غرفة الطوارئ لمكافحة العنف والدور المطلوب

الشيخ رائد صلاح
الغضب الشعبي مطلوب، ولكن لا يكفي وحده لمكافحة آفة العنف التي نخرت فينا حتى النخاع. فقد جسدت مظاهرة سخنين التي كانت بتاريخ 22/1/2026 غضبًا شعبيًا عارمًا، حيث كانت مظاهرة كبيرة، لدرجة أن البعض قد قال إن عدد المشاركين فيها قد بلغ المئة ألف! ثم ماذا؟!
ثم بعد تلك المظاهرة الكبرى وقعت جرائم مروعة في مجتمعنا كإفراز من آفة العنف التي تنخر فينا كما ينخر السوس في الخشب، ثم كانت مظاهرة تل أبيب بتاريخ 31/1/2026، وكانت مظاهرة كبيرة لدرجة أن البعض قد قال إن عدد المشاركين فيها قد بلغ خمسين ألفًا، ولكن خلال بداية انطلاقة هذه المظاهرة وقعت جرائم مروعة في مجتمعنا كإفراز من آفة العنف التي باتت تحصد الكثير من الأبرياء منا! وهذا لا يعني أن نتوقف عن تنظيم مظاهرات كبرى، بل المطلوب أن نواصل القيام بهذه المظاهرات الكبرى، والمطلوب أن تكون جوّالة ما بين الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية. والمطلوب كذلك أن ندرك سلفًا أن هذه المظاهرات الكبرى وحدها لا تكفي لمكافحة آفة العنف الذي بات صداع رأس ووجع قلب دائمًا عند كل واحد منا.
ولنحذر سلفًا أن نقف عند حد تنظيم هذه المظاهرات لأنها قد تتحول إلى أداة للتنفيس عن غضب جماهيرنا إن لم نُتْبِعْها بخطوات أخرى، سيما ونحن نريد من وراء هذه المظاهرات أن ندين الدور المشبوه الذي يميز سياسة تعاطي المؤسسة الإسرائيلية الرسمية مع آفة العنف، الذي بدأ يقطع علينا أنفاسنا منذ عام 2000 فصاعدًا!
وهذا الدور المشبوه لم يبدأ اليوم ولا البارحة، بل بدأ منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا، ولا يزال هذا الدور المشبوه قائمًا، رغم تعاقب الكثير من الحكومات الإسرائيلية، ما بين حكومات متطرفة أو يمينية أو وسط! وهذا يعني أن هذا الدور المشبوه بات دورًا ثابتًا يحكم كل حكومة إسرائيلية، بغضّ النظر عن تصنيفها! وهذا يعني أن هذا الدور المشبوه سيحكم أية حكومة إسرائيلية قادمة! وهذا يعني أن آفة العنف ستستفحل فينا، ولن تقف عند الحد المروّع الذي هي عليه الآن! وهذا يعني ونحن بين يدي عام 2026 الملغوم، فان أخشى ما أخشاه أن يكون عامًا دمويًا، وله إسقاطات مروعة على كل نسيجنا الاجتماعي، وعلى كل بنيتنا الاجتماعية، وعلى كل مؤسسات مجتمعنا العامة والخاصة.
ولا أقول ذلك من باب التشاؤم والتيئيس – حاشا لله تعالى – بل أجتهد أن أقرأ الواقع القادم علينا، والذي قد ترسم آفة العنف المدمرة الكثير من ملامحه! وعليه فإنني أخشى من القادم التالي، وأحذر منه سلفًا، وأدعو أن نقدر له سلفًا قدره المطلوب، وأن نحدد الخطوات المطلوبة سلفًا؛ سواء كانت خطوات ذات نتائج بعيدة المدى، أو ذات نتائج قصيرة المدى، وأن تقوم (غرفة الطوارئ لمكافحة العنف) التي تم إقرارها بتاريخ 24/1/2026 بجدولة هذه الخطوات وصياغتها كبرنامج عمل مستدام، وأن تواصل تنفيذ هذا البرنامج بالتعاون مع لجنة المتابعة العليا، وسكرتارية لجنة المتابعة العليا، وسكرتارية الأحزاب في لجنة المتابعة العليا واللجنة القطرية إلى جانب جماهيرنا التي تمثل القاعدة الأساسي لمكافحة العنف الذي تمرد علينا جميعًا، وعليه فإنني أسجل هذه الملاحظات:
1- أخشى أن يكثر عدد قتلانا في عام 2026 إلى حد لا يطاق، مع التأكيد أن مأساة قتلانا لا تقف عند حد قتلهم، بل هي مأساة مستديمة ونامية مع الأيام، تشمل الأرامل والثكالى اللواتي تركوهن خلفهم؛ سواء كن أمهات أو زوجات، وتشمل الأيتام الذين هم من أصلابهم؛ سواء كانوا رُضَّعًا أو أطفالًا أو شبانًا، وسواء كانوا أولادًا أو بنات. وإذا ما عرفنا أن عدد أفراد الأُسرة فينا ما بين خمسة إلى ستة، فهذا يعني أننا نتحدث عن الآلاف ما بين آباء وأمهات وزوجات وأبناء ستَحرِق حياتَهم وأفراحَهم وسكينةَ بيوتهم آفة العنف المتوحش هذا العام.
2- ومما بات معروفًا لدينا جميعًا أن مأساة قتلانا في عام 2026، الذي قد يكون دمويًا، لن تقف عند حد مأساة أفراد الأسرة التي تركها خلفه كل قتيلٍ منا، بل ستتسع هذه المأساة، وقد تشمل مساحة واسعة من حَمولته! وهذا يعني أن مساحات التقاطع بين الحمائل ستتسع، ونتيجة لذلك ستتسع مساحة الخصومة بين هذه الحمائل، وقد تغرق في حمأة الثأر، وفي معادلة قبر مقابل قبر! وهذا يعني أنها ستتسع مساحة التفسخ بيننا، وستتسع مساحة التفكك الاجتماعي بيننا، وسيتحول مجتمعنا إلى مجتمع سهل الاختراق من رأسه حتى أخمص قدميه، وسيطمع في اختراقه أصحاب خلفيات سياسية، أو أمنية، أو عسكرية، أو عصابات إجرام، أو تجار سلاح، أو مروجو مخدرات، أو صناديق دعم مشبوهة، أو فكر نسوي منحرف! وهذا يعني أننا على حافة كارثة لا تقل عن كارثة نكبة فلسطين.
3- والخطر كل الخطر أن يفشوَ فينا مرضُ انسداد الأفق، والشعور بالخوف الدائم، وانعدام الأمن الدائم، والقلق الدائم على النفس وعلى الزوجة والأبناء والبنات والآباء والأمهات فينا. فيا ويلنا إن فشا فينا كل ذلك واتسع طولًا وعرضًا فينا! فإن كلّ ذلك سيشرعن للبعض منا الهجرة إلى دول أخرى بادّعاء أنه بات مضطرًا لهذه الهجرة حفاظًا على حياته وعلى حياة من يعول! وهذا يعني أننا سنعيش نكبة هجرة جديدة صامتة وتدريجية ومبررة! وقد ينضم إلى قافلة هذه الهجرة الاضطرارية نُخب من مجتمعنا؛ ما بين نخبة متعلمة، ونخبة اقتصادية، ونخبة جامعية، ونخبة ذات مهن نادرة وهامة، فمن سيبقى في مجتمعنا؟! وكيف سيكون حال مجتمعنا إذا تواصلت هذه الهجرة الاضطرارية؟! وهل هذا يعني أننا على حافة تفريغ مجتمعنا من اقتصاده وقدراته ومؤهلاته؟! وهل هذا يعني أننا على حافة انهيار مجتمعنا ونحن ننظر إليه مفجوعين؟! فهلّا استيقظنا الآن قبل الغد، حتى لا يقول الواحد منا يا ليتني كنت ترابًا؟!
4- وهل جاءك يا مجتمعنا، ويا كل جماهير مجتمعنا وقاداته، خبر تسلل العنف إلى مدارسنا، وهي طامة كبرى يحق لنا، بسببها، أن نحثو على رؤوسنا التراب؟! نعم! اخترق العنف مدارسنا، وبات بعض طلابنا منذ المرحلة الابتدائية يتعاطون المخدرات التي تسمى غاز الضحك، ثم أصبح بعض طلابنا في المراحل الإعدادية والثانوية يتعاطون المخدرات ذات الأسماء الأخرى غير غاز الضحك، وشمل تعاطي هذه المخدرات بعض طلابنا وبعض طالباتنا، ولو كانت نسبة هذه الظاهرة المروعة واحدًا من مليون لكانت مُفزعة تسلب النوم من العيون، فكيف إذا كانت نسبة هذه الظاهرة أخطر من ذلك، بناء على أبحاث صامتة وحذرة قام بها بعض أهل الاختصاص في بعض مدارسنا؟! فأي مستقبل تربوي وتعليمي ينتظره أبناؤنا؟! وأي جيل صاعد ينتظره مجتمعنا؟! وأي مجتمع مفكك ينتظره شعبنا؟! وأي شعب تائه ومتعثر تنتظره أمتنا؟! نعم! إنها التداعيات المُهلكة التي تبدأ من طالب في الصف الأول الابتدائي، ثم تتواصل هذه التداعيات حتى تصل إلى مصير أمة المليارين ويزيد!
5- ويا حسرتاه لو قلت لكم إن غول العنف بات يطمع بالأموال المرصودة في كل مدرسة من أجل النشاط اللامنهجي في المدارس، وأنا أعلم ما أقول وفق ما سمعت، فهناك من بات يصرح محذرًا ويقول: أدركوا هذه الأموال قبل أن تقع في حضن العنف الذي لا يشبع! أدركوا جمعًا من مديري المدارس ومعلميها، الذين بات يهددهم هذا العنف الطائش، طامعًا بهذه الأموال التي من المفترض أن تصرفها المدارس على نشاطات لامنهجية تبني شخصية طلابنا على التراحم والتكافل وأدب الحوار والثقة بالنفس وقوة الانتماء، لا أن يصرفها غول العنف على شراء السلاح، وتجنيد السناجير، واقتناء سيارات الشبح المصفحة وسيارات الفيراري خاطفة الأبصار.
6- يا مجتمعي الكادح المنهك؛ قد تنظر إلى بعض مصالحنا التجارية ما بين الجليل والمثلث والنقب والمدن الساحلية فيقع بصرك على مراكز تجارية عملاقة، وعلى مطاعم فاخرة، وعلى أفران ذات رائحة شهية، وعلى دكاكين ملابس ذات ماركات عالمية. وقد يقع بصرك على شوارع طويلة تحفّها هذه المصالح التجارية يمينًا ويسارًا، ولكن ويا أسفاه! فلا يغرنك هذا المشهد البهيج، لأن هناك لعنة الخاوة التي باتت تتسلط على الكثير من هذه المصالح التجارية.
وما معنى كلمة الخاوة؟ معناها أن هناك مبلغًا معلومًا يجب أن يدفعه صاحب هذه المصلحة التجارية أو تلك لأسماء متجبرة، ومرهوبة الجانب، وقاسية القلب، وميتة الضمير، وعديمة الإحساس، ولها سناجيرها رهن إشارتها الذين قد يحرقون هذه المصلحة التجارية أو تلك إذا رفض صاحبها دفع المبلغ المعلوم كل شهر لهذا الاسم المتجبر المتفرعن! وقد يحرقون سيارة صاحب هذه المصلحة التجارية، وقد يطلقون الرصاص على بيته، وقد يهددونه بقتله أو قتل ابنه إن رفض دفع هذا المبلغ المعلوم. فيا حسرتاه! أنى لمجتمعنا أن يواصل بناء ذاته إذا فقد الأمن والأمان، وإذا بات رجل الأعمال الناجح فينا يعاقَب بدفع الخاوة لأنه ناجح في مشواره الاقتصادي، وإذا بات رجل الأعمال الناجح في شعور أن مجتمعه تخلى عنه، وأصبح وحيدًا ضعيفًا في مواجهة من يطالبونه بالخاوة من مصاصي الدماء، ومصاصي عرق جبين مجتمعنا، ومصاصي نجاحه بعد سهر الليالي وكدح الأيام، فماذا ننتظر إذا تجذر هذا الداء الذي اسمه الخاوة في خلايا مجتمعنا، وراح يجري فينا كجري الدم في العروق؟!! فيا لها من ورطة ماحقة! ولكن لها حل، والحل بأيدينا، وما حك جلدك إلا ظفرك.
7- تكفي هذه الشواهد التي أوردتها أعلاه حتى أندب حظي وحظ مجتمعي وأقول: لقد فشا فينا الظلم، وكثر فينا عدد المظلومين رغم قلة عدد الظالمين، وكثر فينا عدد المستضعفين رغم قلة عدد المتجبّرين، وكثرت فينا مآسينا التي هي من صنع أيدينا، مع عدم الغفلة عن الدور المشبوه للمؤسسة الإسرائيلية الرسمية الذي تحدثت عنه في بداية هذه المقالة، ومع كثرة مآسينا فينا كثر فينا عدد المتفرجين منا على مآسينا، وكثر فينا عدد الصامتين منا على مآسينا، وكثر فينا عدد من لا يقول للظالم منا “يا ظالم”، وعدد من لا يقول للمظلوم “أنت لست وحدك”، وعدد من لا يقول للمفسد “يا مفسد”، وعدد من لا يقول للمستضعف “أنا إلى جانبك”!
8- هكذا بات حالنا، ومع ذلك هناك بصيص أمل. ومما ساعد على إحياء بصيص الأمل هذا هو غضب جماهيرنا التي سارت بعشرات الآلاف في مظاهرة سخنين، ثم في مظاهرة تل أبيب، بشرط أن نستثمر هذا الغضب الشعبي، وأن نصرّ على مكافحة العنف وفق برنامج واضح ومجدول ومستديم تواصل ضبطه والإشراف على تنفيذه (غرفة الطوارئ لمكافحة العنف) وسائر الأطر التي ذكرتها في الأسطر السابقة.
9- نملك عددًا فائضًا من المخططات والبرامج ووسائل العمل لمكافحة العنف بهدف محاصرته، ثم اقتلاعه من الجذور. وقد ظهر ذلك في الاجتماع الطارئ الذي عقدته لجنة المتابعة العليا في بلدية سخنين بتاريخ 24/1/2026، والمطلوب جدولة اقتراحات ذاك الاجتماع إلى قرارات، ثم جدولة هذه القرارات إلى خطة عمل مفصلة، ولسنا بحاجة إلى صناديق مانحة رأسمالية استعمارية حتى تغطي نفقات هذه الخطة العملية الذاتية لمكافحة العنف، بل لا بد من الاعتماد على الدخل المالي الذاتي، حتى تكون خطة عمل حرة وغير خاضعة لإملاءات السيد الممول.
10- إلى جانب حاجتنا لخطة عمل حرة، وإلى جانب حاجتنا لدخل مالي ذاتي لتغطية نفقات هذه الخطة، وإلى جانب حاجتنا لإدارة عملية ذاتية لمتابعة تنفيذ هذه الخطة والصبر على طولها وبطء نتائجها، فنحن بحاجة لنوايا صافية وصادقة لمكافحة العنف. فمخطئ من يظن منا أن مكافحة العنف هي وسيلة سهلة للحصول على مكاسب مالية من الصناديق المانحة الرأسمالية الاستعمارية، ومخطئ من يظن منا أن مكافحة العنف هي فرصة نادرة يجب أن لا تضيع للحصول على مكسب إعلامي أو مكسب حزبي أو مكسب انتخابي على صعيد انتخابات الكنيست أو انتخابات السلطات المحلية العربية.



