من المتهم ومن الضحية؟!

من المتهم ومن الضحية؟!

ليلى غليون
ما أسهل أن نلقي بأخطائنا في سلة غيرنا أو أن نلبس غيرنا ثوب الملامة مجردين أنفسنا من المسؤولية إما هروبا أو تهربا من نتائجها.
وما أسهل أن نزيح أصابع الاتهام عن أنفسنا ونوجهها لغيرنا، ونوصمه بأبشع الصفات بأنه هو المسؤول عن سوء الحال والمآل، مبرئين ذواتنا وكأننا معصومون ونحن في الحقيقة جزء كبير من حجم المشكلة.
هكذا تعودنا أن نهرب أو نتهرب من المسؤولية لنزج الغير في قفص الاتهام وإبقاء الكرة في ملعبه، لنقنع أنفسنا أو بالأحرى لنضحك على أنفسنا أننا ضحية ما وصل إليه الواقع…. ولكن الحقيقة ليست كذلك!!!
نسمع اليوم العديد من الأصوات الغاضبة التي ترثي واقع مجتمعاتنا المليء حتى الطفاح بالكوارث الاجتماعية من حوادث عنف ومشاكل زوجية وأسرية ومشاكل أخلاقية وتربوية، وخيانات زوجية، وعلاقات غرامية، والعجيب الغريب أننا مباشرة نسارع في توجيه التهم لموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” بأنه هو السبب فيما نحن فيه ( وإن كان له دور كبير في المشكلة )، ليأتي من يلعن هذه التقنية بأنها السبب في كل هذه الكوارث، ويأتي آخر ويقول: أنظر ماذا فعل “فيسبوك” في مجتمعنا … فلانة تعرفت على فلان عن طريق الفيس بوك … شبان وفتيات ينشرون خصوصياتهم على صفحات الفيسبوك، ويتبادلون التعليقات الناعمة وفي كثير من الأحيان تكون التعليقات مائعة، تتكسر على إثرها كل الحواجز وتتحطم كل الحدود وبعد أن تقع الفأس بالراس، نلعن الفيسبوك وابو الفيسبوك ونقول هو السبب . وقبل الفيسبوك لعنا الانترنت واللي خلف الانترنت وقلنا الانترنت هو السبب، وقبل الانترنت لعنا التلفون وقلنا التلفون هو السبب، وقبل التلفون لعنا التلفزيون والفضائيات والمسلسلات المدبلجة وقلنا هي السبب، والحبل على الجرار، فأي تقنية يا ترى سنلعنها غدا لأنها حسب تقديرنا هي السبب للكوارث الاجتماعية والأخلاقية التي تعصف بنا؟!
فالمتهم إذن جاهز دائما، أما نحن فقد قبلنا لأنفسنا ببساطة دور الضحية.
من المتهم ومن الضحية؟!!
أسوق هذه المقدمة لا لأتحدث عن ظاهرة شبكات التواصل الاجتماعي أو ما يسمى بالفيسبوك وأخواته من شبكات التواصل القادرة على اختراق الحواجز المكانية والزمانية والوصول الى أي مجتمع بشري عالمي في أي بقعة هو فيها، ولا لأتحدث عن الفيسبوك كصيحة من صيحات التكنلوجيا الحديثة باعتباره الأكثر شعبية والذي لاقى ويلاقي رواجا واسعا بين فئات المجتمع، ولن أتحدث عن الفيسبوك كمتهم لما وصل إليه العديد من أفراد المجتمع، ولكن لأتحدث عن لب المشكلة بحسب رأيي … فأين تكمن المشكلة؟!
إن مشكلتنا ليس في الفيسبوك ولا في التويتر ولا في شبكة من شبكات التواصل ولا في أي تقنية من تقنيات هذا العصر والتي فرضت نفسها على واقع المجتمعات والشعوب، لأن الفيسبوك كغيره من الوسائل سلاح ذو حدين، فقد يكون سلبيا يدمر الأسر والمجتمعات وينشر الرذيلة ويذيب الحواجز بين الفتيات والشباب، ولكنه في ذات الوقت إن وظف بالشكل الصحيح والمنضبط أصبح وسيلة تواصل إيجابية فاعلة لها أهميتها في المجتمع ولها مجالات استخدام عديدة وضرورية مثل المجالات التعليمية والدعوية والتوعوية.
ولكن مشكلتنا تكمن في الاستخدام السيء لهذه التقنيات، بل الاستخدام الذي يعكس جهلا وربما هي اللامبالاة، فصرنا كمن يريد ركوب الأمواج وليس له أدنى علم بأصول السباحة ليغرق وربما أغرق معه الكثير، وهذا الذي حصل ويحصل والشواهد كثيرة والقصص منتشرة والمجتمعات مفجوعة باستقرارها وأخلاقها وقيمها، وإنه لظلم عظيم أن ننعت الفيسبوك بأنه هو المجرم رغم كثرة ضحاياه، والذين هم حسب رأيي ليسوا إلا ضحايا أنفسهم وجهلهم قبل أن يكونوا ضحايا هذه التقنية وسوء استخدامها.
فقبل أن تبحر تعلم السباحة
لا أحد يملك أن يمنعك من ركوب البحر، ولكن أليس من الخطورة بمكان أن تخوض هذا المجال قبل أن تتعلم قوانين السباحة لأن ذلك ربما كلفك حياتك؟! كذلك فإن التقنيات الحديثة أصبحت كالطوفان الجارف والجهل في التعامل بل الجهل في إتقان التعامل مع هذا الطوفان ربما يؤدي لجرفك وجرف مجتمعات بأكملها.
فقبل أن تركب موجة الفيسبوك وتبحر في محيطه الذي لا ساحل له…هل تعلم:
هل تعلم أنك حين تضع صورتك أو معلوماتك الشخصية فإنك لا تستطيع إلغاءها أو مسحها؟
هل تعلم أن هناك شيئا اسمه فبركة تقنية بحيث أن صورتك التي وضعتها في ذلك الموقع يمكن تعديلها وتركيبها بأشكال مشينة لا أخلاقية؟
هل تعلم أن هناك من باع ضميره وتعاقد مع الشيطان لينشئ صفحة تحمل اسم وصورة لإحدى الفتيات وينسب إليها أقوالا وأفعالا تسيء لسمعتها وأخلاقها؟
هل تعلم أن موقع الفيسبوك يشترط لنفسه حرية استخدام المعلومات أو الصور والإضافة عليها من قبل أي جهة أخرى؟
هل تعلم أن جميع معلوماتك المدونة على موقع الفيسبوك يمكن بيعها لمن يطلبها مهما كان هدفه ونيته؟
هل تعلم أنه يشترك في تمويل هذه المواقع شركات تكنولوجية عالمية البعض منها تابع لأجهزة مخابرات عالمية وجهات بحثية حريصة على جمع المعلومات مهما كانت صغيرة؟
هل تعلم أن المركز الكندي لسياسات الانترنت قام منذ فترة بتقديم شكوى إلى مكتب مسؤول الخصوصية في كندا يتهم فيها موقع الفيسبوك بجمع معلومات حساسة عن مستخدميه ويوزعها بدون إذن أصحابها؟
هل تعلم أنه يتم استغلال هذا الموقع من قبل أجهزة المخابرات للاطلاع على المعلومات الخاصة بالشباب والشابات ومعرفة توجهاتهم السياسية وأنماط تفكيرهم؟
فما الداعي إذن؟
لن ننكر أن فيسبوك وسيلة تتعرف بها على أصدقاء جدد، وقد تستفيد من خبراتهم ونجاحاتهم، وهو وسيلة تمكنك من التواصل مع القريب والبعيد أينما كان، كما هو أيضا وسيلة للتسلية ويجعلك في قلب الحدث، ويزيد من رصيدك المعرفي والمعلوماتي من خلال التحدث مع آخرين ومناقشتهم في أرجاء العالم.
ولكن!!!
ما الداعي لنشر صور شخصية وبأشكال ومناسبات مختلفة؟
ما الداعي لكشف تفاصيل شخصية حول الزوج أو الزوجة أو الأبناء أو المناسبات العائلية أو إلى أين أنت ذاهب اليوم وما هي برامجك؟
ما الداعي لمعرفة الغير بالهدية التي أهديتها لزوجتك وما هي مناسبتها وكم ثمنها؟
ما الداعي لمعرفة جميع الأصدقاء والصديقات المضافين لقائمتك بفحوى الرسالة الغرامية التي بعثت بها لزوجك تبثين له مشاعرك الرقيقة بأنه حبك الأول والأخير؟ ولماذا تشركين الغير بهذه الخصوصيات؟
ما الداعي لمعرفة الغير بطبختك اليوم وبأي مطعم تعشيت مع زوجك؟
ما الداعي لإضافة شباب لقائمة فتيات أو بالعكس من غير ضرورة (والضرورة تقدر بقدرها).

عجيب غريب يا زمان
إنه زمن العجائب والغرائب، فإنك حين تدخل أي بيت من البيوت فإنك غالبا ما تجد الستائر الفاخرة باهظة الثمن وقد غطت الحوائط أو الشبابيك خاصة إذا كانت الشبابيك من الزجاج الشفاف، وذلك حفاظا على حرمة البيت من أي نظرة ممكن أن تتسل عبر النوافذ، هذا في الوقت الذي بات الكثير منا ينشر كل خصوصياته وتفاصيل حياته على منشر الفيسبوك … معلومات شخصية … عائلية … زوجية …حتى ماذا أفطر وماذا تغدى وماذا تعشى وأين هو موجود الآن، وبالأمس القريب كان من يسأل عن هذه الأمور يعتبر متطفلا يتدخل في شؤون لا تعنيه وليس من حقه، لتنقلب الموازين رأسا على عقب ليتكرم المرء ويعرض بنفسه هذه المعلومات بالمجان وبدون أن يسأله أحد … فسبحان مغير الأحوال ؟!
نريد تواصلا حقيقيا وليس افتراضيا
أمرنا الله تعالى بالتواصل والتحابب وحسن العلاقات والتعامل، ورسالة الإسلام العظيم هي رسالة تواصل عالمية، ولكن الواقع يتكلم وفي صوته شجن ويقول أن القطيعة والفردانية تكاد أنيابها تغرز في عمق الجسد الاجتماعي، فلماذا غاب هذا التواصل في الواقع كما أمرنا ربنا عز وجل؟ نجد مستخدم الفيسبوك يتواصل مع عشرات إن لم يكن المئات من الأصدقاء الافتراضيين يتبادل معهم الحوارات والتعليقات اللطيفة والعبارات الجميلة، ولكن قد تجد بينه وبين جاره أو أخيه الذي يسكن بجواره قطيعة، وربما مر شهر أو أكثر ولم يزر أمه وأباه … فإذا كنا واصلين فلنثبت تواصلنا حقيقة وليس افتراضيا.
معقول يا ناس
إحدى الفتيات أرادت ركوب موجة العصر مثلها مثل الملايين من البشر الذين يقدر عددهم ( 2،2 مليارمستخدم على صفحة الفيسبوك حسب احصائية عام 2018) فتحت لها حسابا على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك وأضافت لصفحتها العديد من الصديقات وبالطبع الأصدقاء، ولأن هذه الشبكة تقرب البعيد وتذيب الحواجز والوقت متوفر للكلام والدردشة ولا أحد يراقب، ولا أحد يحاسب وحتى لو تم الحديث مع شباب فما المانع ما دامت تتواصل معهم عبر هذا العالم الافتراضي فهي لا تلتقي بهم وجها لوجه، وليست هناك خلوة كما تعتقد وتظن، والأمر مجرد تسلية وترويح عن النفس، لتذوب كل الحواجز وتنشأ علاقة غرامية بينها وبين أحد الشباب الذي طمع منها بمزيد من التنازلات وأن تبعث له صورها في بداية الأمر وهي تستجيب، ثم طلب منها صورة بلباس كاشف وهي تستجيب، وهو يطمع ويقول هل من مزيد! وهي تستجيب، حتى كانت صورها بحوزة جميع أصدقائه لتكتشف أنها كانت ضحية صياد ماكر ولكن بعد فوات الأوان وبعد أن وقعت الفأس بالرأس …. ثم يأتي بعد ذلك من يقول: (ملعون ابو الفيسبوك اللي كان السبب). فهل الفيسبوك هو المسؤول؟ ومن هو المتهم الحقيقي يا ترى؟! وهل من مجيب يا أولي الألباب ؟؟