عندما يبدع القدر في المواساة وفي تصفية الحسابات

الشيخ كمال خطيب
في زمن صلف الباطل وعربدته، في زمن بريق الباطل وزيف لمعانه، في زمن صخب وضجيج صوت الباطل، حتى ليخيّل لمن يعيش ويرى هذا الصلف وهذا الزيف وهذا الضجيج أن الدنيا قد دانت للباطل وأهله، وأن الحق قد شيّع إلى مثواه الأخير، وأنه قد طويت صفحته ولم يعد له مكان ولا أنصار في هذا الزمان.
في مثل هذا الظرف العصيب، ما أحوجنا إلى أن نذكّر بعضنا أن الباطل يظلّ باطلًا وإن علا ضجيجه وكثر أنصاره ولمع بريقه. ما أحوجنا إلى أن نذكّر بعضنا أن ليس كل ما يلمع ذهبًا، فقد يكون ذهبًا مزيفًا، بل قد يكون نحاسًا رخيصًا أو مجرد معدن ليس له قيمة.
وفي مثل هذا الظرف العصيب، ما أحوجنا إلى تثبيت بعضنا وتذكير بعضنا أن وجود فراعنة ونماردة جدد فإنما هو بإذن الله وإرادة الله، مثلما كان يومًا فراعنة وأكاسرة ونماردة، وقد جرى عليهم قانون الله العاجل. ولن يكون مصير فراعنة ونماردة هذا الزمان مختلفًا عن مصير من سبقوهم.
وعليه، فما أحوجنا إلى الطمأنينة الإيمانية والثقة بتدبير ورعاية الله للحق وأهله، وأن لا نستعجل بالحكم على الأشياء والأحداث من بدايتها ولا من ظاهرها، {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ۙ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [42 سورة الأنفال].
نوح وموسى وإبراهيم وتدابير القدر
ها هو نبي الله موسى يسير بالليل حيث الوحشة والعتمة، وأقصى ما يتمناه في تلك الليلة أن يعثر على نار، بل على قبس من نار بها يتدفؤون وعلى نورها يسيرون. ولذلك فإنه لما رأى نارًا من بعيد واتجه إليها {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [9-10 سورة طه].
فظاهر ما رآه موسى أنها نار، فتوجه إليها يجرّ رجليه لاهثًا متعبًا، لكنه لم يكن يعلم أنه ذاهب إلى حيث يسمع صوت رب العالمين وخالق الناس أجمعين يقول له: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ} [12-13 سورة طه].
وإذا كان الله تعالى يقول لموسى: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ}، فما علينا في هذا الزمان إلا أن نطمئن لاختيار الله وتدبيره، ونثق أن لله ألطافًا خفية نحن لا نعلمها.
ومثل موسى عليه السلام فإنه نبي الله وخليله إبراهيم وهو يطرح ولده وفلذة كبده ومن آتاه على الكبر إسماعيل. إنه يطرحه ليس ليلاعبه ولا ليداعبه، وإنما ليذبحه {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [102 سورة الصافات].
ولأن إبراهيم استجاب لأمر الله بذبح ابنه، ولأن إسماعيل استجاب لأمر الله وقال لأبيه: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [102 سورة الصافات]، لأجل ذلك فإن الله سبحانه كان قد خلق كبشًا يرتع هناك في الجنة بانتظار أن يأتي جبريل ليحمله معه ليكون فداء لإسماعيل في تلك اللحظة. فظاهر الأمر إنه الذبح والدم وألم الفقدان، لكنه كان في لطف الله أمر آخر.
فما أحوجنا إلى الطمأنينة والثقة بأمر الله حين يقع، وأن لا نحكم على الأحداث بظاهرها، فقد يكون ظاهرها الألم والدم والدموع وفقدان الأبناء والأهل، لكنها تحمل في طيّاتها الحياة والرفعة للجيل بل للأجيال.
وإنه نبي الله نوح عليه السلام قد استجاب لأمر الله ببناء وصنع السفينة، وأمام سخرية قومه منه وتطاولهم عليه، فما كان منه إلا أن يجأر لله بالدعاء، {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [10 سورة القمر].
لكن نوحًا الواثق بربه المطمئن لقوته وجبروته لم يكن يعلم أن قيمته ومكانته عند الله ستجعله يغرق البشرية كلها كرامة له ومن أجله، وأن سكان وأهل الأرض كلهم سيغرقون ويفنون إلا هو ومن كان معه في السفينة. إن نوحًا في أوج تفاؤله لم يكن ليبلغ به إلى حد أن تصبح السماء والأرض جنودًا يدافعون عنه وينتصرون له، {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [12 سورة القمر].
فما أحوجنا وقد تكالب علينا الأعداء إلى أن نثق بوعد ربنا سبحانه ونطمئن إلى قوته، وأن الله تعالى لا يتخلّى عن أوليائه ومن كانت هجرتهم إليه سبحانه. فلتكن ثقتنا به سبحانه كبيرة ونعتمد على تدبيره، فالله أرحم بنا من أنفسنا وما يختاره لنا خير مما نختاره نحن لأنفسنا.
سهام الدعاء لا تطيش
وما الذي جعل موسى عليه السلام لا يقبل الرضاعة من أي امرأة بعد أن عثروا عليه في صندوق تتقاذفه الأمواج، ومن شدة جوعه فقد ملأ صراخه جنبات القصر، والكل منشغل به، {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ} [12 سورة القصص].
إن هذا كله كان بتدبير الله تعالى ووفاء لوعده لأم موسى من أجل أن ينجيه من الذبح الذي أعمله فرعون بكل طفل يولد لبني إسرائيل، {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [7 سورة القصص].
لقد حرّم الله عليه المراضع بلطفه ليكون سببًا في أن يردّه إلى أمه، {فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ} [13 سورة القصص]. لقد كان كل هذا لأجل أم مشتاقة لطفلها وصغيرها.
فما أحوجنا إلى حسن الثقة بالله سبحانه والطمأنينة لتدبيره وأنه أرحم بنا من أمهاتنا:
على ثقة بوعد الله عشنا
بلا يأس وما زلنا نعيش
تجيش قلوبنا حزنًا ولكن
بذكر الله يهدأ ما يجيش
وما غير الدعاء إذا عجزنا
فإن سهامه ليست تطيش
وها هو الحبيب محمد ﷺ وقد ماتت زوجته خديجة رضي الله عنها، ثم مات عمه أبو طالب، وجرى معه ﷺ ما جرى في الطائف، واشتدت عليه الأحزان والهموم حتى إن ذلك العام كله قد سمي بعام الحزن.
لكن أحدًا لم يكن يعلم أن زفرات الدعاء وأن دموع الرجاء كانت من رسول الله ﷺ وهو يقول:
“اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس…”.
إن أحدًا لم يكن يعلم أن العوض على ذلك وأن المواساة والتطمين ستصل إلى حد أن يأمر الله أمين السماء جبريل لينزل إلى الأرض ومعه البراق، ومن هناك يطيران بأمين الأرض محمد ﷺ إلى السماء الدنيا بل إلى السماء السابعة، بل وقريب من عرش الرحمن سبحانه، {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ} [9-10 سورة النجم].
إنها الثقة بالله، لا بد أن نتسلح بها في زمن كثر الخطب وعمّ البلاء وتطاول الأعداء وخان الزعماء. إنها الثقة والطمأنينة لمعية الله تغيّر نواميس الكون وقوانينه انتصارًا من الله لأوليائه. إنه الله الذي جعل البحر لا يغرق موسى، وجعل النار لا تحرق إبراهيم، وإذا به سبحانه يسري بحبيبه محمد ﷺ ثم يعرج به من مكة إلى القدس إلى السماوات العلا وما يزال الفراش دافئًا.
حروب تسبق السلام
ومن كان يعلم أنه من أجل أن تتهيأ الأرض لاستقبال محمد ﷺ ودينه والنور الذي سيجيء به وينزل عليه، كان لا بد من تدبير إلهي يتمثل بتلك الحرب الطاحنة التي سبقت الرسالة المحمدية بين الفرس والروم.
تلك الحرب التي امتدت طوال سنوات وكانت على جولات أكلت الأخضر واليابس وأهلكت الحرث والنسل، حتى ضاق الناس ذرعًا من كثرة ما سال من دماء. وليس هذا وحسب، بل إن البشرية يومها أصبحت على قناعة أنه لا الفرس ولا الروم يمكنهم أن يخلّصوا البشرية مما هي فيه، وأنه لا بد من راية جديدة ومشعل جديد، ولا بد من رسالة ورسول يحمل راية الخلاص للبشرية.
فما أن نادى محمد ﷺ في الناس، وإذا بالباحثين عن الحقيقة، وإذا بالعطاش من ظمأ الجاهلية ومن ضجروا من صراع الفرس والروم يجدون في الإسلام ضالتهم، فأقبلوا عليه حتى إن الإسلام قد انتشر في بلاد الفرس والروم، بل وأصبحت عواصمهم أحياء داخل حدود الدولة الإسلامية العتيدة خلال 23 سنة.
إنها الثقة بتدبير الله سبحانه تجعل المسلم يطمئن إلى أن الأحداث التي تقع في هذا الزمان ليست خارجة عن تدبير الله تعالى، وأن الله تعالى قد جعل ما تسمى حضارة الرأسمالية وحضارة الاشتراكية تفلس وتفشل، فلا أسوأ من هؤلاء إلا أولئك.
ولعل حالة التدافع التي تشهدها البشرية هذه الأيام تمهد لجعل البشرية تدرك أن اليهودية لا تملك مفتاح سعادتها ولا المسيحية كذلك، وإنما مفتاح سعادتها بالإسلام وبالإسلام فقط.
ومثلما كانت حربًا ضروسًا بتدبير الله بين الفرس والروم لتجعل البشرية تتهيأ لاستقبال الإسلام، فإن حربًا ضروسًا أخرى دائرة بين الأوس والخزرج في المدينة المنورة أفنت الكثيرين من القبيلتين حتى أصبح أبناء الأوس والخزرج يلتفتون يمينًا ويسارًا شرقًا وغربًا بحثًا عمن يخلصهم مما هم فيه.
فما أن بزغت أنوار الرسالة المحمدية وإذا بأبناء الأوس والخزرج يتلقفونها ويتشرّبونها كما يشرب الظمآن إذا ورد الماء.
إنه تدبير الله سبحانه بإيقاع تلك الحرب لتجعل أبناء الأوس والخزرج ينفضون أيديهم من عصبية القبيلة ويمدّون نفس تلك الأيادي لتبايع رسول الله ﷺ، وليصبحوا أنصار رسول الله ﷺ ومن سينزل صاحب الرسالة قريبًا في مدينتهم لتكون منطلق رسالة الإسلام إلى الدنيا كلها.
وإنني أجزم أن ما يجري في هذا الزمان ما هي إلا لطائف ربانية كلها لتهيئ البشرية للوصول إلى اليقين بأن حلّها وشفاءها وسعادتها لن تجده في غير الإسلام، ولعل أحداثًا بل حروبًا بل أشرارًا يجعلهم الله سببًا لتغيير أو لحدث يريد الله أن ينفذه يكون في ظاهره الشر بينما الخير كل الخير فيه.
وكم لله من لطف خفي
يدق خفاه عن فهم الذكيّ
وكم أمر تُساء به صباحًا
وتأتيك المسرّة بالعشيّ
وكم يسر أتى من بعد عسر
ففرج كربة القلب الشجيّ
إذا ضاقت بك الأحوال يومًا
فثق بالواحد الفرد العليّ
ولا تجزع إذا ما ناب خطب
فكم لله من لطف خفيّ
إنها نفس الأيدي
ما أجملها تلك العبارة التي قالها الأستاذ الفاضل أدهم شرقاوي:
“الأيدي التي ألقت يوسف عليه السلام في الجبّ هي نفس الأيدي التي امتدت إليه تسأله الصدقة، القدر مبدع في تصفية الحسابات”.
إنها نفس الأيادي التي كان دافعها الأنانية والحسد والكيد هي التي ألقت بيوسف في غيابة الجبّ، لكن الأيام دارت لتضطر نفس تلك الأيدي لتمتد إلى الذي ألقته في الجبّ تتوسل وتتودد إليه وتطلب منه الإحسان والصدقة، {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} [88 سورة يوسف].
إن الذي ألقوه في الجبّ قد نجّاه الله منه فأخرجه من قاع البئر وجعله يجلس على كرسي القصر في مصر، فلا تباع حبة قمح إلا بإذنه.
وإننا نقول اليوم لمن يظلمون المسلمين ويتطاولون عليهم: إن القدر مبدع في تصفية الحسابات، ولن يطول الزمان حتى يبدع القدر من جديد ويعود المسلمون سادة الدنيا، فالأيام دول يوم لك ويوم عليك، {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [40 سورة آل عمران].
فلن يظل القوي قويًا إلى الأبد، ولن يظل الضعيف ضعيفًا إلى الأبد.
فيا هؤلاء، لا تحرقوا كل الأوراق، ولا تغرقوا كل المراكب، ولا تقطعوا كل الحبال بيننا وبينكم، بل أبقوا ولو خيوطًا رقيقة لدورة الزمان القريبة القادمة التي هي دورتنا وجولتنا وصولتنا، تجعلنا نتذكر بقايا إنسانية كانت فيكم.
فيا أيها المسلمون المظلومون المقهورون، يا من جفّت الدموع من مآقيكم وأنتم تبكون من الوجع والقهر والظلم، اطمئنوا، فإن دموعكم غالية على الله، ولأجل هذه الدموع والآهات فإن يد الله تعمل وتحرك وترسم خيوط الفجر الآتي والفرج القريب.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.