لعاعة الكنيست والمنظور الفقهي

لعاعة الكنيست والمنظور الفقهي

د. أنس سليمان أحمد
الشيخ رائد بدير أحد الأخوة الذين نحبهم ونحترمهم، وإذا ناقشناه في موقف أو رأي أو مقالة، فليس لأننا نشك في دينه، حاشا لله تعالى، بل لأننا وهو غير معصومين، ولأننا غير معصومين فيجوز علينا الخطأ، هذا من جانب، ومن جانب آخر لأن علمنا الشرعي محدود، وهي حقيقة لا نعيب فيها على أنفسنا ولا على غيرنا، ويبقى السؤال: هل يخولنا علمنا المحدود أن نفتي أو نجري بحثاً فقهياً في نازلة شائكة كلعاعة الكنيست، ومرة أخرى أقول هذه حقيقة لا نعيب فيها على أحد منا، ولعلّ البعض يقول: فلان حصل على لقب دكتوراه أو ماجستير في الشريعة الإسلامية حول الموضوع الفلاني، وسلفاً نبارك لفلان الذي حصل على هذه الشهادة، وسلفاً ندعو الله أن يجري الحق على لسانه، وسلفاً نسأل الله تعالى أن ينفع بشهادته أكبر عدد منّا، ولكن ذلك لا يمنعنا أن نسأل بكل أدب وتجرد لا تغيب فيه أجواء الأخوة وصفاء التناصح: هل لأن فلاناً حصل على هذه الشهادة في الموضوع الفلاني فقد أصبح له حق الاجتهاد في نازلة لعاعة الكنيست الشائكة؟! ما أعلمه أن عدد من حصلوا على شهادة دكتوراه أو ماجستير في موضوع شرعي ما، إن عددهم قد أصبح بالمئات في الداخل الفلسطيني، فهل يجوز لكل واحد منهم أن يجتهد في هذه النازلة؟ّ وإذا كان الجواب “نعم” فهل حصول كل واحد من هؤلاء على شهادة دكتوراه أو ماجستير يعني أنه قد استجمع شروط الاجتهاد التي حددها فحول علماء الأصول بناء على استقراء الكتاب والسنة، وبذلك أصبح مؤهلاً أن يفتي في كل نازلة مهما كان حجمها بما في ذلك نازلة لعاعة الكنيست، وإذا كان الجواب ” لا”!! لم يستجمع شروط الإجتهاد المنصوص عليها في أصول الفقه الإسلامي فكيف سنجيز له أن يفتي في نازلة لعاعة الكنيست، وهو الذي لا يجوز له – أصلاً-أن يفتي في مسائل فقهية فرعية لأنه فاقد لهذه الشروط، فكيف يجوز له أن يفتي في نازلة لعاعة الكنيست، وقد يماحك البعض شهواً وعن طيب خاطر ويقول: إن كل من حصل على شهادة دكتوراه أو ماجستير في موضوع شرعي فقد استجمع شروط الاجتهاد المنصوص عليها في أصول الفقه الإسلامي!! إنّ هذا القول شاذ وغريب ومستهجن ومرفوض، ولا أظن أن أبسط طالب علم شرعي يوافق على هذا القول!! لماذا؟! لأن هذا القول يعني أن هناك ملايين المجتهدين اليوم في حاضر الأمة الإسلامية والعالم العربي على اعتبار أن هناك الملايين الذين حصل منهم على شهادة دكتوراه أو ماجستير في موضوع شرعي ما، وهو ما لا يقول به أبسط طالب علم شرعي في كل الأرض!! ثم إن القول: إن كل من حصل على شهادة دكتوراه أو ماجستير في موضوع شرعي ما، فهو بذلك قد تحقق بشروط الإجتهاد، وهو بذلك يجوز له أن يفتي في كل نازلة بما في ذلك نازلة لعاعة الكنيست، إن القول بذلك سيفضي إلى فوضى شرعية لا حدود لها، وسيوقع المسلمين في متاهة بين من يحلل ويحرم وهما لا يملكان أصلا شروط الخوض في هذه النازلة الشائكة، وبذلك ستفسد على المسلمين دينهم، وسنشجع – من حيث لا نقصد- كل فقير إلى العلم الشرعي أو حتى كل عوام المسلمين أن يجيز كل واحد لنفسه الإجتهاد الشخصي في نازلة لعاعة الكنيست، وعندها الكارثة التي ستدع الحليم حيرانا، والتي قد تجعل كل صاحب موقع تواصل أو صفحة تواصل مجتهداً يتجرأ على الخوض في نازلة لعاعة الكنيست وسائر النوازل التي وقعت في الأمة الإسلامية اليوم بل وفي سائر المسائل الفرعية اليومية التي طرأت على حياة الأمة الإسلامية اليوم!! ولذلك إن مما يوجع القلب أن بعض عوام المسلمين اليوم – على صعيد الرجال والنساء-باتوا يتجرأون اليوم على الفقه الإسلامي ويفتون بكل ما هو شاذ قبيح يجعل من القائل به أو القائلة به قريبين من الزندقة والفسوق والعصيان!! لدرجة أن بعضهم أفتى بجواز قراءة القرآن جهراً مع آلات موسيقية، ولم يكتف بقول ذلك بل مارسه فعلاً!! ولدرجة أن بعضهم بات يتجرأ على إنكار السنة النبوية بالمطلق والادعاء أن القرآن الكريم هو مصدر التشريع الوحيد فقط !! ولدرجة أن البعض أنكر وجود المسجد الأقصى المبارك في القدس المباركة!! ولدرجة أن البعض بتن يدعين أن الجلباب الشرعي والحجاب الشرعي ليسا مفروضين على المرآة المسلمة، وبتن يشجعن النساء في الداخل الفلسطيني على خلع الجلباب والحجاب باسم اجتهادهن الشاذ المبتدع، وبتن ينشرن ذلك في مواقع التواصل الاجتماعي والأمثلة أكثر مما قلت، ولذلك نحن في حال عصيب يريد فيه البعض أن يستبيح العلم الشرعي وأن يهين علماء الشريعة، بادعاء أنه لا يجوز لأحد احتكار الاجتهاد في الإسلام!! وهو قول حق يُراد به باطل، إذ أنه لا يجوز لأحد احتكار الاجتهاد في الإسلام وفي نفس الوقت لا يجوز لأحد أن يجتهد في الإسلام إلا إذا تحقق بشروط الإجتهاد في الإسلام!! لذلك أنا ومَن غيري حتى نجيز لأنفسنا الاجتهاد في لعاعة الكنيست، لا لسبب إلا لأن أحدنا قد حصل على شهادة دكتوراه أو ماجستير في أحد المواضيع الشرعية؟! وهذا الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي وفق ما أعلمه، لمّا عُرضت عليه نازلة لعاعة الكنيست لم يتعجل إصدار فتوى فيها، بل طلب مذكرة مفصّلة عن لعاعة الكنيست، ثم بعد أن وصلته تلك المذكرة في بدايات التسعينات من مركز الدراسات المعاصرة – قبل حظره إسرائيلياً- قام باستمزاج رأي ستين عالماً مسلماً من كل مواقع الأمة الإسلامية الجغرافية حول نازلة لعاعة الكنيست، ثم أصدر بعد ذلك فتوى باسمه، وباسم كل أولئك العلماء بتحريم المشاركة في لعاعة الكنيست، وقد قامت صحيفة صوت الحق والحرية في حينه بنشر تلك الفتوى وبنشر أسماء كل أولئك العلماء الذين وقّعوا على تلك الفتوى.
وقد أصاب الشيخ رائد بدير كبد الحقيقة عندما قال في مقالته (تحقيق المناط في حكم المشاركة في انتخابات الكنيست الإسرائيلي لفل سطيني1984م) وهو يتحدث عن حالنا اليوم في الداخل الفلسطيني: “بزوغ جيل جديد درس الشريعة الإسلامية وحصل على شهادات عليا من فلسطيني الداخل، وهم والحمد لله كثر نسبة إلى الفقر الشديد في حينه – يقصد عام 1996م-والذي إستوجب إستيراد الحكم على المسألة”!! نعم لم يكن في الداخل الفلسطيني من مؤهل للاجتهاد في لعاعة الكنيست في عام 1996م، ولذلك تم التوجه إلى علماء الأمة الإسلامية الثقاة، وكان على رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي الذين حرّموا المشاركة في لعاعة الكنيست، ولكن البعض – للأسف-تجاهل تلك الفتوى، وأفتى لنفسه – وهو غير مؤهل أن يفتي-بجواز المشاركة فيها، وشارك فيها!! ولكن السؤال الذي يُسأل بناء على قول الشيخ رائد بدير: هل هناك واحد من هذا الجيل الجديد الذي درس الشريعة الإسلامية وحصل على شهادات عليا مؤهل أن يجتهد في نازلة لعاعة الكنيست؟! ومن هو الذي توفرت فيه كل شروط الاجتهاد؟! أم أن الأحوط لدينا والأتقى لآخرتنا أن تجتمع على هذه النازلة مجموعة ثقاة من هذا الجيل الجديد، وأن نتعاون فيما بينها، وأن تتعاون مع سائر علماء الأمة الإسلامية الثقاة حول الإحاطة بهذه النازلة التي أكد الشيخ يوسف القرضاوي تحريمه لها في أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة.