معركة الوعي (283) العلاقات اللبنانية- الإسرائيلية سِجلٌّ حافلٌ بالعمالة للمشروع الصهيوني (2-4)

حامد اغبارية
1)
بدأت الحركة الصهيونية جهود التواصل مع معسكر إميل إدة، لكن بسبب وضع التيار الداخلي الضعيف كانت هناك صعوبات في التواصل، وتردُّد من طرف قادة الحركة الصهيونية الذين رأى بعضهم عدم نجاعة هذا التواصل مع تيار ضعيف لا يحقق أية نتائج. ولذلك قُدّم اقتراح لموشيه شاريت (الذي أصبح لاحقا ثاني رئيس حكومة إسرائيلية خلفا لبن غوريون)، للإطاحة بإميل إدة من رئاسة الجمهورية واستبداله بـ “ماروني آخر يكون مسيحيا وطنيا أكثر شجاعة”!! وهذا يعني من المنظور الصهيوني أن يملك الشجاعة في التعامل والتواصل مع المشروع الصهيوني والتحالف معه دون تردد أو خوف!!
2)
لم تكتف الحركة الصهيونية بربط علاقات مع إدة، وإنما تواصلت في ذات الوقت مع بشارة الخوري ومع شخصيات من معسكره، لكن هذه العلاقة كانت ضعيفة، بسبب ميل الخوري إلى ربط مستقبل لبنان المستقل بالمحيط العربي والجامعة العربية.
كان همّ قادة المشروع الصهيوني التواصل مع كل من يمكنها التواصل معه في لبنان، بغضّ النظر عن انتمائه، كي يحققوا أهداف المشروع من خلال من يجدونه مناسبا للمهمة.
وقد رأت الحركة الصهيونية، في نهاية المطاف، أن إميل إدة هو الشخص المناسب ليكون حليفا طبيعيا لها.
وبحسب ما يورده إيرلخ في كتابه، فإن إلياهو إيلات؛ أحد كبار مسؤولي القسم العربي في الوكالة اليهودية (والذي عيّن لاحقا سفيرا للدولة الإسرائيلية في واشنطن، ثم في لندن، ثم رئيسا للجامعة العبرية)، كان قد التقى إميل إدة أثناء دراسته في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1931، ثم في سنة 1934، وسمع منه شخصيا أنه يرى في “أرض إسرائيل اليهودية حليفا للبنان المسيحي المحرر والمحمي من الارتباط بالمحيط العربي وبسوريا”.
3)
عقب انتخابه رئيسا للبنان عام 1936 بدأ إدة التواصل مع الدائرة العربية في الوكالة اليهودية بواسطة إلياهو إيلات، الذي التقاه بطلب من حاييم وايزمان، الذي أصبح لاحقا أول رئيس للدولة الإسرائيلية. وقد سعى وايزمان إلى توقيع اتفاقية تعاون يهودية- لبنانية!
اقترح إيلات على إدة اتفاق تحالف لتعزيز العلاقات الاقتصادية والثقافية بين الطرفين، ويتيح إقامة شركات ومعامل مشتركة وعلاقات سياحية وثقافية واجتماعية، كما يسمح بالاستيطان اليهودي في لبنان. وقد أخبره إدة أن الموارنة في لبنان واليهود شركاء طبيعيون، وأن ثقافة الموارنة أعلى من ثقافة العرب (المسلمين)، وأن كلاهما يناضل من أجل الهدف نفسه، وهو إنشاء علاقة بين ثقافتي الشرق والغرب!!
4)
من المهم أن يفهم القارئ أن الموارنة في لبنان (وفي غيرها) لا يعتبرون أنفسهم عربا، بل مجموعة ذات خصوصية بوشائج وثقافة غربية. وكانوا، وما يزالون، يرون أنفسهم أعلى مرتبة وثقافة وذكاء وعلما ومعرفة من العرب والمسلمين، ولذلك كانوا يؤكدون طوال الوقت على قضية كونهم من غير العرب، بنظرة استعلائية عنصرية واضحة، ولذلك كان من السهل على المشروع الصهيوني تجنيدهم لصالح أهدافه، خاصة وأنهم يكنّون كراهية شديدة للمسلمين السنّة على وجه الخصوص. وقد وجدنا مثل هذا في بلادنا أثناء العدوان الإسرائيلي على المخيمات الفلسطينية في لبنان في حزيران 1982، عندما جاهر الموارنة في البلاد بأنهم ليسوا عربا، وبادروا إلى تغيير جنسيتهم في بطاقاتهم الشخصية، وكان سلوكهم ولسان حالهم ومقالهم داعما للعدوان على الفلسطينيين في لبنان.
في الطرف الآخر مارس موارنة لبنان، وفي مقدمتهم الكتائب اللبنانية، المجازر والقتل على الهوية ضد الفلسطينيين والمسلمين. وكان من أبرز مجازرهم مجزرة صبرا وشاتيلا التي نفذوها تحت حماية الاحتلال الإسرائيل عقب اغتيال بشير الجميل، لكنها لم تكن الوحيدة.
5)
وافق إميل إدة على بدء مفاوضات عملية مع الحركة الصهيونية تؤدي إلى تقيع اتفاق، لكنه اشترط موافقة المندوب السامي الفرنسي في بيروت.
وقد رأت الحركة الصهيونية أن هذا الشرط وضعه إدة لأنه كان يعرف أن المندوب السامي الفرنسي سيرفض الاتفاقية، واعتبرت أن إدة يتهرب، بسبب خشيته من فقدان مستقبله السياسي، لأنه في ذلك الوقت كان يعمل على التفاهم مع الجانب السنيّ بهدف التعاون معهم لتثبيت بقائه في السلطة، ولأجل ذلك بادر إلى دمجهم في الحكومة. يضاف إلى ذلك أنه كان هناك تيار لبناني واسع متعاطف مع الفلسطينيين، خاصة أثناء ثورة 1936. ورغم ذلك لم يتوقف إدة عن تواصله مع قادة الحركة الصهيونية سرا. ففي عام 1937 التقى حاييم وايزمان في باريس، وهناك أبلغه وايزمان أن هناك نية لدى الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين بينهم وبين الفلسطينيين (قبل عشر سنوات من صدور القرار فعليا، ما يعني أن التمكين للمشروع الصهيوني في فلسطين كانت قد وضعت له خطة مفصلة مسبقا)، وعندها هنأه إدة وبارك له كونه سيكون أول رئيس للدولة اليهودية العتيدة!! وقد استمرت علاقة إدة بالحركة الصهيونية رغم ضعف تأثيره في المشهد السياسي اللبناني مقابل ازدياد قوة معسكر بشارة الخوري.
في سنة 1946 التقى إدة بن غوريون في باريس، وعقب عودته إلى بيروت أرسل إليه طالبا مساعدة مالية بمبلع25 ألف ليرة (إسرائيلية!!) بهدف السيطرة على الحكم في لبنان، واعدا بأنه إذا نجح في السيطرة على السلطة فإنه سيكون مستعدا للتعاون مع اليهود، وتسليم جنوب لبنان (حتى نهر الليطاني) للاستيطان اليهودي. هذا الكلام يورده إيرلخ في كتابه، لكنه في مكان آخر يذكر أن مطران بيروت وقع لاحقا اتفاقية مفصلة مع الوكالة اليهودية، تضمنت تعهدا صهيونيا بعدم وجود أطماع للحركة الصهيونية في الأراضي اللبنانية، وأنها تعترف بالحدود الحالية للدولة اللبنانية. وربما أن الأمرين قد حدثا فعلا، فالحركة الصهيونية، كما تؤكد الوقائع، لا تلتزم بعهود ولا مواثيق.
6)
هنا لا بد من وقفة. فأطماع الحركة الصهيونية في جنوب لبنان قديمة، إذ أنها تعُدّ هذا الجزء من الأرض اللبنانية جزءا من أرض إسرائيل الكبرى. ولذلك نرى قضية الجنوب اللبناني حاضرة في كل تحرك عسكري أو سياسي إسرائيل حتى يومنا هذا الذي ما تزال الأعمال الحربية مستمرة فيه. وقد حاول الاحتلال السيطرة على جنوب لبنان طوال الوقت، وكل مرة بذريعة مختلفة. ففي آذار 1978 شنت القوات الإسرائيلية حملة عسكرية على جنوب لبنان حتى الليطاني بحجة ضرب المقاومة الفلسطينية هناك، وإبعادها عن الحدود الشمالية. واستمر الاحتلال ثلاثة أشهر، انسحبت بعده قوات الاحتلال بعد أن دفعت نحو ربع مليون من سكان الجنوب (غالبيتهم من الشيعة) إلى النزوح، وبنت لها جيشا عميلا هناك بقيادة سعد حداد. وكانت تلك الحملة جزءا من الحرب الأهلية اللبنانية (التي انتهت رسميا عام 1976)، وهدفها الحقيقي مساعدة الموارنة، الذين كانت تل أبيب تمدهم بالسلاح والأموال أثناء الحرب الأهلية. ثم تكرر المشهد في عدوان 1982.
7)
في ذات الفترة التي تواصلت فيها الحركة الصهيونية مع إميل إدة عملت على ربط علاقة وثيقة بالكنيسة المارونية أثمرت عن اتفاق تعاون بين الطرفين، كما سيأتي.
من جهته اقترح إدة على قادة الحركة الصهيونية إبرام حلف يهودي – مسيحي، وطلب نصائح عسكرية تساعده على تنفيذ انقلاب على الحكم، ومقابل ذلك أبدى استعداده لتقديم أسلحة أو أراض أو أموال للمشروع الصهيوني. وقد وصل الطلب إلى قائد عصابة “الهجانا” في ذلك الوقت، يغئال ألون، ومنه إلى بن غوريون، غير أن هذا الأمر لم ينته باتفاق عملي. وبعد سنة 1948 استمرت الاتصالات مع إميل إدة حتى وفاته سنة 1949، ما أدى إلى تراجع الاتصالات. ورغم ذلك لم ييأس قادة الحركة الصهيونية، وواصلوا تواصلهم مع جهات أخرى، وعلى رأسها بطريرك الكنيسة المارونية أنطوان بطرس عريضة، الذي كان لكنيسته تأثير واسع في أوساط الطائفة وعلى مستوى المشهد السياسي بشكل عام. وكانت الكنيسة تسعى إلى دولة لبنانية مسيحية خالصة، تستثني سائر الطيف الديني في البلاد، خاصة المسلمين السنة، وأسهمت كثيرا في تشكيل الإيديولوجيا المارونية التي ترفض الانتماء إلى العروبة، وتحمل نفسية الاستعلاء الثقافي والفكري والديني على المسلمين الذين تعتبرهم أقل درجة وأقل ثقافة وتحضرا. وكان عداء عريضة للمسلمين شديدا، وقد عبر عنه أمام قيادات الحركة الصهيونية أكثر من مرة، كما عبر عن دعمه للمشروع الصهيوني دون تحفظ، معتبرا أنه الضامن الوحيد لحماية لبنان المسيحية!!
8)
ومثل عريضة، كان مطران بيروت أغناطيوس مبارك الذي كان متحمسا جدا لدعم المشروع الصهيوني، معلنا تأييده “لإقامة وطن قومي لليهود” في فلسطين، لأن قيام دولة لليهود سيوفر الأمن والدفاع عن لبنان المسيحي!! وكان مبارك هذا قد وقع اتفاقية تعاون مع الحركة الصهيونية في القدس في أيار 1946. ووفق هذه الاتفاقية تعترف الكنيسة المارونية بمطلب اليهود إقامة دولة لهم، وفي المقابل تدعم الحركة الصهيونية قيام دولة لبنانية مسيحية مستقلة. وتشمل الاتفاقية كذلك التعاون بين الطرفين في المحافل الدولية لإفشال أي مخطط يعمل على الإضرار بأهداف الموارنة وأهداف الحركة الصهيونية. وقد اشترط مبارك أن تبقى الاتفاقية سريّة!!!
ومن أجل تنفيذ هذه الاتفاقية بشكل عملي أرسلت الكنيسة المارونية الصحافي إلياس حرفوش إلى الولايات المتحدة، عام 1946، بدعم من إميل إدة (رئيس الجمهورية)، لتجنيد الجالية المارونية لصالح التعاون مع المشروع الصهيوني، ودعم سعي الموارنة إلى دولة مسيحية، وإلى مواجهة ما سمَّوْه نوايا الدول المسلمة، وخاصة سوريا، السيطرة على لبنان وإلغاء طابعها المسيحي. وعقب هذه الخطوة قررت الوكالة اليهودية دعم مسؤول الجالية المارونية في أمريكا، سلوم مكرزل في إصدار مجلة باسم “الهدى” تنادي بلبنان مسيحي وانفصالي لا علاقة له بالعرب. وهذا يشبه إلى حد كبير ما تفعله الجالية القبطية المصرية في أمريكا، والتي تسعى إلى إنشاء دولة قبطية مستقلة في مصر!
9)
في عام 1947، وصلت إلى لبنان لجنة خاصة من الأمم المتحدة تحت شعار “بحث الأوضاع في لبنان”. وقد استمعت اللجنة إلى شخصيات لبنانية عديدة، ومنها إميل إدة الذي شدد على أنه لا وجود للبنان المسيحي من دون وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد تحدث البطريرك عريضة بنفس الروح، أما المطران مبارك فكان أكثر صراحة ووضوحا عندما قال إن تطور لبنان مرتبط بقوة بتطور “أرض إسرائيل”، وإن الصهيونية تأتي بالحضارة إلى “أرض إسرائيل” وكل الشرق الأوسط!!
في المقابل، ومن أجل تقوية هذا التيار الانفصالي أمام موجة الانتقادات والهجوم على البطريرك والمطران خصصت الوكالة اليهودية مبلغ 25 ألف ليرة لدعم النشاط الانفصالي الذي تقوده الكنيسة، إضافة إلى 10 آلاف ليرة لتمويل نشاطات المطران مبارك، وخمسة آلاف ليرة لدعم “الكتائب اللبنانية”، ومبلغ مماثل لدعم “الكتلة الوطنية” أثناء الانتخابات، ومبلغ مماثل للدعاية والأعلام في لبنان وفي أوساط الجالية في أمريكا!
10)
في أيلول 1947، وعلى خلفية الصراع بن المطران مبارك وبين الرئيس بشارة الخوري وجه مبارك رسالة إلى الوكالة اليهودية طالبا دعمها له في مواجه الرئيس بذريعة أن الحكومة اللبنانية أعلنت عليه الحرب، وطلب تزويده بخطة سياسية-عسكرية لتنظيم انتفاضة مسيحية ضد الحكومة، كما طلب تزويده بالسلاح والخبراء، إضافة إلى تدريب شبان مسيحيين في معسكرات العصابات الصهيونية. وقد وجهت الوكالة اليهودية له مبلغ 25 ألف ليرة، كما يذكر إيرلخ في كتابه. (يتبع).