الصحافة في زمن الحروب.. من ناقل للحقيقة إلى ضحية لها

تجددت الدعوات الدولية لحماية الصحفيين وضمان حرية التعبير باعتبارها ركنا أساسيا لأي نظام ديمقراطي. ويأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام، والذي يوافق الثالث من مايو/أيار، وسط مؤشرات مقلقة تعكس تراجعا حادا في أوضاع حرية الإعلام عالميا.
إذ شهدت حرية التعبير -بحسب تغريدة للأمم المتحدة- أسوأ مستوياتها منذ أكثر من عقد، في ظل تصاعد القيود القانونية والسياسية، وتزايد استهداف الصحفيين في مناطق النزاعات.
وشدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في رسالته بهذه المناسبة على أن “كل الحريات تعتمد على حرية الصحافة”، مؤكدا أن غيابها يعني غياب حقوق الإنسان والتنمية المستدامة والسلام.
ويعكس هذا الطرح إدراكا أمميا متناميا لخطورة التحديات التي تواجه العمل الصحفي، في وقت تشير فيه تقارير دولية، من بينها منظمة “مراسلون بلا حدود”، إلى أن أكثر من نصف دول العالم باتت تُصنف ضمن البيئات “الصعبة” أو “الخطيرة جدا” للعمل الصحفي في ظل تصاعد خطاب معاد للإعلام وتدهور بيئة العمل المهنية.
وفي قلب هذا المشهد العالمي القاتم، يبرز قطاع غزة كواحد من أخطر البيئات على الصحفيين في العالم، وفق ما أكده بيان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الذي صدر بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة.
وأشار البيان إلى أن الصحفيين الفلسطينيين يعملون في ظروف “كارثية وغير مسبوقة” في ظل استمرار الحرب، حيث تحول العمل الصحفي إلى مهمة محفوفة بالمخاطر اليومية.
ووفق الأرقام الرسمية، ارتقى 262 صحفيا منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، في أعلى حصيلة مسجلة عالميا، وهو ما يعكس -بحسب البيان- وجود استهداف ممنهج لإسكات الرواية الفلسطينية ومنع نقل الحقيقة.
كما وثق البيان اعتقال 50 صحفيا وإصابة أكثر من 420 بجروح متفاوتة، وأدى بعضها إلى إعاقات دائمة، إلى جانب وجود 3 صحفيين في عداد المفقودين، في معطيات تعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها العاملون في القطاع الإعلامي.
ولا تقف دلالات هذه الأرقام عند حدود الإحصاء، بل تمتد إلى بعدها الرمزي والإنساني، إذ تحولت قضية الصحفيين الشهداء في غزة إلى محور تفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول المستخدمون صورهم وقصصهم بوصفهم “شهود الحقيقة”.
ومن أبرز الشهادات المؤثرة التي نقلها الناشط زايد السلمان، كلمات الصحفي الشهيد إسماعيل الغول الذي قال “لا أخجل أن أقف أمام الكاميرا وأقول أنا جائع”، في تعبير صادم عن واقع إنساني يعيشه الصحفيون إلى جانب تغطيتهم للأحداث.
هذا التفاعل الرقمي لم يكن مجرد تعاطف عابر، بل تحول إلى مساحة لإعادة طرح أسئلة أخلاقية عن دور الصحافة في مناطق النزاع، وحدود الحماية الدولية للصحفيين، في ظل ما يعتبره ناشطون “فشلا دوليا” في وقف استهدافهم.
وفي سياق التباين العالمي في أوضاع حرية الصحافة، برزت سوريا في عام 2026 كحالة لافتة بعد تسجيلها تقدما ملحوظا في مؤشر حرية الصحافة، إذ قفزت 36 مرتبة لتصل إلى المركز 141 عالميا بعد أن كانت ضمن المراتب المتأخرة خلال الأعوام الماضية.
ورغم استمرار تصنيفها ضمن البيئات عالية المخاطر، فإن هذا التحسن يعكس -وفق مؤشرات دولية- بداية تغير تدريجي في البيئة الإعلامية.
ورحب نادي الإعلاميين السوريين في قطر بهذا التقدم، معتبرا أنه يعزز دور الإعلام المهني في بناء الوعي ودعم الاستقرار، ويمثل خطوة نحو بيئة إعلامية أكثر انفتاحا وتطورا.
في المقابل، تبرز قطر كنموذج متقدم على المستوى الإقليمي في مجال حرية الصحافة، بعدما حافظت على صدارتها خليجيا للعام الثالث على التوالي، واحتلت المرتبة الثانية عربيا وفق مؤشر حرية الصحافة لعام 2026.
وبحسب بيانات المركز القطري للصحافة، تقدمت قطر إلى المرتبة 75 عالميا، مدفوعة بإصلاحات قانونية وتنظيمية عززت بيئة العمل الإعلامي، خاصة منذ استضافة كأس العالم 2022.
وفي سياق الانتهاكات التي تطال الصحفيين في مناطق النزاع، سلطت منظمة العفو الدولية الضوء على ما يجري في لبنان منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث قُتل ما لا يقل عن 11 صحفيا خلال الأعمال العدائية مع إسرائيل، وفق بيانات اتحاد الصحفيين في لبنان.
وأكدت المنظمة أنها وثقت استهداف القوات الإسرائيلية لصحفيين كانوا يؤدون عملهم بوضوح كأفراد من طواقم إعلامية، مما يثير مخاوف جدية بشأن احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
وشددت على أن استهداف الصحفيين في النزاعات المسلحة يُعد جريمة جسيمة ترقى إلى جريمة حرب، محذرة من أن غياب المساءلة قد يفتح الباب أمام تكرار هذه الانتهاكات مستقبلا.
وعلى المستوى الدولي، ترافقت هذه التفاعلات مع موجة تضامن من صحفيين ومؤسسات إعلامية حول العالم، حيث صدرت بيانات ومواقف تؤكد أن ما يجري في غزة يمثل اختبارا حقيقيا لمبادئ حرية الصحافة.
وأكد صحفيون من مناطق نزاع مختلفة أن تجربة غزة تعيد تعريف المخاطر المهنية، إذ لم يعد الصحفي مجرد ناقل للحدث، بل أصبح هدفا مباشرا له.
كما دعت اتحادات صحفية دولية إلى تحرك عاجل لتوفير حماية للصحفيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مشددة على أن استمرار استهداف الإعلاميين يقوض أحد أهم أعمدة الشفافية والعدالة في العالم.
وفي ظل هذا الإرث، فإن أي نقاش عن حرية الصحافة عالميا لا يمكن فصله عن المناخ السياسي في القوى الكبرى، وتأثيره في المعايير الدولية لحماية الصحفيين.
وبينما يحتفي العالم شكليا بحرية الصحافة، تكشف الوقائع -وخصوصا في غزة- عن فجوة عميقة بين المبادئ والتطبيق، حيث يدفع الصحفيون حياتهم ثمنا لنقل الحقيقة.
وبين بيانات الأمم المتحدة وأرقام الضحايا وتفاعلات الجمهور، تتشكل صورة معقدة لواقع إعلامي يواجه تحديات غير مسبوقة، لتجعل من هذا اليوم مناسبة ليس فقط للاحتفاء، بل لإعادة التفكير في آليات حماية الصحافة وضمان استمرارها كأداة أساسية لكشف الحقيقة.
