أخبار وتقاريرمقالاتومضات

معركة الوعي (285) العلاقات اللبنانية- الإسرائيلية سِجلٌّ حافلٌ بالعمالة للمشروع الصهيوني (4-4)

حامد اغبارية

1)

العلاقة مع الدروز

لم يتعامل قادة الحركة الصهيونية مع الطائفة الدرزية في لبنان كوهم جزءا من المجتمع اللبناني وحسب، وإنما تعاملوا معهم كجزء من الطائفة الدرزية في البلاد الإسلامية (سوريا ولبنان وفلسطين)، خاصة وأن قسما لا بأس به يعيش في فلسطين التاريخية، إذ كان همّ الحركة الصهيونية بناء علاقة عضوية وثيقة مع الدروز في كل مكان يعيشون فيه، لهذا حرصت على بناء علاقات معهم في مجمل بلاد الشام، ككتلة واحدة وليس كجزء محلي من التركيبة السكانية في كل بلد.

وقد توطدت العلاقة مع الدروز منذ بدايات الاستيطان الصهيوني في فلسطين، من خلال إنشاء علاقات حسن جوار بين مستوطنات الشمال وبين القرى الدرزية المجاورة، باستثناء ما يُعرف بـ “حادثة المطلة”. وهذه الحادثة شهدت توترا ومواجهات بين المستوطنات اليهودية وعدد من العائلات الدرزية بعد أن اشترى ممثل البارون روتشيلد جزءا من أراضي المستوطنة من الإقطاعي الماروني جبور رزق الله، الذي كانت تعمل في أرضه نحو 50 عائلة درزية. وبعد البيع رفضت تلك العائلات ترك المكان، ما أدى إلى وقوع مواجهات وهجمات ضد سكان المستوطنة.

2)

من أجل حل مشكلة العائلات الدرزية عمل يتسحاق هليفي، ممثل روتشيلد وأحد موظفيه الكبار، على توسيط الأمير الدرزي شكيب أرسلان لحل الإشكال، لكن وساطته فشلت، بل إن دروز المطلة حاولوا اغتياله بسبب سعيه إلى تلك الوساطة.

لم تيأس قيادات الحركة الصهيونية، وبذلت جهودا كبيرة حتى أقتنعت العائلات الدرزية بمغادرة الأراضي وإنهاء النزاع مع مستوطني المطلة مقابل تعويضات مالية. ومن هذه اللحظة بدأت علاقات المستوطنين تتحسن مع تلك العائلات!!!

3)

في إحدى المراحل وقعت مشكلة قضائية حول ملكية أرض في سهل الخيام بين مستوطنين من المطلة وبين مطران الروم الكاثوليك. فقد طالب المطران باسترجاع 1000 دونم من أراضي المطلة، وخاض الجانبان معركة قضائية (أمام سلطات الاستعمار الفرنسي) استمرت لسنوات دون أن يُحسم أمرها. عندها توجهت مجموعة من دروز المنطقة إلى حاييم كالفاريسكي (الذي سبق ذكره في مقال سابق)، وعرضوا عليه المساعدة في طرد المطران ورجاله من الأرض، وعرضوا أن يقدموا شهادة في المحكمة تفيد بأن المستوطنين كانوا يملكون الأرض قبل المطران!!! ولم يذكر إيرلخ في كتابه إذا ما كان هؤلاء قد قدموا شهادتهم فعلا، أو ما إذا كان المستوطنون قد أخرجوا المطران من الأرض، لكن ما يعرفه الجميع أن أراضي المطلة اليوم في إيدي المستوطنين!

في سنة 1925 حاولت قيادات الحركة الصهيونية التواصل مع قيادات الدروز في سوريا، عقب ثورة الشعب السوري ضد الاستعمار الفرنسي، بل إنهم درسوا إمكانية تجنيد متطوعين يهود لمساعدة الدروز في الثورة، لكن بعض قادة الحركة الصهيونية أفشلوا الاقتراح.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المشروع الصهيوني، بصفته الكولونيالية الاستيطانية، لم يكن ليقدم خدمة كهذه لشعب ثائر ضد الاستعمار، وإنما كانت هذه محاولة اختراق للمجتمع السوري وثورته من خلال الدروز، علما أن هناك علامات تساؤل تاريخية تدور حول دور دروز سوريا في الثورة ضد الاستعمار الفرنسي! وهناك كتابات كثيرة تشكك في كون سلطان باشا الأطرش هو الذي قاد تلك الثورة أو فجرها، ومنها من ذكر أن تاريخ الثورة السورية ضد الاستعمار الفرنسي يجب إعادة كتابته وإعادة النظر في الكثير من تفاصيله… ويبقى هذا الموضوع مفتوحا أمام الباحثين والمؤرخين.

وبالتأكيد فإن العقود الثمانية الممتدة منذ 1948 تشير إلى نجاح المشروع الصهيوني في بناء علاقات وثقة جدا مع دروز سوريا بوسائل مختلفة، وهذا يفسره تدخل حكومة نتنياهو الحالية في أحداث السويداء عقب نجاح الثورة السورية وإسقاط نظام بشار الأسد. هكذا يمكن القول إن نشاط الحركة الصهيونية في سوريا من خلال علاقتهم مع الدروز امتد بين ثورتين، ولا يزال مستمرا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

4)

كما أشرت في المقالات السابقة، فقد كان الهمّ الأكبر للمشروع الصهيوني وللمستوطنين هو القضية الأمنية وتوفير الحماية للمستوطنات، وخاصة مستوطنات الشمال الحدودية. ولهذا استعانوا بالدروز، كما استعانوا بغيرهم من الموارنة والشيعة، ضد العمليات الفدائية الفلسطينية التي كانت تشن هجمات متتابعة على تلك المستوطنات. وكان لقيادات درزية محلية دينية وسياسية في فلسطين التاريخية دور في هذه القضية، من خلال تقديم معلومات حول تحركات القوميين العرب في لبنان وسوريا وفلسطين، كما أسهموا في وقف هجمات عصابات لصوص درزية – كما يذكر إيرلخ- من لبنان ضد المستوطنات. وكانت العلاقة المباشرة للقيادات الدرزية في فلسطين قبل النكبة مع آبا حوشي، الذي عُدّ من كبار قيادات المشروع الصهيوني، والذي أصبح لاحقا رئيسا لبلدية حيفا سنة 1951. وقد أنشأ آبا حوشي علاقات قوية مع دروز الكرمل وسوريا ولبنان منذ عشرينيات القرن الماضي، بدعم من يتسحاق بن تسفي، أحد كبار قادة الحركة الصهيونية، والذي أصبح لاحقا ثاني رئيس للدولة الإسرائيلية. وبإشراف من بن تسفي عقد إلياهو إيلات، مسؤول القسم العربي في الوكالة اليهودية، علاقات مباشرة مع قيادات درزية في لبنان أثناء دراسته في الجامعة الأمريكية في بيروت في الثلاثينات. ومن الشخصيات التي التقاها أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية سعيد حمادة، وكذلك نظيرة جنبلاط، والدة كمال جنبلاط، قائد التيار الجنبلاطي الذي كان في ذلك الوقت يؤيد دولة لبنانية انفصالية. وقد خاض هذا الجناح صراعا سياسيا وصراع هيمنة على القرار الدرزي مع التيار الأرسلاني الذي كان يدعم دولة لبنانية قومية مرتبطة بالمحيط العربي.

5)

في المقابل عملت قيادات الحركة الصهيونية على تحييد الدروز من دائرة الصراع على فلسطين، خاصة أثناء ثورة 1936، علما أن هناك دروزا قاتلوا إلى جانب جيش الإنقاذ، وغالبيتهم من الذين شاركوا في الثورة ضد الاستعمار الفرنسي في سوريا. وقد بذلت قيادات الحركة الصهيونية جهودا لدى القيادات الدينية الدرزية في البلاد وفي لبنان من أجل تحييد الدروز وإخراجهم من دائرة الصراع.

في سنة 1938 التقى إلياهو ساسون مع حسين حمادة، شيخ الطائفة في لبنان. وأثناء ذلك اللقاء أكد حمادة على العلاقة الوثيقة بين الدروز وبين الموارنة، خاصة فيما يتعلق بتأسيس دولة لبنانية انفصالية. كما أكد لساسون على أن زعماء الدروز والموارنة حريصون على فتح حوار جدّي مع اليهود من أجل التصدي للمسلمين السنة في المنطقة، وتصفية الوجود الفلسطيني في لبنان. وقد اتفق الاثنان على أن تمول الحركة الصهيونية كل نشاط يصبّ في هذا الهدف، وخاصة شراء تجار السلاح الدروز الذين كانوا يزودون المقاومة الفلسطينية بالسلاح. كما ذكر حسين حمادة في نفس اللقاء أن ابنه رشيد حسين حمادة عمل على منع الشبان الدروز في مجدل شمس في الهضبة السورية من الانضمام إلى قوات المقاومة الفلسطينية. ويذكر إيرلخ أن القنصل البريطاني في سوريا كان له دور في إقناع أسعد الكنج، أحد قيادات الدروز في مجدل شمس، بعدم دعم الثورة الفلسطينية، علما أن كنج كان قد نجح في تجنيد نحو 500 شاب درزي للمشاركة في المقاومة الفلسطينية.

6)

هكذا وجدت الحركة الصهيونية ضالتها في ضم الدروز أو قسم منهم بشكل عام إلى جانبها، أو على الأقل في تحييدهم من الصراع، حتى وصلت نقطة الحسم لهذه العلاقة من خلال مذكرة داخلية حول مصير علاقة المشروع الصهيوني بالدروز. وقد أوصت المذكرة بالتعاطي مع ملف الدروز بسياسة الخطوة خطوة وصولا إلى عقد ميثاق وثيق ودائم معهم، كما حدث فعلا في الخمسينات حين نجح المروع الصهيوني في دفع القيادة الدينية الدرزية في الداخل إلى توقيع “ميثاق الدم”، والذي ينص فيما ينص عليه بإلزام الشبان الدروز بالخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي. ورغم ذلك، وعندما بدأ الحديث عن قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين بدأت قيادات صهيونية ذات وزن العمل على تهجير الدروز من الجليل والكرمل إلى لبنان وسوريا، ضمن مخطط السيطرة على شمال فلسطين، الذي ضُم جزؤه الأكبر إلى الدولة اليهودية في قرار التقسيم. لكن هذه الخطة لم تخرج إلى حيز التنفيذ، وأفضى الأمر في نهاية المطاف إلى ما نعيشه اليوم.

7)

العلاقة مع المسلمين -السنّة

شكّل السنة في لبنان في أربعينيات القرن الماضي نحو 21% من مجموع سكان لبنان، ليكونوا القوة الثانية بعد الموارنة. وقد لاحظت الحركة الصهيونية أن المسلمين السنّة في لبنان يميلون في غالبيتهم إلى الهوية القومية العربية، وكانوا يعارضون خطة الاستعمار الفرنسي في إنشاء “لبنان الكبير”، بل دعوْا إلى ضم لبنان، أو على الأقل الأجزاء السنية منه إلى سوريا. وبعد ما يسمى “استقلال” لبنان تحول السنة إلى شريك أساس ومؤثر في الخارطة السياسية اللبنانية، إلى جانب الموارنة، مع مواصلة رفع شعار الانتماء للمحيط العربي ودعم الفلسطينيين في صراعهم مع المشروع الصهيوني.

إزاء هذا المشهد بذلك قيادات الحركة الصهيونية جهودا لإنشاء علاقات مع شخصيات سنيّة لبنانية ذات تأثير لتحقيق اختراق يخدم أهداف المشروع الصهيوني، خاصة ما يتعلق بالاستيطان من خلال شراء الأراضي في منطقة الجليل.

ويذكر إيرلخ أن الأمير خالد شهاب، وهو من سكان حاصبيا، باع أراضيه في سهل الحولة للصندوق القومي اليهودي، كما يذكر أن شخصيات من عائلة سلام كان لها دور مركزي في نقل ملكية أراض في سهل الحولة إلى شركة “تأهيل الاستيطان”، ومنهم سليم علي سلام، وابنه صائب سلام، الذي أصبح لاحقا لاعبا مركزيا في الساحة السياسية اللبنانية، وترأس الحكومة اللبنانية ست مرات بين 1952-1973. وقد عقد الأب وابنه مفاوضات لبيع أراض لشركة تأهيل الاستيطان. وقد وقّع صائب سلام- بحسب إيرلخ- اتفاقية مع موشيه شاريت لبيع حقوق الملكية في سهل الحولة. وكانت اعتبارات عائلة سلام وغيرها من عائلات الإقطاعيين، اقتصادية مصلحية ضيقة، أضرت – بطبيعة الحال- بسمعة أهل السنة في لبنان، وبدورهم المناهض مبدئيا للمشروع الصهيوني.

8)

إلى جانب ذلك أنشأت الوكالة اليهودية علاقات ذات طابع أمني وسياسي مع شخصيات إقطاعية سنيّة أخرى، ومنها رياض الصلح، الذي يعتبره كثيرون من قيادات الحركة القومية العربية!! وكان أول رئيس للحكومة اللبنانية بعد “الاستقلال”، وتولى رئاسة الحكومة عدة مرات، حتى اغتيل عام 1951 بتخطيط من الحزب القومي السوري. ومنها خير الدين الأحدب الذي كان رئيسا للحكومة اللبنانية تحت الاستعمار الفرنسي، أيثناء رئاسة إميل إدة بين السنوات 1937-1938. وكان الأحدب وخالد شهاب، الذي خلفه في رئاسة الحكومة، من أكثر المتعاونين مع المؤسسة المارونية أثناء رئاسة إدّة.

ويذكر إيرلخ أن خالد شهاب عقد العديد من اللقاءات مع قيادات صهيونية (قبل النكبة)، وكان في تلك اللقاءات يبلغهم بأنه ليست له مشكلة مع اليهود ومع الاستيطان، مُبديًا استعداده للتعاون الأمني من أجل منع تنفيذ هجمات على المستوطنات الحدودية!

9)

لم تكن أطماع المشروع الصهيوني منحصرة في فلسطين التاريخية، ولا بمجرد إنشاء علاقات مع الأطراف المختلفة في لبنان بدوافع أمنية وسياسية، وإنما كان من أهداف المشروع الوصول إلى نهر الليطاني والسيطرة عليه كمصدر للطاقة والري، كما كان الأمر بالنسبة لنهر اليرموك مع الأردن. بل إن أدبيات المشروع الصهيوني تشير بوضوح إلى أن السيطرة الكاملة وضم جنوب لبنان وصولا إلى الليطاني وصيدا هو جزء من أهداف المشروع الصهيوني، حتى أن حاييم وايزمان (أول رئيس للدولة الإسرائيلية بعد النكبة) كان قد اقترح إنشاء مصانع صغيرة في صيدا، برؤوس أموال من يهود روسيا.

وقد جرت محاولات عدة لضم جنوب لبنان إلى مخطط “الوطن القومي لليهود” أثناء الحرب العالمية الثانية، إذ طُرح الموضوع في مفاوضات بريطانيا وفرنسا حول ترسيم حدود سايكس بيكو بين لبنان وفلسطين التاريخية. وكان الموارنة لهم دور مركزي في هذه الخطة بسبب خشيتهم من الوزن الديمغرافي للجنوب كمعطل لمشروعهم في إنشاء دولة مسيحية انفصالية.

وبعدُ..

هكذا نفهم حقيقة ما يجري في لبنان اليوم، والزحف المتواصل للاحتلال الإسرائيلي في منطقة الجنوب، بذرائع أمنية هي في حقيقتها سعي لتحقيق حلم الهيمنة الكاملة على الجنوب حتى صيدا وضمه إلى مخطط إسرائيل الكبرى، علما أن مخطط إسرائيل الكبرى يتجاوز منطقة جنوب لبنان (وجنوب سوريا كذلك) بسنوات ضوئية. فلا تستغرب ما جرى ويجري الآن وما سيجري غدا. كما لا تستغرب مظاهر العمالة للمشروع الصهيوني الذي نراه الآن عيانا تحت شعار التطبيع أو السلام أو التعايش!! فالمشهد واحد، والهدف واحد، والذين يمكن أن يبيعوا دينهم وهويتهم وعروبتهم وانتماءهم من أجل مصالح خاصة ضيقة اقتصادية أو سياسية أو غيرها كُثر، وهم موجودون في كل وقت، وسيستمر هذا المشهد إلى أن يسدل الستار الأخير على هذه الملف… (انتهى).

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى