ويبقى الوعي والتربية الورقة الرابحة
مارية محاجنة
ليست السياسة مجرد قرارات تُتخذ في القصور، ولا الحروب مجرد مشاهد على شاشات الأخبار، بل هي انعكاس مباشر لما يسكن النفوس وما يستقر في المجتمعات من قيم أو خلل.
في إحدى الورشات السياسية التي شاركتُ فيها، وكان الحضور من جنسيات متعددة، دار النقاش حول دولةٍ منكوبة أثقلتها الحروب والنزاعات. حينها تحدثت امرأة عرّفت نفسها بأنها عاملة اجتماعية، تعمل في متابعة القضايا الأسرية والمظالم الاجتماعية، وقالت بمرارة إنها تتعامل مع أناس كأنهم لم يمرّوا أصلًا بتجربة حرب أو ظلم، وأن بأسهم بينهم شديد، وأنها ترى يوميًا فرقةً ومظالم وفجورًا يُضعف المجتمع من داخله أكثر مما تفعله الحروب من خارجه.
كان من الممكن أن يُجاب على كلامها بتحليل سياسي طويل عن موازين القوى وصراعات النفوذ، لكن المحاضر في العلوم السياسية اختصر المشهد كله بجملة واحدة: “استمري بعملك التربوي الإصلاحي حتى يأذن الله بالفرج”.
هذه العبارة وحدها كانت درسًا كاملًا؛ لأنها أعادت ترتيب الأولويات. فالمعركة الحقيقية ليست دائمًا على الحدود، بل كثيرًا ما تكون داخل الإنسان نفسه. والانتصار لا يبدأ من إسقاط نظام أو تغيير سلطة فحسب، بل من ترميم الإنسان الذي سيحمل مشروع العدالة بعد ذلك.
لا يمكن فصل السياسة عن التربية، ولا التربية عن الأخلاق، ولا الأخلاق عن الإيمان. فالمجتمع الذي تنهشه الأحقاد والأنانيات والظلم الداخلي، لن تصنع له الحرية وحدها نهضة، ولن تكفيه الشعارات الكبرى إن بقيت النفوس مهزومة.
ولهذا فإن دور المربي، والمعلم، والعامل الاجتماعي، والمصلح، ليس هامشيًا كما يُظن، بل هو في صميم معركة التحرر نفسها. لأن بناء الإنسان هو أعظم مشروع سياسي بعيد المدى، وهو الطريق الأصدق لأي فرج نرجوه.