صحيفة: انسحاب الإمارات من أوبك يكشف عمق الخلاف مع السعودية

أثار إعلان دولة الإمارات انسحابها من منظمة أوبك موجة واسعة من التساؤلات بشأن مستقبل علاقتها مع السعودية، بعدما اعتبرت الخطوة مؤشرًا واضحًا على اتساع فجوة الخلاف بين البلدين.
وكشفت صحيفة نيويورك تايمز أن قرار دولة الإمارات العربية المتحدة الانسحاب من منظمة أوبك أحدث صدمة سياسية واقتصادية واسعة في الشرق الأوسط، معتبرة أن الخطوة لا يمكن فصلها عن التدهور المتسارع في علاقات أبوظبي مع الرياض، ولا عن المسار الجديد الذي بدأت الإمارات ترسمه لنفسها بعيدًا عن الاصطفافات الخليجية التقليدية التي حكمت المنطقة خلال السنوات الماضية.
وأشارت الصحيفة إلى أنه بينما كانت المملكة العربية السعودية تستعد، الثلاثاء، لاستضافة قمة قادة دول الخليج العربي، كان مراقبون ومعلقون سياسيون في الإمارات يلمحون عبر منصات التواصل إلى قرب صدور قرار كبير، بعد أسابيع من تصاعد حالة الاستياء داخل أبوظبي من أداء عدد من العواصم الخليجية، وما وصفته الأوساط الإماراتية بالمواقف المتساهلة تجاه إيران، عقب إطلاق طهران آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة على دول الخليج ردًا على القصف الأمريكي والإسرائيلي.
وتابعت أن كثيرا من المحللين توقعوا أن تُظهر الإمارات هذا الانزعاج خلال كلماتها في القمة الخليجية، إلا أن المفاجأة جاءت في توقيت أكثر حدة، إذ أعلنت الحكومة الإماراتية، بالتزامن مع افتتاح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أعمال الاجتماع، انسحابها رسميًا من منظمة أوبك، المنظمة التي تضم كبار منتجي النفط في العالم وتملك تأثيرًا مباشرًا على أسعار الطاقة الدولية.
وأكدت الصحيفة أن المسؤولين الإماراتيين برروا القرار بأنه يهدف إلى منح بلادهم حرية أكبر في زيادة الإنتاج النفطي بشكل منفرد وتلبية احتياجات السوق على المدى الطويل، غير أن الرسالة السياسية الأوضح ـ بحسب التقرير ـ كانت أن الإمارات لم تعد راغبة في البقاء داخل إطار تتحكم السعودية في مساره العام بوصفها القائد الفعلي للمنظمة.
وأشارت إلى أن توقيت الإعلان، سواء جاء مدروسًا أو بالتزامن العابر، حمل دلالة رمزية قوية على التحولات التي يعيشها الشرق الأوسط منذ اندلاع الحرب الأخيرة، موضحة أن أبوظبي بعثت بإشارة مباشرة إلى استعدادها لاتخاذ قرارات حاسمة تخدم مصالحها الوطنية حتى لو تعارضت مع التفاهمات التقليدية أو التحالفات القائمة داخل الخليج.
ونقلت الصحيفة عن الباحثة المقيمة في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، كريستين ديوان، قولها إن ما حدث يمثل “إعلان استقلال إماراتي”، موضحة أن الإماراتيين لم يعودوا يرون أنفسهم ملزمين بالمؤسسات الإقليمية التي لا تنسجم مع أولوياتهم الاقتصادية والسياسية.
وتابعت الصحيفة أن بروز الإمارات بهذا الشكل المستقل لا يقتصر أثره على الخليج وحده، بل يمتد إلى الأسواق والصراعات الدولية، في ظل ما تمتلكه الدولة من ثروة سيادية تتجاوز تريليوني دولار، مكّنتها خلال السنوات الأخيرة من توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي إلى مساحات تتجاوز حجمها الجغرافي.
وأكد التقرير أن وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي حاول احتواء التأويلات السياسية للخطوة، مشيرًا في مقابلة مع الصحيفة إلى أن الانسحاب من أوبك “لا يرتبط بأي منتج بعينه”، وأن السعودية والإمارات “شقيقان” يقفان معًا في مواجهة تداعيات الحرب، إلا أن الصحيفة لفتت إلى أن هذه التصريحات لم تنجح في حجب حقيقة التوتر المتزايد بين البلدين.
وأشارت إلى أن الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله وصف ما يجري بأنه ولادة “دولة جديدة” في سلوكها السياسي، موضحًا أن الإمارات بدأت تتصرف إقليميًا ودوليًا وفق حساباتها الخاصة، لا وفق الإيقاع الجماعي العربي أو الخليجي المعتاد.
وتابعت أن أبوظبي دأبت خلال السنوات الأخيرة على التأكيد بأن أولويتها القصوى أصبحت حماية مصالحها الاقتصادية، معبّرة مرارًا عن ضيقها من حصص الإنتاج التي فرضتها أوبك، والتي حدّت من قدرتها على ضخ مزيد من النفط رغم توسع استثماراتها الإنتاجية.
وأضافت الصحيفة أن الخلافات بين الإمارات والسعودية لم تعد محصورة في ملف النفط، بل امتدت إلى سلسلة من القضايا الإقليمية. ففي الوقت الذي عززت فيه أبوظبي تحالفها مع إسرائيل، حافظت عواصم عربية أخرى على قدر من الحذر أو النأي بالنفس. وفي اليمن، دعمت الإمارات تمردًا مسلحًا أثار غضب القيادة السعودية الداعمة للحكومة الشرعية هناك.
كما أشارت إلى أن التباين ظهر بوضوح في السودان، حيث دعمت السعودية ومصر الحكومة، بينما وقفت الإمارات خلف جماعة شبه عسكرية منافسة، رغم نفي المسؤولين الإماراتيين المتكرر إرسال أسلحة إلى قوات الدعم السريع، على الرغم من تزايد المؤشرات التي تتحدث عن عكس ذلك.
وأكدت الصحيفة أن هذا الشرخ بين الرياض وأبوظبي يتعمق منذ سنوات ويصل إلى أعلى هرم السلطة في البلدين، إذ إن العلاقة التي جمعت سابقًا بين الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد كشريكين وثيقين، خاصة منذ تدخلهما المشترك في اليمن عام 2015، تحولت تدريجيًا إلى علاقة تتخللها حسابات متعارضة ورؤيتان مختلفتان تمامًا لشكل الشرق الأوسط ومستقبله.
وأشارت إلى أن هذا التباعد برز بوضوح أكبر خلال الأشهر الأخيرة، ثم ازداد حدة مع اندلاع الحرب مع إيران، لاسيما أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي الذي بدأ في 28 فبراير دفع طهران إلى توجيه معظم ردودها نحو دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية.
وتابعت أن هذه الهجمات، بدلًا من أن توحد الصف الخليجي في مواجهة خصم مشترك، ساهمت في تعميق الانقسام بين العواصم الخليجية، حيث بدأت كل دولة تبحث عن صيغة منفردة لحماية نفسها وإدارة مصالحها.
وأكدت الصحيفة أن الإمارات اتخذت خلال هذه المرحلة سلسلة خطوات لإعادة تقييم علاقاتها الثقافية والاقتصادية الطويلة مع إيران، في حين أدانت السعودية طهران بلهجة أكثر حدة، لكنها في الوقت نفسه دعمت الجهود التي تقودها باكستان لإيجاد مخرج دبلوماسي للحرب، وهي مبادرة حافظت أبوظبي على مسافة واضحة منها.
وأشارت إلى أن مسؤولين إماراتيين عبّروا أكثر من مرة عن خيبة أملهم من أداء المنظمات العربية والإسلامية متعددة الأطراف، ملمحين إلى أنهم كانوا يتوقعون موقفًا أكثر تشددًا في مواجهة إيران، وهو ما عبّر عنه المسؤول الإماراتي أنور قرقاش خلال مؤتمر في دبي حين قال إن كل دولة خليجية امتلكت سياسة خاصة لاحتواء إيران، لكن جميع هذه السياسات فشلت فشلًا ذريعًا، مضيفًا أن التضامن الخليجي لم يكن على مستوى التحدي الذي فرضته الحرب.
وتابعت الصحيفة أن دول الخليج بدأت أيضًا في إعادة النظر في علاقتها بالولايات المتحدة، بعدما اكتشفت أن واشنطن، رغم كونها الضامن الأمني الرئيسي للمنطقة لعقود، لم تتمكن من توفير حماية كاملة من وابل الهجمات الإيرانية.
ونقلت عن كريستين ديوان قولها إن جميع دول المنطقة تتأقلم الآن مع حقيقة أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تقديم المظلة الأمنية التي اعتادت عليها، وهو ما يدفع كل دولة إلى رسم مسارها الخاص بعيدًا عن أي توافق جماعي.
وأكدت الصحيفة أن ملف النفط ظل لسنوات العنوان الأوضح للخلاف بين الإمارات والسعودية، موضحة أن أبوظبي تتبنى استراتيجية تقوم على تعظيم الإنتاج وبيع أكبر كمية ممكنة من النفط قبل أن تتراجع أهمية الوقود الأحفوري عالميًا، بينما تسعى السعودية في المقابل إلى الحفاظ على أسعار مرتفعة على المدى الطويل، وهو ما يتطلب تقييد إنتاج أعضاء أوبك وبينهم الإمارات.
وأشارت إلى أن السعودية، بحكم حجمها الكبير واعتمادها الواسع على العائدات النفطية، تحتاج إلى أسعار مرتفعة لتمويل ميزانيتها ومشروعات ولي العهد الضخمة لتحويل المملكة إلى مركز تجاري وسياحي عالمي، في حين لا ترى الإمارات نفسها مضطرة لاتباع المنطق ذاته.
ونقلت الصحيفة عن كبير المحللين في شركة أبحاث السلع “أرغوس ميديا” بشار الحلبي قوله إن السعودية تسعى للحفاظ على أسواق النفط لعقود قادمة، بينما لا تشعر الإمارات بالحاجة الملحة نفسها، وهو ما يفسر اندفاعها نحو التحرر من قيود أوبك.
وتابعت أن قرار الانسحاب وزيادة الإنتاج قد يلقى ترحيبًا داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تواجه ضغوطًا سياسية متصاعدة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، ما يجعل أي زيادة في الإمدادات العالمية عنصرًا مساعدًا لواشنطن في هذه المرحلة الحساسة.
وأكدت الصحيفة أن الجدل داخل الإمارات لم يتوقف عند حدود أوبك، إذ بدأ مسؤولون ومعلقون مقربون من الحكومة في طرح تساؤلات علنية حول الخطوات التالية، بما في ذلك احتمال تجميد العضوية أو الانسحاب من جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي أو منظمة التعاون الإسلامي، في إطار التوجه الأشمل نحو تقليص الالتزام بالمؤسسات متعددة الأطراف.
وأشارت إلى أن عبد الخالق عبد الله لم يستبعد أن يكون القرار التالي متعلقًا بجامعة الدول العربية، سواء عبر تجميد العضوية أو وقف التمويل الإماراتي للمنظمة، إن لم يصل الأمر إلى انسحاب كامل.
وتابعت الصحيفة أن الباحثة كريستين ديوان رأت أن الإمارات بقيت داخل أوبك طوال السنوات الماضية مراعاةً للسعودية، لكن إعلان الثلاثاء أوضح بما لا يدع مجالًا للشك أن أبوظبي لم تعد مستعدة للخضوع للقيادة السعودية أو إبقاء مصالحها مرهونة بالتوافقات الخليجية القديمة.
وختمت الصحيفة بالإشارة إلى أن الباحث الإماراتي طارق العتيبة كان قد تنبأ بهذه اللحظة في مقال نشره الأسبوع الماضي بعنوان “الوعد الزائف للتضامن العربي”، معتبرًا أن الحرب كشفت من هم الأصدقاء الحقيقيون، وأن السؤال لم يعد ما إذا كانت أبوظبي ستتذكر مواقف محيطها، بل كيف سيبدو العالم العربي عندما تقرر الإمارات المضي أبعد في طريق الانفصال السياسي عن مؤسساته التقليدية.