معركة الوعي (269) مُسلم؟! إسلامي؟! ما الفرق؟!
حامد اغبارية
1)
تجد كثيرين من أهلنا وشعبنا وأمتنا يقول الواحد منهم بلسان حاله ولسان مقاله: أنا أيضا مسلم، وأنتم -الإسلاميين- تفرّقون وتميّزون وتقدّمون أنفسكم على أنكم أنتم فقط المسلمون الحقيقيون. أنا مسلم مثلي مثلك!! ما الفرق بين مسلم وبين إسلامي؟! ولماذا هذه التسمية أصلا؟! ألسنا كلنا مسلمين!
صحيح! في الأصل يجب ألا يكون هناك فرق. لأن المسلم له مواصفات وشروط وضوابط يُعرَف بها.
الآن دعونا نرى الفرق بالتفصيل:
الإسلامي، في عصرنا المليء باختلاط الأوراق، وتداخل المفاهيم، والتباس الهوية، وتشوّش الانتماء، هو ذلك الذي اختار الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والبراء مما سواهم، يعيش حياته انطلاقا من ضوابط الإسلام، أوامره ونواهيه، عباداته ومعاملاته وأخلاقه، وجعل من القرآن دستورا يهتدي به، ويتلمّس الطريق على صراطه المستقيم، ومن السنّة النبوية مصباحا يستضيء به في طريقه إلى الحق الذي ينشده. هو الذي ملأ الإسلامُ بكل تفاصيله حياتَه كلّها. يدافع عنه، ويذبّ عن حياضه، ويسعى لرفع رايته. هو الذي يريد للإسلام أن ترتفع رايته، وأن تكون له دولة تحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، دولة تنشر القسط والعدل، وتنصف المظلوم، وتضرب على يد الظالم، يفرح لفرح المسلمين ويحزن لحزنهم، ويهتم بهمّهم ويقيل عثرتهم وينجدهم عند الضرورة ويغيث ملهوفهم، سواء كانوا عربا أو من غير العرب؛ في فلسطين ومصر وسوريا ولبنان وأفغانستان وتركيا وإيران وباكستان والسعودية، أو في أي مكان على كوكب الأرض.
فهل كلُّ من جاءك يقول: أنا أيضا مسلم (مثلي مثلك)، يفعل هذا كله؟، أو شيئا منه، أو بعضه، أو استقرت في قلبه وعقله كل هذه المعاني؟!
أليس هناك من يزعمون أنهم مسلمون لكنهم أشد على الإسلام وأهله من أبي جهل وأبي لهب وأمية بن خلف؟!
أليس من هؤلاء من يعلن أنه ملحد، بينما في بطاقته الشخصية مسجل في سجل النُّفوس أنه مسلم، ثمّ يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من يُعلن الحرب على الإسلام صباح مساء، ثم يزعم أنه مسلم؟!
أليس من هؤلاء من يقول إن الإسلام دين رجعي ولا يصلح لمواكبة العصر، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من يزعم أن القرآن كتاب بشري، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من يطعن بالسنة النبوية الشريفة وبالأحاديث النبوية، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من سخّر قلمه وفكره وكيانه وحركاته وسكناته من أجل خدمة أعداء الإسلام ودول الظلم والطاغوت والاستكبار والاستعمار بثمن بخس دراهم معدودة، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من يسبّ الصحابة رضوان الله عليهم ويطعن فيهم، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من يطعن في نساء النبي؛ أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، ثم يزعم أنّه مسلم “مثلي مثلك”!
أليس من هؤلاء من يطعن في فرضية الحجاب للمرأة المسلمة، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من يزعم أن الإسلام دين عنف وقتل وسفك للدماء، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من يزعم أن الإسلام قد يظلم المرأة ويحطّ من مكانتها، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من يطعن في آيات كثيرة من القرآن العظيم، خاصة ما يتعلق بالمرأة والمواريث، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من يُشيع الفاحشة والانحلال والعلاقات المحرّمة، ويدافع عنها حتى يحمرّ وجهه وتنتفخ أوداجُه، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من يدافع عن أهل الشذوذ الجنسي ويرفع رايتهم نكاية بالإسلام والمسلمين، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من يدعو المرأة إلى التمرد على دينها، ويوهمها بأنها حرة في جسدها تفعل فيه وبه ما تشاء، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من ينكر أركان الإيمان أو بعضها ويشكك بوجود الجنة والنار، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من يؤمن أنه “لا إله” وأن الحياة مادة، بينما سُجّل في بطاقته أنه مسلم؟!
أليس من هؤلاء من أحلَّ الزنا والخمور والربا والقمار والاختلاط الفاحش، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من يسب الذات الإلهية، ويسب النبي والقرآن صباح مساء، ثم يزعم أنه مسلم “مثلي مثلك”؟!
أليس من هؤلاء من يستحل المال الحرام، وينتهك حرمات البيوت الآمنة، ويشيع الجريمة والفساد في الأرض، ويقتل النفوس البريئة، وينشر الخوف والترهيب، ويسلب الناس حقوقهم وبيوتهم وأرضهم وأموالهم وأملاكهم، بالإتاوات والقروض الربوية السوداء، بينما يحمل بطاقة هوية مسجل فيها أنه مسلم، وربما يكون اسمه محمد أو أحمد أو محمود أو حسن أو عبد الله؟! أي مسلم قاطع طريق يكون هذا؟!!
والقائمة طويلة…
الآن إذا كنتَ تفعل كل هذه الأمور أو قسما منها أو بعضها فماذا يعني لك لفظ “مسلم”؟!
أهو مجرد كلمة تلوكها، أو كلمة مسجلة في خانة الديانة في بطاقة الهوية الخاصّة بك؟!
أرأيت الفرق بين الإسلامي وبين “المسلم” الذي يعيش على هواه ولا يلتزم بضوابط الإسلام، بل يحيا حياة أهل المِلل الأخرى، ويتخلق بأخلاقهم، ويفكر بأسلوبهم، ويتكلم بمنطقهم، بل ولا يؤمن بأن الإسلام هو منهاج حياة، ويعتقد أنه رجعي ومتخلف ولا يصلح إلا للمساجد والزوايا والدروشة، وأنه مسألة فردية تخص الفرد ولا علاقة له بالحياة العامة؟!
الآن سيخرج من يقول: حسنا! وماذا مع المسلم الذي يصلي ويصوم ويحج ولكنه..
أما “لكنّه” هذه فتحتاج إلى وقفة.
هو مسلم يؤدي الفرائض، فهذا أسأل الله تعالى لي وله القبول والنجاة. فجميعنا مقصّرون في جنب الله. أما الذي يقول لك: أنا مسلم أصلي وأصوم وأحج، ولكنني علمانيّ أو أؤمن بالفكر القومي (العرقيّ العنصري) أو الماركسي، ولا أعتقد أن هذه مشكلة، ولا أرى تعارضا بين هذا وذاك، فهذا عنده مشكلة حقيقية، وعليه فحص نفسه ومراجعتها، إذ لا يستقيم أن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض، أو تؤدي بعض ما يلزم المسلم وتترك بعضه لأنه يتعارض مع فكرك العلماني أو الليبرالي أو الرأسمالي أو الشيوعي أو المتحلل من القيم، المنفلت من الضوابط الإسلاميّة.
كذلك من يؤدي الفرائض ثم يستنسخ القوانين الوضعية، يستوردها من أميركا أو فرنسا أو بريطانيا، ويبني عليها دستورا ونظام حياة وهو يعتقد أنها أفضل من الشريعة الإسلامية فهذا مشكلته أكبر، وهو على خطر كبير…
الإسلام ليس عبادات وحسب. الإسلام منهاج حياة بكامل تفاصيلها الدقيقة، دستوره القرآن، والسنّة النبوية المطهرة لحمُه ودمُه. والمسلم من آمن بهذا وعمل لأجله.
2)
ملاحظات حول ما يجري في إيران:
1- موقفنا من مشروع النظام الإيراني الصفوي- الفارسي واضح، ونحن نعبّر عنه في كل مناسبة. لكنْ علينا أن نفرق بين هذا الموقف، وبين الموقف من السعي إلى إسقاط نظام الملالي على أيدي مجرمي الحرب، الذين لا يقلون عن ذلك النظام انحطاطا وسفالة.
2- الشعب الإيراني شعب مسلم مُختطف، وإيران بلد إسلاميّ مُختطف كذلك من ذلك النظام. وما التشيّع إلا مسألة طارئة على هذا الشعب أدخلت عليه عام 1500-1501 على يد الصفويين، وتحديدا الشاه إسماعيل الأول (الصفوي)، الذي فرضه على أهل البلاد (وعلى أذربيجان) بالقوة، نكاية بالدولة العثمانية التي خاضت الدولة الصفوية معها صراعا دمويا. وقبل ذلك التاريخ كانت بلاد فارس سنيّة طوال تسعة قرون، وقد اتبع أهلها المذهبين الشافعي والحنفي. وقد فعل الشاه إسماعيل مع سنة إيران كما فعل قسطنطين مع قومه حين فرض عقيدة الصليب على مواطنيه بالحديد والنار، على أسس عقيدة بولس الرسول (شاؤول الطرسوسي)!!
3- فجأة أصبح الجميع؛ في واشنطن وتل أبيب والعاصم اِلأوروبية يحاربون الدكتاتورية والاستبداد والظلم، ويساندون الشعوب التي تنشد الحرية والانعتاق. بينما حقيقة هؤلاء أنهم أصل الظلم والدكتاتورية والاستبداد، وأن المسألة هي مسألة مصالح، وإلا فإن كوكب الأرض مليء بالدكتاتوريين والأنظمة المستبدة التي تلقى الدعم والإسناد والحماية من عصابة المجرمين، التي يتزعمها اليوم مجرم الحرب دونالد ترامب.
4- إن غزة الكاشفة تحكي لك كل شيء. ولستَ بحاجة إلى أكثر من أن تنظر إلى موقف هؤلاء المجرمين من غزة لتتعرف على حقيقتهم، وعلى حقيقة ما يخططون له ضد إيران.
5- إن آخر من يحق له أن يتكلم عن الشعوب المظلومة وعن حقوقها، وعن الأنظمة المستبدة والدكتاتورية، ويخوض في مثل هذه القضايا الكبيرة هو بنيامين نتنياهو، الذي أصبح في عُرف القانون الدولي مجرم حرب، إضافة إلى كونه زعيم دولة تحتل شعبا آخر، وتمارس ضده أبشع ما يمكن أن يتخيله عقل بشري.
6- الإعلام الإسرائيل يتحدث عن أكوام الجثث في إيران جراء الأحداث الجارية في الشارع الإيراني بصورة تهويلية. والسؤال: وماذا مع جبال الجثث وعشرات آلاف القتلى وعشرات آلاف الجرحى، ومئات آلاف البيوت المهدمة في غزة؟!! إن أسوأ ما يمكن أن تسمعه في هذا السياق هو أن تتصدر الزانية الشاشات وتتحدث عن الشرف!
7- إن الدجال الصغير المدعو دونالد ترامب، يقود العالم إلى كارثة حقيقية، لكنه ربما يعرف (وأظنه- لحُمقه واستكباره- لا يعرف) كيف يشعل الحريق، لكنه بالتأكيد أصغر من أن يعرف كيف يطفئه.
8- يريدون استرجاع إيران العميلة للمشروع الصهيوني، من خلال تنصيب العميل الصهيوني رضا بهلوي؛ ابن الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي، ذلك الشاه الذي كان قد مكّن للمشروع الصهيوني في واحدة من أهم بلاد المسلمين.
9- يجب ألا ننسى قصة جهاز “السافاك”، وهو جهاز الاستخبارات الذي أسسه شاه إيران عام 1957، بمساعدة جهاز المخابرات الأمريكية (سي آي إيه). وقد مارس ذلك الجهاز ضد الشعب الإيراني أسوأ أنواع القمع وسامهم العذاب، وقد ملأ سجون الشاه بعشرات الآلاف من الأبرياء، الذين سالت دماؤهم في الزنازين كالأنهار. وكانت إيران ساحة مستباحة لجهاز الموساد الإسرائيلي، الذي كان شريكا للمخابرات الأمريكية في تأسيس جهاز السافاك. فعن أي ظلم وأية حرية للشعب الإيراني تتحدث واشنطن وتل أبيب؟! إن هذين البلدين أبعد أهل الأرض عن هذا!
10- إن القصة (وما فيها) أن “العداوة ” من طرف تل أبيب تجاه إيران ليست حقيقية، وإنما هي وسيلة للوصول إلى ما يجري اليوم، وهو السعي لإسقاط النظام الحالي واستعادة أمجاد الماضي من خلال نظام عميل، يفتح البلاد للمشروع الصهيوني- الصليبي، من جديد، كي يحوّل إيران إلى قاعدة ينطلق منها هؤلاء لدرء أي خطر يهدد وجود المشروع الصهيوني من جهة أهل السُنّة. فأهل السُنّة، في نظرهم وفي عقيدتهم التوراتية- الخلاصية، هم الخطر الحقيقي الذي يسعى المشروع الصهيوني- الصليبي إلى صدّ خطرهم، قريبا من الحدود التركية – السورية- العراقية.
11- قدرُ الله آت.. وفيه ما فيه مما نعلمه، ومما لا نعلمه. وسواء نجح هؤلاء في إسقاط النظام الإيراني الحالي أم فشلوا، فنحن أمام مواجهة وجودية… كسر عظم.. مواجهة بدأت في غزة ولا ندري أين ستنتهي!! بل ربما ندري…
12- أما ذلك الدجال الصغير، فرعون العصر المستكبر، المنتفش انتفاشة الديكة، فنقول فيه:
إذا صار السفيهُ كبيرَ قومٍ فبشِّرهُم بما ذكرَ الرسولُ..
بأن الفجرَ أضحى قابَ قوسٍ ونجمُ الكُفرِ صَبَّحَهُ الأفولُ
وإنْ سفكُ الدماء طريقَ غدْرٍ فقد قــُرعَتْ لسحْقهِمُ الطبولُ
وأفْلتَ من سلاسله عقيلٌ يجوب الأرض تتبعه الفلولُ
يريد الفأرُ أن يبدو هزبرًا وما للفأرِ حظٌ! مُستحيلُ!
وإنْ ملكَ القميءُ زمام أمرٍ فبلِّغْ قومه: سُدَّ السبيلُ
فأمْريكا الحقيرةُ سوف تمضي إلى قاع الجحيم، فلا قبولُ
وأوساخُ الفِرنجةِ – يا لهولٍ سَتطْهُر من رذائلها الحقولُ
وقد يبقى على البيضاء بعضٌ حقيرٌ من حُثالاتٍ.. ذليلُ
فلا تمضي سويعاتُ ليُمحى … وتطهُر من نجاسته سهولُ
وتنعُم بعدها بالعدل أرضٌ ويغمُرُ أهلها القِسطُ الأصيلُ


