رمضان والهوية الجامعة: كيف جسدت سقيفة بني ساعدة الانسجام الثقافي؟

يعد شهر رمضان واحدا من أبرز تجليات الثقافة الإسلامية، إذ نجح المسلمون عبر التاريخ في ترسيخ فلسفته في مختلف أرجاء المعمورة، من أقصى الغرب إلى تلال الشرق. وقد أسهم تنوع الشعوب الإسلامية في إثراء هذا الشهر بكوكبة من العادات والتقاليد التي أصبحت جزءا من نسيجه الثقافي.
ولا يمكن إغفال دور التسويق التجاري، الذي استثمر العاطفة الدينية بذكاء؛ فبيع المأكولات الخاصة، والمجسمات كالأهلة والفوانيس، وغيرها من الرموز، أسهم في تكوين روحانية ذات طابع ثقافي، مرتبطة بجذور الشعوب الإسلامية. فما يلامس قلب المغربي هو ذاته الذي يلامس قلب الباكستاني؛ ورغم اختلاف الوسائل، فإن المشترك الوجداني واحد.
وقد ترسخت هذه الرموز في اللاوعي الجمعي، حتى أصبح مشهد الفانوس مرتبطا بالشهر الكريم ارتباطا تلقائيا. وهذا يدل على أن الإنسان المعاصر بات أقرب إلى التواصل الرمزي العابر للثقافات من أي وقت مضى، في ظل تداخل الموروث الديني بالعادات الاجتماعية، لتتشكل ثقافة رمضانية جامعة، تختلف في التعبير وتتشابه في الجوهر.
تشكل الثقافة وصعوبة الاندماج
إن تشكل ثقافة جامعة داخل أي مجتمع، دينيا كان أم مدنيا، من أعقد الظواهر الاجتماعية؛ فالشعوب بطبيعتها تميل إلى الحفاظ على خصوصيتها، وقد تسعى أحيانا إلى الهيمنة الثقافية.
ويُستشهد كثيرا بالحالة الهندية، حيث تعيش الأغلبية الهندوسية مع أقلية مسلمة منذ قرون، ورغم التاريخ المشترك، فإن التوترات لا تزال تتكرر بين الحين والآخر. ويظهر ذلك أن التعايش الزمني وحده لا يكفي لصناعة اندماج ثقافي عميق.
وهنا تبرز إشكالية الهوية: أتكفي الهوية الوطنية لخلق انسجام حقيقي، أم إن الانسجام العميق يحتاج إلى رابطة وجدانية تتجاوز الانتماء الجغرافي؟
سقيفة بني ساعدة كنموذج للاندماج الديني
بعد وفاة النبي ﷺ، واجه المسلمون أول اختبار مصيري لوحدتهم؛ ففي سقيفة بني ساعدة، اجتمع الأنصار والمهاجرون لاختيار خليفة، وكان لكل فريق اعتبارات يمكن أن تؤدي إلى خلاف كبير. ومع ذلك، انتهى النقاش إلى مبايعة أبي بكر، رضي الله عنه، في مشهد يعكس تغليب الرابطة الدينية على الاعتبارات القبلية.
وقد مثلت تلك اللحظة تأسيسا لما يمكن تسميته “عقدا ثقافيا دينيا”، تلاشت فيه الفوارق الجانبية أمام وحدة العقيدة. ومنذ ذلك الحدث، لم يعد في المدينة مهاجرون وأنصار بوصفهما فئتين منفصلتين، بل مجتمع مسلم موحد تحت قيادة سياسية شرعية.
الهوية الدينية كمحرك للانسجام الثقافي
قد يرى البعض أن الاندماج الديني حالة خاصة ارتبطت بجيل الصحابة، وأن وجود النبي ﷺ قبل ذلك كان عامل الحسم. وهذا صحيح جزئيا؛ غير أن اختبار الوحدة الحقيقي لم يتحقق إلا بعد وفاته، حين غاب المرجع المباشر، وبقي الموروث القيمي هو الحاكم.
ومع ذلك، فإن القول إن الدين هو المحرك الوحيد للانسجام الثقافي يحتاج إلى قدر من التحفظ؛ إذ تشير التجارب الإنسانية إلى أن بعض المجتمعات متعددة الأديان نجحت في بناء هويات وطنية مستقرة عبر مؤسسات مدنية وقانونية قوية.
غير أن الفارق الجوهري يكمن في عمق الرابطة؛ فالهويات القائمة على المصالح قد تنجح تنظيميا، لكنها قد تفتقر إلى الامتداد الوجداني الذي توفره الرابطة العقدية.
رمضان بوصفه امتدادا للعقد الثقافي الإسلامي
من هنا يمكن فهم رمضان باعتباره امتدادا لذلك العقد الثقافي الديني.. فالمسلم في بريطانيا يرى أخاه في اليابان يشاركه الصيام ذاته، وسفرة الإفطار ذاتها، والشعائر نفسها. ورغم اختلاف اللغة والعرق والثقافة المحلية، فإن معيار الانتماء الديني يخلق مساحة وجدانية مشتركة تتجاوز الفوارق.
في المقابل، قد يعيش شخصان في الحي نفسه، من العرق ذاته، لكن اختلاف المعيار الثقافي العميق بينهما يجعل المسافة المعنوية أكبر مما تبدو عليه جغرافيا.
إن هذا التماسك المتكرر عبر العصور، رغم الحروب والأزمات والانقسامات، يشير إلى أن الوعي الثقافي الديني ظل عنصرا ثابتا في وجدان الشعوب الإسلامية. ورمضان، بما يحمله من شعائر جماعية ورموز مشتركة، ليس إلا أحد أبرز تجليات هذا الثبات.
الخاتمة
إن الثقافة ليست مجرد طقوس تمارَس، أو شعارات تُرفع، بل هي انعكاس لما يستقر في أعماق الضمير الجمعي للأمم. وإذا كانت الهويات الوطنية تُبنى على حدود جغرافية ومصالح سياسية، فإن الهوية الدينية، حين تتجذر في الوجدان، تتجاوز تلك الحدود لتصنع شعورا بالانتماء أوسع مدى وأعمق أثرا.
ورمضان، في صورته الجامعة، ليس مجرد شهر عبادة، بل هو شاهد حي على قدرة العقيدة على تشكيل ثقافة عابرة للقارات، قادرة على جمع المختلفين تحت معنى واحد، وإن اختلفت ألسنتهم وألوانهم. وبينما تتبدل المصالح وتتغير التحالفات، يبقى الوجدان المشترك هو العنصر الأكثر ثباتا في تشكيل وحدة الشعوب.
ومن هنا، فإن دراسة رمضان بوصفه ظاهرة ثقافية لا تنفصل عن دراسة الدين بوصفه قوة مؤسسة للهوية؛ فحيثما وُجد المعنى العميق، وُجدت القابلية للاندماج الحقيقي، وهذا لا يقوم على الضرورة، بل على الاقتناع والاختيار.



