وداعًا لكل ما يطفئ الروح
ليلى غليون
إن لكلمة (وداع) ذات الأحرف المعدودة وقعًا مؤلمًا وصدى عميقًا في ثنايا النفس وجنباتها لما تثيره في القلب من شجن، فتدثره بدثار الحزن والأسى، فمعناها المؤلم يرسم صورة للفراق والهجر والحنين، فليس أشد على النفس قسوة من ألم الفراق، كما قال ذاك الشاعر:
لا تعمدوا الهجر فإنه مر المذاق
فالشمس عند مغيبها تحمر من ألم الفراق
ولكن كلمة “وداعًا” ليست قاصرة على معناها الذي يوحي بالحزن والألم فقط، بل لها معان وإيقاعات متشعبة لما تخفيه من دلائل وإشارات، فللكلمة مفاهيم أخرى تقلب معناها المعهود ودلالتها المعروفة رأسًا على عقب، فليس كل وداع مؤلمًا، وليس كل فراق يرمي بالنفس على شواطئ الحزن والأسى، بل هناك من الوداع والفراق ما يشعل في القلب مصابيح السكينة، ويغسله بأنوار الرحمة، فتهب عليه نسائم الأمن والاطمئنان وتغمره السعادة من كل جانب.
ففي لحظة صفاء صادقة يقف الإنسان أمام نفسه وقفة محاسبة، كأنه يفتح نافذة بعد طول انغلاق، فيتسلل النور إلى زوايا الروح، يفتح صفحة بيضاء يكتب فيها: وداعًا لكل ما يثقل الروح ويطفئها ويمنعها من التحليق… وداعًا للحزن، وداعًا لليأس والقنوط، وداعًا للقلق، وداعًا للذنوب.
فالوداع في هذه الحالات والظروف، ليس كلمة تقال، إنه قرار نتخذه حين نحسن الظن بالله تعالى، حين نؤمن أن السقوط أو الخطأ أو الحزن لا يعني النهاية، ربما يكون درسًا يقود إلى نهوض أقوى، أو دعوة خفية للعودة… إلى ميلاد روح جديدة، إلى لحظة مواجهة صادقة، وذلك حين نقف بين ضعفنا ورحابة رحمة الله، لتنكسر في داخلنا قيود تلك المشاعر السلبية التي طالما كبلتنا.
وداعًا للحزن… حين نفهم رسالته
ذاك الضيف الثقيل الذي يسكن القلب ويلازمه حين يغفل عن نور الرجاء، فالحزن شعور إنساني طبيعي لا يلام الإنسان عليه، لكنه قد يصبح قاتلًا للنفس حين يتحول إلى إقامة دائمة في القلب لا يبرحه، إلا أن الواثق الموقن برحمة الله عز وجل، يعلم أن الحزن محطة وليس نهاية، يتألم لكنه لا يستسلم، يبكي لكنه لا ييأس، لأن في داخله يقينًا أن الفرج يولد من رحم المعاناة، فكل ضيق يحمل في طياته مخرجًا، وكل دمعة تسيل تمهد لابتسامة قادمة.
يعلم أن هذا الضيف الثقيل يحمل رسالة تعيد له ترتيب ما اختل بداخله، وتكشف له مدى ضعفه ليلجأ إلى القوي مولاه، ويتقرب إليه، فكم من حزن ساق إلى سجدة لم يكن المرء ليبلغها في الرخاء، وكم من دمعة كانت مفتاح توبة صادقة لم تفتحها الضحكات. فوداع الحزن ليس إنكارًا له، بل فهمًا لمعناه وتسليمًا بأن وراءه لطفًا خفيًا.
وداعًا لليأس… فالله لا يغلق بابه
اليأس مرض خفي قد ينتهي بالروح إلى الانطفاء، والنفس إلى الهزيمة، فعندما تضيق عليك الدنيا بما رحبت، عندما تشعر أن اليأس يتسلل خفيًا ويسري في أغوار نفسك ويقنعك أن الأبواب ومنافذ الأمل أغلقت، وأن الطريق مسدود، فلم تعد عيناك ترى من الشمس إلا غروبها، ومن جمال الليل وسكونه إلا ظلامه، ومن روعة الورد إلا أشواكه، تذكر أن الشمس حتمًا ستشرق ولو طالت ليالي الشتاء القارصة، وأن الأمل سيزهر ولو طالت ليالي المحنة، وانظر إلى النجوم الساطعة في كبد السماء، وأحسن الظن بالله سبحانه وأطلقها وأنت موقن وقل: وداعًا لليأس، فاليأس ليس من طبيعة القلوب الحية، إنه دخيل عليها، يذوب ويتلاشى حين يستشعر القلب أنه بين يدي رحمة لا حدود لها. فوداع اليأس هو إعلان ثقة ويقين أن ما عند الله تعالى أعظم وأبقى وأجمل مما نعتقد.
في حضرة الرحمة… وداعًا للقلق
ليس معنى وداع القلق أن تخلو الحياة من الهموم، بل كيف نواجه هذه الهموم بصبر وإيمان، فالقلق لا يغير قدرًا ولا يقدم أجلًا ولا يؤخر رزقًا، وحين ندرك هذه المعاني ونسلم أمورنا لله جل جلاله، ونردد في لحظات الاضطراب قول الله تعالى: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب” تولد الطمأنينة وتخف الأحمال وتهدأ العواصف وتستكين النفس.
فعندما تحيط بك الهموم من كل جانب، وتختفي البسمة من شفتيك، ويكفهر وجهك بالعبوس، وتوشك غمائم عينيك أن تمطر بالدمعات المدرارة، تذكر أن السهم الذي أصابك ما كان ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، تذكر وأنت تأوي إلى ركن شديد، فلا تقل يا رب إن همي كبير، بل قل يا هم إن ربي كبير… عندها ابتسم فأنت بالابتسامة أقوى وأجمل وقل: وداعًا للقلق، وهذا ليس هروبًا من الواقع، نعم تألمت، نعم اشتدت عليك المحن، نعم تعثرت، ولكنك تملك بابًا مفتوحًا ولك رب يقول: “ورحمتي وسعت كل شيء”.
وداعًا للذنوب… حين يتحول الندم إلى نور يضيء القلب
للذنوب آثار تتراكم على القلب حتى تحجبه عن النور، وكلما طال الإهمال بهذا القلب ثقلت عليه الأحمال والأثقال تعكر صفوه وتطفئ نوره ليضيق به الصدر، ولكن الرحيم اللطيف بعباده وهو الغني عنهم، يدعوهم للعودة، فباب العودة لا يزال مفتوحًا: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) الزمر، 53.
أي نداء هذا؟ وأي دعوة، دعوة تمسح آثار الذنوب برجاء الرحمة، فالمولى عز وجل لم يقل: (يا عصاة) بل “يا عبادي”، وهم المذنبون، بل المسرفون في الذنوب، ناداهم “يا عبادي” وأكرمهم بشرف العبودية.
فوداع الذنوب ليس معناه ألا تذنب، فكل بني آدم خطاء، ولكنه توبة نصوح، وكراهية العودة للذنوب، واستبدال مواضع المعصية بميادين الطاعة، ومجاهدة مستمرة للنفس. فالذنوب ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية الرجوع، فما من عبد أذنب ثم طرق باب التوبة صادقًا إلا ووجده مفتوحًا، والله تعالى يفرح بعودة عبده إليه.
وداعًا ثم وداعًا ثم وداعًا للقنوط
عندما تقرأ هذه الحكاية فتلامس معانيها أوتار قلبك ستعزف حتمًا سيمفونية الرضا والحمد، وستهون عليك الدنيا ومصاعبها وستحتسي كؤوس الصبر عسلًا.
حُكي أن رجلًا من الصالحين كان مقطوع اليدين والرجلين مصابًا بالعمى، وزيادة على ذلك أُصيب بمرض الآكلة وهو المرض المسمى في زماننا هذا بالغرغرينا، وقد كان شديد الفقر لا أحد يهتم به، حتى رآه الناس على الطريق فجاءت الدبابير تأكل من رأسه، لأنه كان مقطوع اليدين فلا يقدر على دفعها عنه، ومقطوع الرجلين فلا يقدر على الهرب منها، فمر من أمامه أناس فلما رأوه قالوا: سبحان الله كم يتحمل هذا الرجل، فسمعهم فقال: “الحمد لله الذي جعل قلبي خاشعًا ولساني ذاكرًا وبدني على البلاء صابرًا، إلهي، لو صببت علي البلاء صبًا ما ازددت فيك إلا حبًا”.
فعندما تدرك أن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأنها دار فناء لا دار بقاء، وأن حلاوتها ممزوجة بمرارة، وأن راحتها مغمسة بشقاء، وأنها حتمًا إلى زوال ولن يبقى لك فيها إلا حصاد أعمالك، تذكر ما قاله ابن القيم رحمه الله تعالى: “إن في القلب شعثًا لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفي القلب وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفي القلب خوفًا وقلقًا لا يذهب إلا بالفرار إلى الله، وفي القلب حسرة لا يطفئها إلا الرضا بالله”.
فالوداع الحقيقي ليس أن تختفي الأحزان، أو يختفي اليأس والقلق، ولا أن نصبح بلا ذنوب، ولكنه الوداع لكل ما يطفئ الروح ويثقل القلب ويضيق الصدر ويظلم الحياة لتصبح الحياة بلا حياة.
فوداعًا لكل ما أطفأ أرواحنا ومرحبًا بعهد أقرب إلى الله عز وجل، أصدق وأنقى وأخلص.