أخبار رئيسية إضافيةأخبار عاجلةمقالاتومضات

معسكر التواصل مع النقب: بصمات خالدة في مشروع المجتمع العصامي (3)

ساهر غزاوي
على مدار 10 أعوام، جسّدت الحركة الإسلامية التي حظرتها السلطات الإسرائيلية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، من خلال معسكر التواصل مع النقب، فكرة مشروع (المجتمع العصامي) بهدف بلورة مجتمع يدير مؤسساته ووجوده إدارة مستقلة حتى يتحرر من الضغوط التي تمارسها المؤسسة الإسرائيلية على العرب في الداخل ولا سيّما عرب النقب، وتركت الحركة بصمات خالدة في المجالات الحياتية والخدماتية وعلى الواقع الاجتماعي والسياسي في النقب، إن كان ذلك على الصعيد العام أو على الصعيد الفردي وطبقت هذا المشروع تطبيقًا عمليًا على أرض الواقع عبر إقامة مشاريع ذات صلة شمولية من شأنها بناء الحياة الاقتصادية والصحية والاجتماعية، كما واستنهض هذا المشروع الطاقات في كافة المجالات، وعمل على إحياء مبدأ التطوع وإقامة معسكرات العمل والتواصل لمواصلة إعمار مسيرة المجتمع في النقب لدعم صمود أبنائه في بقائهم وانتمائهم وتمسّكهم بأرضهم وهويتهم الدينية والوطنيّة.
خلال 10 أعوام متتالية، بدءًا من العام 2006 ولغاية العام 2015، أنجزت الحركة الإسلامية من خلال معسكر التواصل مع النقب وعبر مؤسسة النقب للأرض والإنسان، وهي مؤسسة تعنى بشؤون عرب النقب، مشاريع عمرانية وحياتية وخدماتية ضخمة أنفق فيها 20 مليون شيكل على النحو التالي: بناء وصيانة 141 بيت في النقب، تنفيذ 39 مشروعا ما بين بناء الجسور وتعبيد الشوارع، مد شبكات مياه إلى 11 قرية غير معترف بها إسرائيليًا، بناء وإعمار 78 مسجدًا، زراعة 21 ألف شتلة زيتون في أرض النقب، إقامة 12 ملعبًا للأطفال، أعمال صيانة وترميم 41 مدرسة للطلاب في النقب لتعليمهم، صيانة 10 مقابر.
يضاف إلى ذلك، فإن من أهم البصمات الخالدة في مشروع (المجتمع العصامي) الذي قدمته الحركة الإسلامية في معسكر التواصل مع النقب، تطبيق أصل إحياء الموارد المالية الذاتية (الأرض، القدرات العلمية، المال) وإحياء باب الوقف الإسلامي وباب الصدقة الجارية وباب الوصية كرافعة اقتصادية، ففي هذا السياق يذكر الشيخ رائد صلاح في مقاله (نحو مجتمع عصامي 2) أن “كلا من الشيخ سعيد العقبي والشيخ إبراهيم الوكيلي والأخ محمد سلمان السيد وكلهم من النقب قاموا خلال معسكر التواصل الأول بوقف ما يزيد عن عشرة دونمات أرض لمصلحة الأهل في النقب عامة”.
وضع معسكر التواصل مع النقب بصماته الخالدة في كل بقعة من أرض النقب ولم تترك قرية أو بلدة، من بئر هداج جنوبًا وحتى العراقيب وأم الحيران شمالًا، إلا وفيها بصمات من المشاريع الخيرية والإنسانية والعمرانية التي تؤكد على تواصل الأهل في الداخل الفلسطيني مع أهلهم في النقب وتحققت ثمرة أبناء الشعب الواحد بحرص الحركة الاسلامية على سلامة المجتمع العربي وتقوية أواصر المحبة والتكافل والعطاء والإخاء والترابط واللحمة القوية وتبني أواصر الوحدة وتقاسم المصير الواحد بين أبناء الشعب الواحد بين كافة مناطق الداخل الفلسطيني، فكان معسكر التواصل مع النقب نموذجًا عمليًا لذلك في أبهى صوره وعلى أحسن وجه في تنفيذ أفضل مشاريع العطاء والإنجازات على أرض النقب الصامد.
من أهم البصمات الخالدة في مشروع (المجتمع العصامي) والتي قدمتها الحركة الإسلامية في معسكر التواصل مع النقب، تحقيق الأهداف والغايات التي تتمثل في الحفاظ على الهوية العربية لعرب النقب وإقامة مشاريع التحدي والرباط والصمود على الأرض وغرس مفاهيم الانتماء وحب الوطن في نفوس العرب أصحاب الأرض في النقب ومساعدة العائلات المستورة والمحتاجة ومباركة الأولاد (تنظيم ختان “طهور” مجاني لكافة الأطفال في النقب) وغرس مفهوم التطوع وخدمة الغير والبذل والتضحية في سبيل النهوض بالمجتمع وغيرها من الأهداف الإنسانية والدعوية والاجتماعية والسياسية.
غير أن القرار الإسرائيلي بحظر الحركة الإسلامية ألقى بظلاله على كثير من مواقع العطاء التي كانت الحركة تؤدي فيها واجب الخدمة لأبناء المجتمع الفلسطيني في الداخل وتحديدًا من خلال معسكر التواصل مع النقب الذي قامت عليها الحركة الإسلامية ومشاريع (مؤسسة النقب للأرض والإنسان) التي حُظرت إلى جانب 30 جمعية أخرى تابعة للحركة الإسلامية كانت ناشطة في كل شؤون الأهل في الداخل الفلسطيني والقدس المحتلة، إلا أن ثمرة خير معسكر التواصل مع النقب وبصماته الخالدة في مشروع (المجتمع العصامي) لا تزال إلى اليوم تعمل على ترسيخ وجود الأهل في قرى النقب التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات الحياتية الأساسية من البنية التحتية، الكهرباء، خطوط الهواتف، الصرف الصحي، الشوارع، العيادات الصحية والنقص الكبير في المدارس ومياه الشرب بسبب سياسة تضييق الدولة الإسرائيلية ومشاريعها التهويدية.
في النهاية، نؤكد ما قلناه في افتتاحية المقال الأول إن فكرة مشروع (المجتمع العصامي) الذي أطلقته الحركة الإسلامية لم تكن مجرد أفكار لا تلامس الواقع وغير عملية ولا مدروسة مع آليات وخطوات للتنفيذ، ولم يكن هناك فيه أي عائق واقعي يعيق تنفيذه لتتم عملية “مأسسة” المجتمع وبناء عصاميته حتى لا يبقى هذا المجتمع رهينة الفروق المدمرة في بنيته الحياتية ولا رهينة الظلم التاريخي والاضطهاد الديني والتمييز القومي ومصادرة حقوقه اليومية. بل على العكس تمامًا، والماضي والحاضر يشهد، أن مشروع (المجتمع العصامي) بِبُعده الحياتي والاجتماعي والسياسي، تفكير فريد ومميز ولا ينّم إلا عن فكر وممارسة سياسية واجتماعية لقيادة وحركة تفقه الواقع جيدًا وتستشرف المستقبل وتعمل له في الحاضر ومعسكر التواصل مع النقب خير شاهد على ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى