه في قصائده الأولى من ديوانه:

الناس إن لم تملأ الدنيا صفا … تمسي الحياة جنون أرواح مريبة

ثم يقول في قصيدته (إن ذلّوا فلا سلموا):

ما كان في وطن ساد النفاق به … إلا دمار وقد ماتت به الشيم

ثم يقول في قصيدته (جرح وما أخذ الجواب):

هل برمجت آذانكم … لسماع أقداح الشراب

وكأنكم تتجاهلون … اليوم ما ذكر الكتاب

يا مسلمون تنبهوا … من مدّعٍ يحمي القِباب

جرح يصيح بأمّةٍ … جرح وما أخذ الجواب

ثم يقول في قصيدته (لا تبرح القدس):

الله أكبر كم علم بقرطبةٍ … أضحى قواعد تنوير ومدخرا

تلك الحضارة إشعاع وقد سطعت … ولم تزل معلمًا في الكون مفتخرا

  1. إلى جانب إصرار الأستاذ واصل طه على ترشيد العروبة بالقيم الإسلامية النابعة من عقيدة وشريعة وعبادة وخلق، فهو يستنطق التاريخ الإسلامي العروبي، والحضارة الإسلامية العروبية كشاهد حي على أمّة ملأت سمع الدنيا وبصرها بالحلم والعلم والعدل والقسط، ولا تزال تحمل القابلية لتجديد هذا الدور الذي لن تقوم به إلا وفق أصوله وثوابته الإسلامية العروبية الفلسطينية، وها هو الأستاذ واصل طه يرفض أدعياء الدين وأدعياء العروبة سواء بسواء، ونحن نوافقه على ذلك، وإلى جانب ذلك يترنم بأمجاد صفحات إسلامية عروبية تقيّة ونقيّة، ويقول فيها منذ القصائد الأولى في ديوانه مجددًا لهمته وعزيمته وطموحه:

لنا التاريخ يشهد في وقار … سماحة أمّةٍ وعزيز جارِ

وما دخلاء دنيانا ودينٍ … سوى أجراء كعك أو دُلارِ

ثم يقف مع أيام سعد بن أبي وقاص وأيام أبي عبيدة عامر بن الجراح وشرحبيل بن حسنة والمعتصم والفاروق عمر بن الخطاب وطارق بن زياد والمثنى بن حارثة، حيث أنه خلال استضافته لكل هذه الأسماء عبر قصائده يقول لنا:

عودوا إلى الأصل روحًا تؤمنون بها … فالأصل فصل وتاريخ ومعتصمُ

نعم الأصالة إن صنا مشاربها … فهي الجذور في أغصانها شممُ

  1. إلى أي نوع من العروبة نحتاج اليوم؟! جوابًا على ذلك يقول الأستاذ واصل طه في قصيدته (قالوا عروبيون):

قيم وأخلاق ركان عقيدة … رسمتْ كطودٍ صامدٍ لا يهربُ

فيها السماحة والقناعة والندى … والمنكرات رجالها لم يقربوا

  1. يحذّر الأستاذ واصل طه في ديوانه بصراحة وشجاعة من الصناديق المانحة الملغومة سواء كانت عربية أو أعجمية، فلن يكون الواحد منا حرًا إذا رضي لنفسه أن يكون عبدًا للدرهم أو الدولار، وحول ذلك يقول في قصيدته (شيخ القبيلة):

ودراهم الأُمراء صارت معبدا … رخص الرجال قلاعهم قد أفسدوا

إن الغنيّ غني نفس ما حنى … رأسًا لغير الله لا يتهجّدُ

إن الرجال مبادئ ومواقف … لدراهم العملاء ما امتدت يدُ

وصدق من قال: إذا كانت اللقمة من الفأس كانت الفكرة من الرأس، لذلك ما أشد إفساد من إجتمع فيه إدعاء الدين أو العروبة وعبادة الصناديق المانحة الملغومة.

  1. مع مساحة الزفرات والآهات الواسعة التي يبثّها الأستاذ واصل طه في ديوانه، إلا أنه لا يتخلى عن خطاب التفاؤل والدعوة إلى استنهاض الشعوب وانتظار جيل قوي العزم مقدام أصيل، وها هو في سياق حديثه عن هذا الجيل القادم يقول في قصيدته (سينهض من لهيب النارجيل):

سينهض من لهيب النارجيل … قويّ العزم مقدامٌ أصيلُ

وتنهض أمة غفلت زمانًا … ببأسٍ ما له عهدٌ مثيلُ

  1. لا ينسى الأستاذ واصل طه أن يقدّم لنا بعض نصائحه من صيد الحياة التي عاشها مسترشدًا بصيد الإمام الشافعي وأبي العتاهية والمتنبي، وها هو يقول في قصيدته (زماني أبيض):

وجرح السيف يبرؤه دواءٌ … ويبقى نازفًا جرح اللسانِ

ويقول في قصيدته (يا موت):

فإذا سألنا الله في رحماته … فهو المجيب ولا يردّ السائلا

ويقول في قصيدته (نقود السحت ما صلحت صداقًا):

وتبرز حكمة الفقهاء فينا … نقود السحت ما صلحت صداقًا

ويقول في قصيدته (تراه عبدا):

وجاحد الخير ملعونٌ بفعلتهِ … وحامد الله محروس ومأمونُ

  1. وأخيرًا أقول إن أدب الإختلاف مطلوب حتى في الأدب بعامة وفي الشعر بخاصة، لذلك أختلف مع الأستاذ واصل طه في بعض آرائه السياسية التي ضمّنها في بعض قصائده، وأختلف معه في بعض التعابير التي وردت في قصيدته (لاجئ في كل شاطئ) وأختلف معه في قوله في قصيدته (تعالوا شمروا عن كل زند) من حيث التعبير لا من حيث المعنى:

ووعد محمد لابن الكناني … تحقّق وعد من لبس السوارا

فما كنتُ أنصح بهذا البيت وإن كان معناه صوابًا مائة بالمائة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى