القدس والأقصى..مفترق الطرق الأخير…
حامد اغبارية
ليس هناك أكثر من كبار حاخامات المؤسسة الإسرائيلية، وكبار مفكريها وباحثيها، وكبار سياسييها، سابقا ولاحقا، معرفةً بحقيقة وشكل وهيئة ونتائج سياسة الاحتلال الكارثية، ومن ورائها الدعم الأميركي الأحمق، وغير المحدود، والتي توّجت في هذه المرحلة بالاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لها، وهي بطبيعة الحال ليست آخر المطاف.
إن هؤلاء يعرفون – ربما أكثر من كثير من المسلمين والعرب والفلسطينيين- ما ستؤدي إليه أطماع الحركة الصهيونية، التي تشكل الغطاء العلماني الفجّ للأطماع التوراتية، الساعية إلى إقامة مملكة إسرائيل الكبرى؛ ذلك الحلم – الوهم الذي يتحدثون عنه في كتبهم وفي تصريحاتهم وفي مقالاتهم، تصريحا تارة، وتلميحا تارة أخرى.
إنهم يعرفون أن قضية القدس والمسجد الأقصى المبارك تشكل مفترق الطرق الأخير، الذي ستقف أمامه البشرية، كل البشرية، كي تقرر مصيرها ومستقبلها؛ فإما إلى هنا، وإما إلى هناك. ويغلب الظن أنهم قد أغمضوا عيونهم عن هذه الحقيقة، بل عَميت عيونهم عنها، بقدر من الله تعالى، ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
إنهم يدركون تمام الإدراك أن المسلمين، وبضمنهم العرب والفلسطينيون، لن يتراجعوا قيد أنملة عن حقهم التاريخي والحضاري والإلهي في القدس والأقصى المباركين، تماما كما يعلمون علم اليقين أنهم يعيشون في كذبة تاريخية ابتدعوها، وأنه ليس لهم حق لا في القدس ولا في المسجد الأقصى المبارك، وأن هيكلهم الذي يبحثون عن آثاره تحت المسجد الأقصى منذ أربعة عقود وأكثر، ليس هناك، لم يكن هناك، ولن يكون لهم هيكل هناك، فحالهم في تلك الحفريات كحال الذي يحفر قبره بيديه… وهم يعرفون هذا تماما، وقد قاله كثيرون منهم، وصرحوا به عبر السنوات، لكن الأطماع التي يعيشون سرابها أعمت عيون قياداتهم الدينية ذات الارتباطات مع مفاهيم الكنيسة الإنجيلية، التي تؤمن بضرورة قيام مملكة إسرائيل، التي سيحكم المسيح العالم بعد عودته، من خلالها، وهو الذي يسميه التوراتيّون (ميلخ ماشيّح)، والذي نؤمن- نحن المسلمين- أنه لن يكون إلا المسيح الدجال. كما أعمت عيون قياداتهم السياسية التي تقود المشروع الصهيوني، وتسعى إلى تحقيق أهدافه الكبرى، مستعينة بتلك القيادات الدينية، التي تسيطر على المشهد العام، وتقود حملة الاستيطان في الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها القدس، والتي تعتبر من أكثر التيارات الدينية اليهودية تطرفا وفاشية ودموية وكراهية للفلسطينيين والعرب والمسلمين، مشحونة بأضاليل توراتية وضعت منهاجها قوى ذات علاقة بالكنيسة الإنجيلية، التي ربطت مصيرها بمصير المملكة الكبرى، وهي كنيسة لها أتباع بمئات الملايين في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة، ومن هؤلاء الأتباع رؤساء أميركيون، أمثال ريغان وبوش الأب وبوش الابن، وأخيرا دونالد ترامب، ومنهم جنرالات عسكريون وضباط مخابرات، وسياسيون في الكونغرس، وقادة في البنتاغون، وفي شركات السلاح والنفط الكبرى، وباحثون استراتيجيون وكتّاب ومفكرون وأدباء وإعلاميون ومحاضرون في الجامعات وغير ذلك من المواقع الحساسة، ذات التأثير الكبير على مجريات الأحداث في العالم، وخاصة في منطقة الشرق الإسلامي.
إنه هؤلاء يعرفون كذلك أن مواجهة حاسمة ومصيرية ستقع ذات يوم من تاريخ البشرية، سيكون عنوانها القدس والمسجد الأقصى المبارك، وأن هذه المواجهة لن يكونوا هم الطرف المنتصر فيها، كما يعلمون أن هذه المواجهة، التي وضعوا هم أسسها وتفصيلاتها بغبائهم، وبما كسبت أيديهم، ستكون يد المسلمين فيها هي العليا، وإن بدا الأمر الآن ضربا من الخيال، في ظل حالة الضعف والهوان التي يعاني منها المسلمون. وقد سبق للصليبيين في حملاتهم ضد الشرق أن مارسوا ذات السياسة، رغم علمهم أنهم إنما يسيرون نحو الهاوية، وأنهم لو سيطروا على بلاد المسلمين حقبة من الزمن، مستغلين حالة الضعف التي عانى منها المسلمون في تلك الأيام، فإن هذا الوضع مؤقت، وقد ذاقوا مرارة سياساتهم الحمقاء على جلودهم.
وإن هؤلاء يعلمون علم اليقين أن كل ما يجري الآن، وكل ما سيجري غدا، إنما هو من صنع أيديهم، وأن (صاعقة الرب)، التي ينتظرون أن تنزل من السماء لتزيل المسجد الأقصى كيما يتمكنوا من بناء هيكلهم المزعوم، ستنزل في الحقيقة على رؤوسهم، وأن (غضب الرب الذي لم يغضب مثله من قبل) إنما سيحل عليهم، وليس على غيرهم، كما يزعمون، وكما يروّجون، وكما يوهمون البسطاء من شعوبهم؛ هؤلاء البسطاء الذين يشكلون الحطب الذي به يشعلون نيران الحروب في كل بقعة خضراء على هذا الكوكب!
إنها القدس، مدينة السلام، مدينة العرب والمسلمين، وهي الصخرة التي عليها ستتناثر كل أوهام هؤلاء وأحلامهم. وإنه المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين، الذي على صخرته ستتلاشى كل أباطيل هؤلاء وأكاذيبهم… والمصيبة أن كبارهم يعرفون هذا، ويدركون حقيقته، ومع ذلك يواصلون حمقهم وغباءهم بإتقان عجيب، يقرب من درجة الإبداع!!
لقد بذل هؤلاء عبر عقود طويلة كل جهد، واتبعوا كل وسيلة لإلهاء أصحاب الحق عن حقهم، فاختطفوا مصر السادات، في السبعينات، وجعلوها خارج المعادلة، ثم صنعوا تمثال أوسلو، ذلك الصنم الذي لا تريد سلطة رام الله أن تحطمه، بل تتشبث به بأظافرها، وها هم الآن يفركون أيديهم جذلا مما صنعوا في مصر والشام واليمن وليبيا، حتى جاءت (اللحظة) التي تمهد لهم التمكين الواهم، على صورة إعلان ترامب البائس ذاك، ظانين أن الصبح سينبلج عن قصر أوهامهم، لكنهم في ذات الوقت يعيشون أصعب لحظات تاريخهم، لأنهم في الحقيقة يعرفون إلى أين هم ذاهبون….
لن يطول المسير… ولن تتأخر أقدار الله سبحانه، التي تأتي في وقتها الذي أراده الله تعالى، وإن ظن كثيرون، ومنهم فلسطينيون وعرب ومسلمون، أن المعركة حسمت، وأن مستقبل الأمة قد حُسم، وأنه لن تقوم لهم بعد اليوم قائمة. هم واهمون… بل أكثر من ذلك، إنهم يعانون من هبوط حاد في مستوى فهم المقروء من التاريخ، ومن الحاضر، وهم عاجزون عن رؤية أبعد من أرنبة أنوفهم، فكيف يقرأون المستقبل؟!!
إن المستقبل لهذه الأمة، التي ستنهض بكل قوتها، في نفس اللحظة التي سيعتقد كل من على هذه الأرض أن أمة الإسلام قد أصبحت صفحة ماضية في كتب التاريخ، وأن الزمن هو زمن المشروع الصهيوني وزمن أميركا ومن لف لفها، وأن هؤلاء قد أحكموا قبضتهم على كل شيء..
وإلا… هل من يفسر لنا كيف أن قوى الإجرام العالمي، كلما سعت إلى إشغال الأمة عن قضيتهم الأولى، من خلال اختلاق أزمات هنا وهناك، عادت البوصلة من جديد لتتجه إلى القضية الأولى؛ نحو القدس والمسجد الأقصى المباركين؟!
هل من يفسر لنا كل هذا الحشد الكوني ضد المسلمين وضد الإسلام، وهو الحشد الذي أصبح علنيا في مطلع التسعينات، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي؟!
إنه المارد الذي سينتفض فجأة، وهو البركان الذي سيتفجر في وجوه هؤلاء، ليريح البشرية من عذابها، وينشر العدل والقسط في أرجاء الأرض، بعد أن ملأها هؤلاء ظلما وجورا.