مقالات

إني مهاجر إلى ربي …

ليلى غليون
ما أشبه اليوم بالبارحة، فالابتلاء واحد والمحنة واحدة، وهُبل واحد، والمسلم هو الهدف، فهبل يعود وينتصب من جديد له صولة وجولة مزهوا بجنون الغلبة والتمكين، حاملا عصا البطش والتنكيل لكل من يجرؤ ويرفع عينيه ليتلقى ضربة قوية على رأسه لا تقوم له بعدها قائمة …
إنه هبل الذي لا يفتأ يردد :(أنا ربكم الأعلى) ولا تفتأ جوقة العبيد والأتباع تردد وراءه قائلة :(سمعنا وأطعنا) لترتفع أعناقهم علوا واستكبارا وقد نفشوا ريشهم غرورا قائلين 🙁 من أشد منا قوة) …فها هو المسلم اليوم، بل إنه المسلم بالأمس، عاش ويعيش غربة إسلامه، ودفع ولا يزال يدفع فاتورة انتمائه وتمسكه بهويته وثوابته، يدفعها حصارا وتضييقا، يدفعها بطشا وتنكيلا، يدفعها سفك دماء وهدم بيوت على رؤوس أصحابها، يدفعها هتكا للأعراض واعتداء على الحرمات …
نعم لقد عاش المسلم غريبا وها هو اليوم يتسربل بعباءة الغربة التي تلفه من كل جانب، ها هو اليوم يعيش في ظلمة بطن الحوت وظلمة الليل والبحر، وتحيطه نيران النمرود من كل صوب، بل نيران النماردة العتاة الطغاة الذين لا تنام لهم عين ولا تهدأ لهم جارحة وهم يكيدون ويتآمرون ويتربصون ويحيكون المكر ألوانا.
فلا عليك أيها المسلم وأنت الطريد وأنت الغريب أينما كنت وأينما حللت وفي أي بقعة كنت من بقاع ارض الله الواسعة التي استفحل فيها الظلم والطغيان واستقوى فيها العتاة الطغاة وتجبروا وتألهوا.. فاصبر كما صبر رسولك صلى الله عليه وسلم من قبل، وناج ربك كما ناجاه، وادعه كما دعاه وقل: اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس.
ناده وناجه جل في علاه وكن على يقين بانه سبحانه غالب على أمره، وليرقص قلبك طربا وأملا حتى لو كانت اللحن من حولك حزينا، فأنت على موعد مع الفرج والصبح القريب الذي فيه ستخلع عباءة غربتك…
لا عليك أيها المسلم ولو كنت في قلب المحنة ورحم المعاناة، فاجأر إلى العزيز الجبار كما جأر يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت ورطب لسانك: بلا (إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، ولا يخالج قلبك أدنى ريب بأن الله بالغ أمره (يومئذ يفرح المؤمنون) …
لا عليك أيها المسلم إن كنت في وسط النار أو في جوف الغار والمتألهون من حولك يكيدون لك كيدا، فليطمئن قلبك ولتسكن جوارحك ولتقر عينك وقل بملء الفم ويقين المؤمن المتوكل: (ان الله معنا )، فأنت تسير بموكب الهجرة إلى الله الذي انطلق باسم الله وبعين الله، وأنت بقافلة الفرار إلى المولى عز وجل يحدو حاديها ( إني مهاجر إلى ربي …)(ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين)، (ربنا افرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ) وعين الله لا تنام وهو الرحيم الودود ذو العرش المجيد، مجيب دعوة المضطرين ليبشر عباده المهاجرين إليه، الفارين إلى رحابه 🙁 فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين )، إنه وعد الله الذي لا يخلف الميعاد، إنها البشرى بزوال هذا الليل وانبلاج عهد جديد إنها البشرى لكل مؤمن أن اثبت واصمد، فليس بعد العسر الا اليسر وأن الفرج لآت .
وإننا وفي هذه الأيام من أيام الله المباركة، إذ تداعب أجفاننا نسائم ندية من نسمات ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، فإن أمتنا لا تزال تتعرض لأعتى أساليب القهر والارهاب العالمي المنظم على يد هبل وفرعون هذا الزمان، ولا يزال الكثير من شبابها وشاباتها معرضين عن ذكر الله وتعاليم هذا الدين، فإننا نقول لهم ها هو مركب الهجرة إلى الله يدعوهم قائلا :(يا بني اركب معنا) …
فتعالوا نهاجر إلى الله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
تعالوا نهاجر إلى الكتاب المبين والسنة المطهرة وسيرة الصالحين العطرة.
تعالوا للهجرة عن المعاصي وما يغضب الله، تعالوا للسفر في رحلة الايمان التي سترسو بكم على شواطئ الأمان والنجاة.
تعالوا نهجر السفور والتبرج والملابس التي ما انزل الله بها من سلطان.
تعالوا نهجر الحقد والكره والضغينة والعنف وكل السلوكيات المنحرفة التي تقتل في النفس الحياء والمروءة.
تعالوا نهجر قطيعة الأرحام وعقوق الوالدين وإيذاء بعضنا بعضا. تعالوا نهجر كل فكر غريب يستهدف سلخنا عن ديننا واصالتنا.
تعالوا نطمس ظلام المعاصي صغيرها وكبيرها ونعقد معاهدة صلح مع الله تعالى ونعلنها هجرة صادقة وتوبة نصوحا نفر فيها الله عز وجل.

زر الذهاب إلى الأعلى