حربا إيران وغزة… اختبار جدي لعلاقة بريطانيا مع إسرائيل والحلفاء العرب

لا حاجة إلى استطلاعات رأي لإثبات الحضيض الذي وصلت إليه سمعة إسرائيل بين البريطانيين. في كل المسيرات، منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة والعدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران تسمع مؤسسات الحكم البريطانية شعارات غاضبة تصف إسرائيل بأوصاف لم تكن متصورة من قبل، وأبطلت فعالية اللوبي الإسرائيلي في ترهيب السياسيين البريطانيين.
وهذا هو حزب الخضر، الذي لديه سبعة نواب في مجلسي اللوردات والعموم، ونحو 950 عضوًا في المجالس المحلية، يصف إسرائيل، دون تردد، بالدولة المارقة، المقترفة جرائم الإبادة الجماعية، المنتهكة للقانون الدولي. رغم كل هذه الشقوق الواضحة في صنم إسرائيل، والخسائر التي تتكبدها بريطانيا بسبب إجرامها، لا يبدو أن لدى السلطات البريطانية استعدادًا لمجرد التفكير في مراجعة العلاقة مع إسرائيل
نتنياهو شيء وإسرائيل شيء آخر
منذ اعترفت بريطانيا، في سبتمبر/أيلول الماضي بالدولة الفلسطينية، تسوق آلة الترويج الدعائي لحزب العمال الحاكم الاعتراف دليلًا على “إنصاف” بريطانيا لحقوق الشعب الفلسطيني و”تفهمًا” لمعاناته وللغضب الشعبي في الشرق الأوسط على إسرائيل وتأييد الغرب، بما فيه، بريطانيا لها. وجاء تجميد بريطانيا 29 ترخيصًا فقط من إجمالي 350 لتزويد إسرائيل بقطع غيار عسكرية، ليضخ بعض الدم في حملة سياسية يائسة تحاول غسل صورة بريطانيا المتواطئة مع جرائم إسرائيل.
يبدو أن الحملة أتت ببعض الثمار، ومنها ترويج الانطباع بأن العلاقات بين المملكة المتحدة وإسرائيل “تدهورت بشكل ملحوظ”، كما يعتقد كريس دويل، مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني (كابو)، منذ الانتخابات العامة التي جاءت بحزب العمال للحكم وكير ستارمر رئيسًا للحكومة في العام 2024.
وفي تصريحات صحفية، يسوق دويل فرض بريطانيا “حظر التراخيص الجزئي”، وعقوبات على وزيريها المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، دليلًا على هذا التدهور. ويضيف: “يبدو أن هناك تواصلًا محدودًا على مستوى (بريطاني) رفيع مع القادة الإسرائيليين”.
غير أن الحظر الجزئي لم يكن سوى “إجراء ذي مغزى رمزي ولن يحدث أي فرق عملي مؤثر على سير الحرب على غزة”، كما يقول أزريل بيرمانت، ومايكل ستيفينس، الخبيران في المعهد الملكي للخدمات المتحدة “روسي”. ورغم أن الخبيرين يريان، في رؤيتهما التي نشرها “روسي”، أخيرًا، أنه “لا شك أن العلاقات بين إسرائيل والمملكة المتحدة قد تدهورت بشكل لافت” بسبب حرب إسرائيل على غزة، فإنهما يعتقدان أن البريطانيين حريصون على التأكيد على رمزية أي إجراء “لأن بريطانيا مهتمة بأن تبين للرأي العام الإسرائيلي بأن إجراءاتها موجهة إلى حكومة (بنيامين) نتنياهو وليس إلى الدولة (الإسرائيلية) ككل”.
فمؤسسة الحكم البريطانية قد تختلف مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لكنها لا تقف في وجه إسرائيل بوصفها كيانًا هدفه الصريح هو الهيمنة على الشرق الأوسط. وأبرز الشواهد هو موقف بريطانيا الفعلي من احتلال الأراضي الفلسطينية. فرغم أن سياستها المعلنة هي أن الاستيطان غير مشروع، والاحتلال مرفوض، وضم الأراضي بالقوة غير قانوني، فإن أفعال لندن تؤيد الاستيطان، عبر تمكين المستوطنات من تصريف منتجاتها في الأسواق البريطانية، وتبرير أفعال تل أبيب باعتبارها “دفاعًا عن النفس”، حتى بعد جرائم الإبادة الإسرائيلية في فلسطين. بل إن بريطانيا سارعت لدعم الجيش الإسرائيلي، تسليحيًا واستخباراتيًا، بعد عملية طوفان الأقصى. ووصلت سياسة دعم إسرائيل إلى حد استهانة صانع القرار البريطاني بالمحكمة الجنائية الدولية، التي لطالما فاخرت لندن لسنوات بأنها من رواد تأسيسها أداةً لتحقيق العدالة الجنائية الدولية، بعد إصدارها أمرين باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزير الأمن السابق يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وبدا واضحًا أن الهدف هو ألا تُلطُّخ سمعة إسرائيل بالعار في سجلات العدالة الجنائية الدولية.
بريطانيا لم تدن الحرب على إيران
لا يختلف موقف بريطانيا من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران كثيرًا عن موقفها من فلسطين. فلم تدن بريطانيا حربًا غير مبررة أطلقت شرارة نيران تحرق المنطقة، وسكتت عن وصفها بالوصف المستحق، وهو “غير شرعية”، وأتاحت قواعدها للجيش الأميركي لمساعدته في عملياته العسكرية ليستمر بتدمير إيران. ولم تظهر، حتى الآن، بوادر تشير إلى أن مؤسسة الحكم في بريطانيا تعبأ بالخسائر في الاقتصاد والسمعة الدولية والإقليمية بين حلفاء الخليج، الذين يُوصفون بالاستراتيجيين، ولا حتى باحتمال أن يُمنى حزب العمال الحاكم بخسائر فادحة في الانتخابات المحلية في السابع من الشهر المقبل.
هذه اللامبالاة تنبئ بأن المملكة المتحدة لن تعيد تقييم العلاقة مع إسرائيل “إلا إذا واجهت انهيارًا طويل الأمد في الشرق الأوسط”، كما يقول البروفيسور سكوت لوكاس أستاذ السياسة الدولية في معهد كلينتون بجامعة كوليدج دبلن. وهذا الانهيار “يجعل البريطانيين يقولون لأنفسهم: هذا ما جلبته الولايات المتحدة وإسرائيل من زعزعة الاستقرار في المنطقة، ومن ثم يتعين تقييم جدوى العمل معهما في المستقبل”. لكن الخبير الأيرلندي يستدرك، في تصريحات صحفية، بالإشارة إلى أن السؤال هو “إلى أي مدى يمكن أن تذهب (بريطانيا) في تغيير هذه العلاقة”. وينبه إلى أن هذا التغيير يتعين أن يراعي هجوم الإعلام المؤيد لإسرائيل، وعلى رأسه شبكة “جي بي نيوز” المرتبطة بحزب الإصلاح اليميني، الذي قد يتهم هيئات حزب العمال بالعداء للسامية، كما “ينبغي أن يضع في الاعتبار علاقة بريطانيا مع الولايات المتحدة”.
ويؤيد مدير “كابو” كريس دويل، الدعوة لإعادة النظر في العلاقات بين لندن وتل أبيب في ظل “سلوك إسرائيل العدواني وغير القانوني، والذي يُشبه سلوك دولة مارقة”، الأمر الذي يتوجب معه على بريطانيا “فرض المزيد من العقوبات على إسرائيل، وفرض حظر كامل وشامل على جميع أشكال التجارة والخدمات المالية مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية”. وتلقى هذه الدعوة قوة دفع شعبية أثمرت تراجع نواب بارزين عن تأييدهم التاريخي لإسرائيل، ومن أبرزهم مارك بريتشارد، عضو البرلمان عن حزب العمال لأكثر من 21 عامًا.
ماذا تقول الوثائق؟
لماذا تصر بريطانيا على هذا الموقف من إسرائيل دون أي بادرة لمجرد التوقف للتفكير في حسابات المكاسب والخسائر؟ الوثائق أصدق إنباء من السياسيين، إذ تكشف أن طبيعة العلاقة بين بريطانيا وإسرائيل ليست علاقة تحالف استراتيجي خاصة، كالعلاقة مع الولايات المتحدة، بل هي علاقة تعتبر التجمع الصهيوني في فلسطين امتدادًا عضويًا لجسد المملكة المتحدة، أيًا يكن انتماء حكامها السياسي. ووفق وثائق وزارة الخارجية البريطانية، فإنه متى طلب العرب من بريطانيا الضغط على إسرائيل للانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967 شرطًا لأي تسوية تفضي إلى إقامة علاقات طبيعية معها، يبدي البريطانيون تفهمًا، لكنه مشروط بأن لإسرائيل أن تحدد مساحات الانسحاب والمقابل الذي ينبغي أن يدفعه العرب. ولعل موقف بريطانيا من مسألة القدس، ذات الأهمية البالغة للعرب والمسلمين في أنحاء العالم، يوضح بجلاء أن أهمية إسرائيل بالنسبة للبريطانيين تفوق أهمية العرب ونفطهم. ففي لقاء جمع وزير الخارجية البريطاني الأسبق ديفيد أوين، مع وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل، في جدة في 12 مايو/أيار 1977، قال السفير البريطاني الأسبق لدى الرياض آرثر جون ويلتون، دون تردد، أنه “من الصعب تصور أنه يمكن الآن تحت أي ظرف أن يُؤتى بالإسرائيليين للتنازل عن القدس”.
نخبة “لا تعرف حتى معنى الصهيونية”
يصف دانيال ليفي، رئيس منظمة “مشروع الولايات المتحدة للشرق الأوسط”، هذه العلاقة بأنها “متفردة”. فإسرائيل، التي تحمل شهادة ميلادها خاتمًا بريطانيًا وضعه وعد بلفور الشهير، “كانت جزءًا من الإمبراطورية البريطانية، وهي (الآن) مستعمرة بريطانية في إطار دعم المشروع الصهيوني”. ويضيف ليفي، المستشار السابق للحكومة الإسرائيلية والمفاوض السابق مع منظمة التحرير الفلسطينية خلال مفاوضات أوسلو أن وضع إسرائيل المتفرد بالنسبة لبريطانيا “مستمر حتى يومنا هذا، رغم مرور عقود على احتلال إسرائيل لفلسطين الانتدابية”. ورغم أنه “من الصعب أن نرى استفادة بريطانيا من هذا”، فإن “هذا يبدو التزامًا تاريخيًا لا يتزعزع متجذرًا في النهج الأبيض السياسي البريطاني”. وهذا ما يفسر، كما يقول ليفي، في تصريحات صحفية، “تجذر هذا الالتزام في الخطاب السياسي البريطاني” وفي “تحيزات النخبة البريطانية التي لم تفكر في الأمر بجدية، ولا تعرف حتى ماذا تعني الصهيونية”.
في أي ظرف، إذًا، يمكن أن تعيد بريطانيا النظر في العلاقة مع إسرائيل؟ يرى البروفيسور سكوت لوكاس أن الحربين الإسرائيلية على غزة والأميركية الإسرائيلية على إيران وتبعاتهما تشجعان على “إعادة ترتيب فعلي للتحالفات في السياسة الدولية في ظل أن إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب لا يُعتمد عليها ولا تؤمن بالتحالفات، وأيضًا في ظل زعزعة الاستقرار في أنحاء الشرق الأوسط وإيران”. وبرأيه، فإن المصلحة البريطانية هي تاريخيًا مع العرب وإيران، ما يجعل لدول الخليج، من الناحية الاقتصادية والعسكرية، أهمية أكبر لبريطانيا من إسرائيل. ويشير إلى أهمية الانتباه إلى أن ما نراه الآن هو “النظر في إعادة تموضع العلاقات، وإعادة دول الخليج النظر في مواقفها بما في ذلك علاقاتها مع الولايات المتحدة”. غير أن ليفي يستبعد أن تغير بريطانيا موقفها التاريخي الراسخ من إسرائيل، رغم إعلان الأخيرة عن مشروعها للهيمنة على دول المنطقة بما فيها حلفاء بريطانيا في الشرق الأوسط “ما لم تُجبر على دفع تكلفة فعلية”. ويرى أن هذه التكلفة هي أن تلحق بمصالح بريطانيا في الشرق الأوسط “أضرار فعلية مؤثرة”، وليس هناك أي طرف “غير العرب يمكنه أن يفرض هذه التكلفة”.
وهناك من يعول على أن الغضب الشعبي الداخلي، والخسائر الاقتصادية وانهيار السمعة السياسية لدى الشارع العربي، كل ذلك قد يدفع المؤسسة البريطانية الحاكمة إلى وقفة مع إسرائيل. لكن ليفي لا يعتقد أن تلك أثمان كافية “لأنها أثمان يمكن السيطرة عليها” ولم تتحول إلى أفعال ملموسة موجعة. ومن هذه الأفعال “مقاطعة عربية” للمملكة المتحدة، وأن “تعيد قطاعات رسمية بالدول الخليجية النظر في أعمال صناديق ثرواتها السيادية أو في العلاقات الأمنية العامة مع البريطانيين”. ورغم أهمية هذه الأدوات، فإن الخبير البريطاني-الإسرائيلي يحذر من أنه ربما يجب أن يتأثر الأمن بمفهومه المباشر في بريطانيا كي ينتبه البريطانيون إلى ضرورة إعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل. ويقول: “ربما يؤدي المزيد من إذلال الناس (في الشرق الأوسط) وإثارة غضبهم إلى التطرف وارتكاب البعض أعمالًا تضر بالأمن على الأرض البريطانية”.
ألا يمكن اعتبار الاعتراف بالدولة الفلسطينية، التي يصر الإسرائيليون على رفضها، شاهدًا على بوادر لإدراك البريطانيين أن الوقت قد حان لأن يقولوا لا “للمستعمرة الصهيونية” في فلسطين؟ صحيح أن قيادة منظمة التحرير تعتبر، برأي ليفي، اعتراف بريطانيا بدولة فلسطينية “إنجازًا هائلًا لها”، غير أن الحقيقة “هي أن بريطانيا الآن لديها علاقة ثنائية أقوى مع دولة غير موجودة، غير قادرة على فعل شيء لمحاسبة إسرائيل أو لتحدي إفلاتها من العقاب، غير قادرة على أن تفرض (على بريطانيا) أن تفكر في حسابات الخسائر والمكاسب في العلاقة مع إسرائيل”.
