أخبار وتقاريرأدب ولغةمرئيات

معرض الكتاب في كفركنا.. ذاكرة ثقافية متجددة وجسر نحو الوعي والمعرفة

مارية محاجنة

يشكّل معرضُ الكتاب السنوي في كفركنا محطة ثقافية بارزةً ينتظرها الأهالي بشغف كل عام، إذ لم يعد مجرد فعالية موسمية لعرض الكتب، بل أصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية، ومن تشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي في الداخل الفلسطيني.

فمنذ سنوات طويلة، يستقطب المعرض زوّارًا من مختلف البلدات، حتى غدا أشبه بعيدٍ ثقافي تُنظَّم له السفريات الجماعية، ويقصده القرّاء والمهتمون بالثقافة والمعرفة من مختلف الفئات والأعمار.

ويؤكد استمرار المعرض عامًا بعد عام أهمية الكتاب في حياة الناس، لما يُسهم به في بناء الوعي الفردي والمجتمعي، وترسيخ العلاقة بين الإنسان والمعرفة، خاصةً في ظل التحولات الاجتماعية والتحديات الفكرية التي يعيشها المجتمع.

عرس ثقافي لعشّاق القراءة والمعرفة

في حديثه لـ”المدينة”، يقول السيد محمد عواودة، أحد القائمين على المعرض: “يحتوي المعرض على آلاف العناوين والإصدارات من أحدث دور النشر العربية والعالمية، حيث تُستورد الكتب سنويًا من معارض القاهرة، وإسطنبول، والأردن، وغيرها من المعارض الكبرى، ليبقى المعرض محطةً ثقافية متجددة لعشّاق القراءة والمعرفة”.

وأضاف: “هذا العام أُقيم المعرض في ظروف استثنائية، لكنه حافظ على مكانته كعرس ثقافي وحدث مميز على مستوى الوسط العربي في الداخل، وعنوان بارز لمحبي القراءة والشغوفين بالكتاب”.

وتابع عواودة: “يضم المعرض كتبًا دينية بمختلف أنواعها، ومؤلفات لكبار العلماء في الفقه والحديث والتفسير، إلى جانب كتب التاريخ والأدب والفكر والثقافة العامة، بالإضافة إلى أكبر تشكيلات كتب الأطفال، من قصص وألعاب تعليمية وتربوية”.

ويحرص القائمون على المعرض على تقديم تخفيضات واسعة، مراعاةً للظروف الاقتصادية الصعبة، ليبقى الكتاب في متناول الجميع.

ومن روّاد المعرض أكاديميون ومثقفون وطلاب جامعات، إذ ينظر المنظمون إلى هذا الحدث من زاوية أنه يؤدي وظيفة تربوية وثقافية من الدرجة الأولى، تتجاوز البيع والشراء إلى بناء الوعي وترسيخ قيمة القراءة في المجتمع.

ومن اللافت أيضًا غياب الاهتمام الإعلامي الرسمي بهذا الحدث الثقافي الكبير، رغم ما يحمله من أهمية مجتمعية وتربوية تستحق تسليط الضوء والاهتمام.

الكتاب لا يزال يحتفظ بمكانته

ورصدت “المدينة” انطباعات عدد من زوّار المعرض، الذين أجمعوا على أن الكتاب لا يزال يحتفظ بمكانته، رغم تغيّر الأزمنة، وأن القراءة تبقى وسيلةً أساسيةً لصناعة الوعي والنهوض الفكري.

يقول الأستاذ ساهر غزاوي إن “المعرض يواصل تقديم أحدث الإصدارات العربية والعالمية، إلى جانب الكتب المترجمة من لغات متعددة، فضلًا عن إصدارات الكتّاب والباحثين من الداخل الفلسطيني، وهي زاوية تتوسع عامًا بعد عام”.

وبيّن أن هذا التنوع يعكس حرص القائمين على المعرض على التطوير المستمر، وعدم الاكتفاء بالروايات والقصص فقط، بل توفير كتب علمية وفكرية وتربوية ومعرفية تستقطب جمهورًا واسعًا ومتعدد الاهتمامات.

صحبة لا يشوبها غش

من جانبه، أوضح الأستاذ أحمد سليمان أن المعرض يمثل له مساحة خاصة من الصحبة الصادقة، مضيفًا: “هنا صحبة لا يشوبها غش، ولا يُخشى معها سوء المنقلب، ولا مرارة الخذلان، هنا ثمار القراءة، والعقول، والأفئدة، وبحار التجارب، وذاكرة الزمان والعصور”.

وأشار إلى أنه ينتظر هذا المعرض من عام إلى آخر، كما ينتظر الفلاح موسم الحصاد، مؤكدًا أنه أصبح عادةً سنويةً لا يمكن الاستغناء عنها، لما يوفره من أمهات الكتب والروايات التي تناسب مختلف الأجيال والفئات.

تذكرة سفر عبر الزمان والمكان

أما المربية هدى عيسى، فرأت أن القراءة ليست مجرد هواية، بل نافذة يطل منها الإنسان على عقول الحكماء وتجارب العصور، مؤكدةً أنها تذكرة سفر مجانية عبر الزمان والمكان، ووسيلة لبناء فكر ناضج وشخصية واعية.

وأضافت أن “القراءة، خاصة في ظل ما مرّ به المجتمع من أحداث وتوترات في الآونة الأخيرة، تساعد على التخفيف من القلق والضغط النفسي، إذ يجد القارئ في صفحات الكتب راحة نفسية ومتعةً فكرية، تجعل الكتاب صديقًا لا يُملّ، ومنارةً تضيء دروب الفكر والمعرفة”.

اللهفة ذاتها تتجدد كل عام

كما عبّرت الطالبة الجامعية بيلسان صالح عن علاقتها الطويلة بمعرض الكتاب في كَفر كنا، مشيرةً إلى أنه رافق مراحل نموها المختلفة منذ الطفولة، حين كانت تبحث بشغف عن الروايات والقصص، وصولًا إلى المرحلة الجامعية، حيث توسعت اهتماماتها لتشمل كتب التحليل النفسي، وعلوم الفضاء، والفيزياء، والكتب الإسلامية، والتنمية الذاتية.

وأكدت أن شيئًا واحدًا لم يتغير، وهو ذات اللهفة والفضول مع كل افتتاح سنوي للمعرض، مضيفة أن زيارتها للمعرض هذا العام جعلتها تبدأ بالفعل بترقب معرض العام المقبل.

نور في زمن الضجيج

وقالت المعلمة أنوار كريم من كفركنا إن “الكتاب يبقى نورًا في زمن الضجيج، وراحة في زمن الماديات”، مؤكدة أن القراءة، مهما تقدم الزمن، تظل غذاءً للعقل وروحًا للقلب.

واستشهدت بقول الأديب مصطفى صادق الرافعي: “إذا رأيت كتابًا يثير فيك شهية القراءة، فاحتضنه كأنك وجدت كنزًا؛ فإن الكتاب صديق لا يخذلك أبدًا”، مشيرةً إلى أن زيارة المعرض فرصة حقيقية لمواكبة الفكر والعلم والنهل من ينابيع المعرفة.

عبادة وتثقيف للنفس

من جهتها، أكدت الداعية أم وحيد قشقوش من قلنسوة أن الوقت هو الحياة، وأن أعظم ما يُستثمر فيه الإنسان هو القراءة وتثقيف النفس، معتبرة أن القراءة عبادة؛ لأنها تكسب الإنسان المعرفة، وتوسّع مداركه، وتكشف له جهله، فتدفعه إلى التعلّم والارتقاء.

ودعت إلى تخصيص وِرد يومي من القراءة المفيدة، والحرص على اقتناء الكتب والارتباط بها، مؤكدة أن الكتاب أولًا وآخرًا، وفيه يجتمع الخير الكثير.

باب واسع للعلم والرقي الفكري

أما الأستاذة أحلام إغبارية من قرية مصمص، فرأت أن “معرض الكتاب هو باب واسع للعلم والرقي الفكري، ومنصة للتزكية القلبية والتنمية الذاتية والارتقاء الروحي”، مؤكدة أن أبواب العلم فُتحت على مصراعيها لجميع الأجيال والأطياف في المجتمع.

ودعت الشباب إلى اغتنام هذه الفرصة، والمبادرة إلى إحياء علاقتهم بالكتاب، مستشهدة بالبيت الشعري: “العلم يبني بيوتًا لا عماد لها، والجهل يهدم بيت العز والكرم”.

سبيل للإصلاح

وفي السياق ذاته، أشارت الداعية زهرة صالح إلى أن ما يعيشه المجتمع من أزمات أخلاقية واجتماعية يجعل العودة إلى كتب التفسير، والسيرة، والتزكية، والتربية، من أنجع وسائل الإصلاح وأكثرها أثرًا.

وأكدت أن الكتب الشرعية المعتمدة ما تزال تتربع على عرش محاولات الإصلاح الحقيقي، لما تحمله من بناء للقيم، وتصحيح للمفاهيم، وترسيخ للأسس التربوية والأخلاقية التي يحتاجها المجتمع اليوم.

ويجمع زوّار معرض الكتاب في كفركنا على أن الكتاب ما زال يحتفظ بمكانته، رغم تسارع الحياة وتغيّر الوسائل، وأن القراءة تبقى استثمارًا حقيقيًا في الإنسان ووعيه ومستقبله. ومع كل دورة جديدة للمعرض، يتجدد الحنين إليه بوصفه مساحةً للمعرفة، وملتقىً ثقافيًا يعيد للكتاب حضوره، وللقارئ شغفه الأول.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى