أخبار وتقاريرمقالاتومضات

لا، لن نلدغ من جحر واحد مرتين

الشيخ كمال خطيب

حين وقعت غزوة بدر التي كتب الله فيها النصر والتمكين للمسلمين، رغم أنها كانت أول معركة بين المسلمين وبين كفار قريش، ورغم أن المسلمين فيها كانوا قلّة في العدد والعدّة {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} آية 123 سورة آل عمران، فقد وقع من كفار قريش العديد من الأسرى كان أحدهم يسمى “أبو عزّة الجمحي”.

طلب أبو عزّة أن يؤتى به إلى رسول الله ﷺ، ولما وقف بين يديه استعطفه ليطلق سراحه شاكيًا من فقره وكثرة عياله، فقال: “لي خمس بنات ليس لهنّ شيء فتصدّق بي عليهنّ وإني أعاهدك أن لا أعود لقتالك بعد اليوم أبدًا”. فرقّ قلب النبي ﷺ وأطلق سراحه، وعاد أبو عزّة إلى مكة.

فلما كانت غزوة أحد نقض أبو عزّة العهد وخرج في صفوف كفار قريش لقتال النبي ﷺ والمسلمين، لكنه من سوء حظّه فإنه وقع أسيرًا بيد المسلمين مرة ثانية، فطلب أن يؤتى به إلى رسول الله ﷺ. ولمّا وقف بين يديه راح يستعطفه، فنظر إليه النبي ﷺ مبتسمًا يقول له: “لا تمسح عارضيك بمكة وتقول: سخرت من محمد مرتين، لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين”، ورفض أن يعفو عنه وأن يطلق سراحه إلا في تبادل للأسرى.

إنه الموقف الحازم والحاسم قد وقفه النبي ﷺ مع أبي عزّة الجمحي، وفيه خطّ قاعدة ومنهج تعامل المسلمين مع أعدائهم، بحيث لا يسمح المسلم لأعدائه أن يستغلوا إنسانيته وطيبته ونقاء سريرته، ليمرّروا من وراء ذلك خططهم وسياساتهم الخبيثة والحاقدة. فهكذا فهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه جملة رسول الله ﷺ: “لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين”، فقال عمر رضي الله عنه: “لست بالخبّ ولا الخبّ يخدعني” أي أنا لست خبيثًا ولكنني لا أسمح للخبثاء أن يخدعوني”.

 

لا تُسترد الحقوق بالاستجداء

ويوم أن اقتدى المسلمون برسول الله ﷺ وساروا على خطى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وطبّقوا هاتين القاعدتين، “لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين” و “لست بالخبّ ولا الخبّ يخدعني”، فإنهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه من عزّة ورفعة وسيادة. نعم لقد تعاملوا مع أعدائهم بأخلاق الإسلام في الحرب وفي السلم وفي الحياة السياسية والاجتماعية، لكنها عزّة المسلم التي حالت دون أن يجرؤ عليهم أحد، أو أن يتطاول عليهم قزم، أو يغتصب حقًا من حقوقهم أي حاقد ومغرور.

والعكس هو الصحيح، فها هم المسلمون يوم أن ابتعدوا عن نهج نبيّهم رسول الله ﷺ وعن نهج قائدهم الملهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد انحطّوا إلى الدرك الأسفل من مستنقع الذلّ والهوان. إنهم يتوسّلون ويترّجون ويستعطفون ويستجدون، مرة من مجلس الأمن، ومرة من الدول الظالمة الكبرى، بأن تتدخل من أجل إحقاق حقوقهم، ولكن لا حياة لمن تنادي.

 

مَلكنا هذهِ الدنيا قُرونا          وأخضَعَها جدودٌ خالدونا

وسطَّرنا صحائفَ من ضياءٍ     فما نسيَ الزمانُ ولا نسينا

حملناها سيوفًا لامعاتٍ           غداةَ الروعِ تأبى أنْ تلينا

وكنُّا حينَ يرمينا أناس            نُؤدِّبهمْ أباةً قادرينا

وكنَّا حينَ يأخُذنا عدوّ            بطغيانٍ ندوسُ لهُ الجبينا

وما فتىءَ الزمانُ يدور حتى     مضى بالمجدِ قومٌ آخرونا

وأصبحَ لا يُرى في الركبِ قومي    وقد عاشوا أئِمَّتَهُ سنينا

وآلمني وآلمَ كلّ حرٍ             سؤالُ الدهرِ: أين المسلمونا ؟

تُرى هل يرجعُ الماضي      فإني   أذوبُ لذلكَ الماضي حنينا

 

لقد لُدغ العرب والمسلمون من جحر واحد مرّة ومرّة ومرّة، لأنهم لم يعودوا مؤمنين، ولم يعودوا مسلمين حقًا، وإنما أغلبهم لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه. لُدغوا يوم النكبة، ولُدغوا يوم النكسة، ولُدغوا يوم احتلت بيروت، ولُدغوا يوم سقطت بغداد، واحتلت أرضهم، ودنّست مقدساتهم، ونهبت مقدّراتهم، بينما هم ينتظرون مجلس الأمن أن ينصفهم، والأنكى من ذلك أنهم يتمنون من أمريكا أن تنصفهم.

وعاشوا سادة في كل أرض       وعشنا في مواطننا عبيدا

إذا ما الفسق حلّ بأرض قوم      رأيت أسودها مسخت قرودا

لقد لُدغوا من جحر بريطانيا وفرنسا وروسيا يومها، وما يزالون يُلدغون من جحر أمريكا وإسرائيل اليوم وكل يوم.

 

أنا مسلم، أنا لا أقوم لأحد

تحكي كتب التاريخ أن بديع الزمان النورسي العالم والمجاهد التركي، عندما نشبت الحرب العالمية الأولى ودخلت فيها الدولة العثمانية الحرب ضد روسيا القيصرية، وقد انضم الشيخ سعيد النورسي للقتال وكان معه ثلاثة آلاف مقاتل من تلاميذه ومريديه، فخلال القتال أصيب الشيخ النورسي بجراح ثم وقع في الأسر وقد ذُهب به إلى سجن في سيبيريا.

وخلال فترة مكوثه في الأسر وفي السجن، فقد وقعت للشيخ النورسي حادثة كادت تودي بحياته وتقوده إِلى حبل المشنقة، وذلك حين وصل القائد العسكري الروسي “نيكولاي” ليتفقّد الأسرى، فكانت الصرخة من السجان للأسرى أن يقفوا احتفاء بقدوم القائد، وهكذا فعلوا إلا الشيخ سعيد النورسي فإنه ظلّ قاعدًا. نظر إليه القائد العسكري الروسي فاحتدّ وغضب وسأل أسيره العنيد عن سبب عدم قيامه له، فقال الشيخ النورسي: “أنا عالم من علماء المسلمين أعتزّ بديني، وعزّتي هذه تمنعني أن أقوم لأحد”.

زاد غضب القائد الروسي واحتدّ أكثر بسبب ما سمع، فأمر بتقديمه إِلى محكمة عسكرية والتي حكمت عليه بالإعدام. وعندما طُلب منه قبل تنفيذ الحكم أن يعتذر ويتراجع عمّا قاله فقد رفض رفضًا قاطعًا ثم استأذن أن يصلّي لله تعالى ركعتين، عندها أكبر فيه القائد الروسي تلك الشجاعة، فتقدّم منه وقال له: “لقد ظننت أنك قمت بعملك هذا قاصدًا إهانتي شخصيًا، ولكنني فهمت أنك كنت تنفذ ما تأمرك به عقيدتك ودينك، لذلك فقد أبطلت قرار المحكمة وإنني أهنئك على صلابتك ورجولتك وأنا أعتذر منك”.

إنه الفارق الكبير بين الأسير الكافر أبي عزّة الجمحي الذي راح يكذب ويتوسّل ويستجدي من أجل إطلاق سراحه ثم عاد ونقض العهد بعيدًا عن أخلاق الرجال وقد قال له النبي ﷺ بعدها ما قال، وبين الأسير المسلم سعيد النورسي الذي ظلّ صلبًا شامخًا عنيدًا لا يساوم ولا يتوسّل ولا يطأطئ الرأس وقد قال له القائد الروسي بعدها ما قال.

إنه الحال الذي تبدّل وتغيّر ليصبح فيه القادة المسلمون يقدّمون صكوك الطاعة لحكام الدول العظمى الذين يبتزون منهم المليارات، لا بل التريليونات، ويبنون في دولهم القواعد العسكرية الاحتلالية بزعم حمايتهم. إنهم أصبحوا يعتبرون أن مجرّد زيارتهم للبيت الأبيض أو الكرملين هو إنجاز كبير، ولعلّ منهم من أصبح يعتبر زيارته لتل أبيب ولكنيست إسرائيل هو الفوز العظيم.

إن موقف الشيخ سعيد النورسي هو الصورة الحقيقية وهو الهوية الحضارية التي رسمها علماء الأمة على مدار الزمان. إنها صورة المسلم العزيز الذي يستمد عزّته من دينه ومن عقيدته {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} آية 8 سورة المنافقون.

إنه المسلم الذي يرفض ويأبى عليه دينه أن يستمد وأن يبحث عن عزّته عند أعداء الإسلام يظنّ أنه سينالها إذا خضع وتمرّغ عند أقدامهم {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} آية 139-138 سورة النساء.

إنه الفارق إذن بين المسلم الذي يعتزّ بهويته ودينه مهما كان الثمن، المسلم الذي لا يُلدغ من جحر واحد مرتين، المسلم الذي لا يخدعه ثعالب السياسة أيًا كانوا، وبين المسلم المسخ والإمّعة الذي انسلخ عن هويته وعن دينه فأصبح ريشة في مهب ريح الأعداء.

أرى الملايين ليس لهم                 في عالم اليوم إجلال وإكبار

هانوا على الله لما أصبحوا دولًا      وبات يحكمهم في الناس سمسار

يا سيد الرسل قد باتت عروبتهم     سيفًا يهتك به للدين أستار

إن العروبة بالإسلام عزّتها          فان هوت غيرها فلتبكها الدار

 

عمّا قريب سيبدو قمرنا

إن مكر أعداء الإسلام ومخططاتهم تسعى إلى الوصول بنا إلى اليوم الذي نفقد فيه الأمل بنهضة الإسلام في دورة حضارية جديدة، بها يقود العالم وتكون عاصمة الخلافة الإسلامية هي مركز صنع القرار العالمي مثلما كانت يومًا المدينة المنورة، ومثلما كانت دمشق وبغداد وإسطنبول.

إن أعداء أمتنا وديننا يعلمون أننا أصبحنا في غفلة وجهل من تأثير أمضى سلاح نملكه، وهو ما قال عنه ﷺ: “نصرت بالرعب مسيرة شهر”. ولذلك فإنهم منشغلون ليلًا ونهارًا يمكرون ويكيدون {وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} آية 45 سورة إبراهيم، في سبيل تأخير ذلك اليوم الذي فيه تبدأ الأمة دورة حضارية جديدة تحت ظلال راية القرآن. إنهم يعلمون علم اليقين أن هذا سيكون كما قال الفيلسوف الفرنسي “جيب”: ليس السؤال هل سيعود الإسلام لحكم العالم أم لا وإنما السؤال كيف ومتى؟!

إن دراساتهم ومخابراتهم وأبحاثهم تتابع وترصد كل حركة وكل سكنة في العالم الإسلامي، إنهم يرصدون نبض الشارع ويرصدون ظاهرة الإلتزام والتديّن، ويتابعون ويرصدون ظهور مبدعين وقياديين في الجامعات. إنهم يضعون تحت مجهر مخابراتهم ظروف عملائهم وعكاكيزهم من أصحاب الجلالة والفخامة، ولذلك كانت دهشتهم وصدمتهم لأنهم فشلوا ولم يتوقعوا ثورات الربيع العربي في نسختها الأولى مطلع العام 2011، وستكون دهشتهم أعظم حين ستداهمهم ثورات الربيع الإسلامي في نسختها الجديدة القريبة بإذن الله تعالى.

يقول المفكر والمستشرق الفرنسي ألبير مشادور: “ومن يدري فلربما يعود ذلك اليوم الذي تصبح فيه بلاد الغرب مهددة بالمسلمين يهبطون من السماء لغزو العالم مرة أخرى. إنني لا أتنبأ لكن الأمارات الدّالة على هذا الاحتمال كثيرة، ولن تقوى الذرة ولا الصواريخ على وقف هذا التيار. إن المسلم قد استيقظ وها هو يصرخ ويقول: ها أنا ذا، إنني لم أمت ولن أقبل بعد اليوم أن أكون أداة تسيّرها العواصم الكبرى، لا لن أكون ريشة في مهبّ الريح.

الغريب أن أعداء الأمة يعرفون سرّ نهضتنا ومصدر قوّتنا وعزّتنا، ويحسبون لذلك الحسابات ويعدّون العدّة. وليس أن من أبناء الأمة من يجهلون ذلك، وإنما هم أصبحوا أداة قذرة بيد أعداء الإسلام لمحاولة إجهاض أي حلم، ووأد أي مبادرة، ومحاربة كل من يسعى لإيقاظ الأمة ورفع رايتها وتجميع مقدّراتها. إنهم يقومون بذلك نيابة عن الأعداء بل ويتقنون الدور والمهمة أكثر منهم.

إنه الأمل تتشرّبه قلوبنا، أننا بين يدي دورة جديدة من دورات تاريخ أمتنا وحضارتنا، ولن يحول دون ذلك كل قوى الأرض وطواغيتها وعملاؤهم، وإن أقصى ما يمكن أن يفعلوه هو إعاقة هذه الدورة وليس منعها. نعم لن نُلدغ من جحر واحد مرتين، ولن يخدعنا دهاقين السياسة، وعمّا قريب سيطلع قمرنا وستشرق شمسنا وترتفع راياتنا ويعلو صوت آذاننا، ولن يكون لخفافيش الليل إلا أن تختفي وتختبئ في جحورها وأوكارها، وإن غدًا لناظره قريب.

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.

 

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى