عشية انتخابات الكنيست: نظرة تحليلية على الحالة السياسية الإسرائيلية وتداعياتها على الواقع الفلسطيني والمجتمع في الداخل

عشية انتخابات الكنيست: نظرة تحليلية على الحالة السياسية الإسرائيلية وتداعياتها على الواقع الفلسطيني والمجتمع في الداخل

مقابلة خاصة مع الباحث السياسي د. إبراهيم خطيب

ساهر غزاوي
تشهد الساحة السياسية في البلاد، عشية انتخابات الكنيست الـ 22 المقررة في 17 أيلول/ سبتمبر 2019، حالة من الاضطراب والارتباك، ومزيداً من الصراعات والتعقيدات السياسية التي تمنع الاستقرار السياسي، وتلقي هذه الحالة بظلالها السلبية على الفلسطينيّين في الضفة وغزة والقدس من تضييقات وسياسيات تصعيدية.
كما وتلقي هذه الحالة السياسية بتداعياتها على واقعنا في الداخل الفلسطيني الذي يعيش حالة من غياب الخطاب السياسي القوي، وازدياد العنف المجتمعي. وتتنوّع آراء أبناء المجتمع في الداخل بين ضرورة التصويت أو المقاطعة، وبالأساس يُثار بينهم تساؤل حول جدوى المشاركة في الكنيست ومحدودية مجاله السياسي وتأثيراته الحقيقية، في ظل تخوفات من عدم المحافظة على النسيج العام والانجرار لنقاشات سياسية تؤدي لنتائج عكسية وسلبية.
صحيفة “المدينة” التقت الدكتور إبراهيم خطيب؛ الباحث في العلوم السياسية في مرحلة البوست دكتوراه في جامعة أكسفورد، وناقشت معه تداعيات انتخابات الكنيست المقبلة وتأثيراتها على مجمل الساحة السياسية من خلال قراءة متأنية ورؤية تحليلية لهذا المشهد.

تخبط إسرائيلي والانفجار مسألة وقت
يرى الدكتور ابراهيم خطيب أن المشهد في البلاد فيه نوع من التخبط الذي وضعت المؤسسة الاسرائيلية نفسها به، استمرار الحصار على شعبنا في غزة، التضييق على أهلنا في الضفة وتزامن ذلك مع سياسات تصعيدية في القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك على وجه الخصوص، جعل من الشعب الفلسطيني مُحاصَر بسياسات ضاغطة وظالمة وغير مقبولة، وخصوصاً مع ترافق ذلك مع توجهات أمريكية داعمة للمؤسسة الاسرائيلية وضاربة بعرض الحائط كل المواثيق والأعراف الدولية والحق الفلسطيني، ناهيك عن الوضع الاقليمي والعربي المتردي، بل والمتواطئ مع الاحتلال في بعض السياقات. بالتالي فإن وضع كهذا غير مُحتمل فلسطينياً ومسألة انفجاره في وجه الاحتلال هي مسألة وقت.
بالنسبة للطرف الإسرائيلي، يضيف خطيب: فإنه يستغل حالة التردي العربي والوضع الصعب فلسطينياً في ظل الانقسام والحصار وقطع الأموال للإمعان في قضم الحق الفلسطيني ومس الثوابت الفلسطينية والعربية والإسلامية في مجمل مسائل القضية الفلسطينية وفي مسألة المسجد الأقصى على وجه الخصوص وليس تصريح أردان الأخير المنادي جهاراً بصلاة اليهود في الأقصى وتقسيمه إلّا دليل على ذلك وأعتقد أن هذا التصريح وإن كان في خضم معركة إنتخابية إلّا أنه يتجاوزها ليبرز قناعات صهيونية جاء الوقت لإبرازها علناً.
أما بخصوص الأوضاع المتوترة مؤخراً على جبهة قطاع غزة فيرى الباحث في العلوم السياسية أن هناك عدة عوامل تلعب دوراً في تطور الأحداث، منها الحسابات العسكرية البحتة ونظرة إسرائيل لقدرتها لفتح معركة هناك وتحمل تبعاتها، وهنا تُفكر اسرائيل وقيادتها ملياً في هذا الموضوع وخصوصاً أننا في فترة انتخابات وبالتالي تريد معادلة تًظهرها منتصرة لكي لا تخسر المعركة الانتخابية وإذا ما استشعرت القيادة الإسرائيلية أنها لن تستطيع أو لن يكون بالإمكان تحمل تبعات معركة كهذه فإنها لن تقدم عليها الآن، وإذا ضمنت العكس فسيكون ذلك ممكناً بل ومحرك لكسب بعض النقاط ولكن بالقطع هذا ليس سهلاً مع الواقع القائم الآن ومعادلات القوة، التبعات الإنسانية والسياسية لمثل هذه الخطوة. كما يقول.

على الأقل أن نكون نحن لذاتنا!!
وعن واقعنا في الداخل الفلسطيني، فيقول د. إبراهيم خطيب عنه: إنه مًقلق مع تصاعد قضايا اجتماعية وسياسية عديدة مثل العنف، هدم البيوت والملاحقات. كل هذه القضايا الحارقة لها عدة جوانب مُتعلقة فينا نحن ومُتعلقة بوجودنا تحت كيان سياسي معادٍ لنا، وفي ظل حالة التردي هذه أعتقد أنه باتت الحاجة ماسة للوقوف مع الذات والعمل على بناء خطط والعمل عليها وفق رؤية استراتيجية لمستقبلنا، وتضافر الجهود للنهوض بمجتمعنا فإن لم نكن نحن لمجتمعنا فلن تكون المؤسسة الإسرائيلية حريصة علينا، هذا لا يعني عدم واقعيتنا وإدراكنا لدور السلطة ولكن في ظل سياسة ممنهجة ضدنا، يجب على الأقل أن نكون نحن لذاتنا.
وفي هذا السياق، ينوّه خطيب إلى أنه ذكر في مقال سابق له (الفلسطينيون في الداخل بين فقدان الأمل والتحدي..!) أن واجب المرحلة الآن هو زرع التحدي وتغيير الواقع، تخلّق قيادي جديد، بناء المؤسسات الوطنية، العمل الشعبي والانغماس بين الناس، وضع رؤى سياسية لواقعنا ومستقبلنا والعمل عليها وخلق التحدي وتثبيت الهوية بقوة ومسؤولية، كما على الشباب والواعدين من مجتمعنا التحرك وعدم الوقوف موقف المتفرج.
ويتابع: أما أحزابنا العربية وقيادتنا والمتابعة فعليها أن تسارع لأخذ دورها وكنت قد دعوت وما زلت لمؤتمر انقاذ وطني يشارك فيه الجميع. وأُضيف في ظل هذا الواقع القيمي المركّب الذي باتت تتراجع فيه بعض القيم والأخلاقيات أرى أن هناك واجباً على الوعّاظ والمصلحين أن يتداركوا الوضع الاخلاقي ويكونوا في صلب عملية حفظ للمعايير والقيم الاخلاقية التي تحفظ مجتمعنا في جميع الأبواب.

الأحزاب الكنيسيتية: لا جديد تحت الشمس
وحول انتخابات الكنيست الجديدة وإسقاطاتها وتداعيتها علينا كمجتمع عربي فلسطيني في هذه البلاد، يرى د. إبراهيم خطيب أن هناك حالة قديمة جديدة من التمحور السياسي وتصاعد التوجه اليميني في صفوف المجتمع الإسرائيلي والسياسيين الإسرائيليين، مع بعض التململ عند بعض الإسرائيليين من توجهات نتنياهو التي باتت عبئاً في بعض الأحيان.
ويضيف: المجتمع الإسرائيلي ما زال يفتقد للقائد القوي الذي يمكن أن يخلف نتنياهو وإن كانت لعبة المحاور والاستفادة من عقدة المقاعد داخل البيت اليهودي الإسرائيلي يًمكن أن تساهم في المقايضات السياسية لقيادة دفة الحكم في إسرائيل ولكنها ما زالت غير قادرة على استبعاد التوجه اليميني في الخارطة السياسية.
أما بالنسبة لنا كمجتمع فلسطيني في الداخل فلا جديد تحت الشمس من حيث التوجه النافي لشرعيتنا والذي يرانا كخطر على الدولة، مع محاولة البعض الاستفادة من الصوت العربي الانتخابي مع نفي مطالب وحقوق العربي المشروعة وهنا كانت مخادعة براك بالاعتذار. يقول خطيب.
بالنسبة لسياق الانتخابات في داخلنا الفلسطيني، يشير الباحث في العلوم السياسية، إلى أن مخاطرها تكمن في تأصيل خطاب المصالح والفوائد في القضايا المطلبية ووضعها في الواجهة على أنها على رأس سلم الأولويات مع تراجع سياق مواجهتنا لسياسات المؤسسة المنبثقة عن أننا جزء من شعب صاحب حق وهوية في صراع مع هذه المؤسسة، والقضايا المطلبية ليست أسمى أمانينا.
ويعتقد خطيب أن: بعض القيادات والأحزاب وفي محاولة لشرعنة عملها البرلماني ولأنها تحاول أن تكون مؤثرة ولأنها تماشت مع الفردانية المطلبية وكل هذا مع تردي الحالة الفلسطينية وتراجع الزخم الوطني للقضية باتت تتبنى هكذا خطاب، وكلي خشية أن يجرنا مثل هكذا خطاب للدخول في بوابة الأسرلة بقصد أو بدونه. على حد تعبيره.

ضبط النقاش والحجة بالحجة
وفي شأن النقاشات والتساؤلات التي تثار بين أوساط أبناء المجتمع الفلسطيني في الداخل حول جدوى المشاركة في الكنيست ومحدودية مجاله السياسي وتأثيراته الحقيقية عشية كل انتخابات، يعلق د. إبراهيم خطيب على هذا الموضوع ويقول: النقاش دائماً مهم في سياق المجتمعات، وهكذا هو النقاش في مجتمعنا في قضية الكنيست وأعتقد أن النقاش مهم ومثري لبناء توجه ورؤية والحفاظ على المشروع، لكن من المهم أن يكون هذا النقاش مضبوطاً وموضوعياً يتم فيه مقارعة الحجة بأخرى. وبنفس الوقت من المهم أن تكون منطلقات هذا النقاش ومآلاته واضحة، وما نلمسه مؤخراً هو تمترس حول المواقف وعدم الاعتراف بجوانب القصور.
ويستدرك حديثه بالقول: هذا لا يعني أهمية إظهار المواقف ودعوة الناس لتبنيها ولكن يجب أن يكون ذلك بإقناع ومع محافظة على النسيج العام وتفادي نتائج عكسية تتمثل بفقدان الثقة بالعمل السياسي لانجرار النقاشات السياسية لمآلات سلبية.

مطلوب: مقترحات بديلة وخطاب واضح
وعن المقترحات البديلة لمشروع الكنيست يقول خطيب: لا شك أن حالة المشاركة في الكنيست ومع حقيقة عدم نجاحها، بل وفي بعض الأحيان باتت تُساهم في إعطاء نفس لديموقراطية إسرائيل الزائفة ومشروعية توجهها (بقصد أو بدونه)، أقول إن هذه الحالة نابعة من محاولة التأثير أو الأمل في ذلك، وهذا رهان فاشل. ولكن بالمقابل يجب أن يكون لجمهور المقاطعين خطاب واضح في البدائل الممكنة لتوسيع رقعة المقاطعة، مع إدراكي أن مبدئية المقاطعة عند أصحابها وتعقيدات البدائل كافية عند أصحاب هذ التوجه للدعوة له.
ولكن أقول، يضيف د. إبراهيم خطيب، أن هناك حاجة لخلق حالة من التحرك باتجاه التأثير وكنت قد أشرت في مقال سابق لحاجة تنظيم عملنا السياسي في ظل وضعنا السياسي وتراجع الثقة بالأحزاب ويكون ذلك على النحوي التالي:
أولاً: الحاجة لتأسيس حراك جامع يضع نُصب عينيه قضايا شعبنا والعمل عليها بشكل ميداني في كل حارة وقرية ومدينة، وسلم الأولويات لهذا الحراك يكون بناء مؤسساتنا وانتخابها ويؤسس لعمل سياسي برؤى ووجوه وجهود متجددة. على أن لا يلغي التنوع الأيدلوجي وإيماننا الفكري، بل يمكن أن يكونوا رافعة لذلك.
ثانياً: العمل على بناء لجنة المتابعة وتحريك المياه الراكدة في هذا السياق من خلال الحراك الذي ذكرته سابقاً، أو من خلال إطلاق حملة شعبية يقودها الشباب، ويترافق ذلك مع عمل دؤوب في هذا المضمار، هذا التحرك يمكن أن يصل للتظاهر أمام المتابعة والأحزاب والضغط عليها لتغيير الواقع القاتم وإعادة بنائها.
ثالثاً: أُدرك تماماُ أن اختلافنا وخلافنا الأساسي مع المؤسسة الإسرائيلية، ويجب أن تكون جهودنا في ضد سياساتها من قانون القومية وحتى هدم البيوت. وهذا لن يكون إلّا إذا كنا مجتمعاً قوياً متماسكاً يثق بقيادته وينتخبها ويرى فعلياً على الأرض تضحياتها وعملها الميداني الواعي، الهادف والدؤوب.
رابعاً: التشرذم، أو الاختلاف أو التنوع في الآراء حول المشاركة في الكنيست قائم، ولكن يبدو أن جمهور شعبنا، ومع فشل تحصيل شيء ملموس بالمعنى الكبير داخل الكنيست، بحاجة لبرنامج وبديل مُقنع وواضح من خارجه ويجب على دعاة المقاطعة العمل على هكذا مشروع وعدم جعل موسم الانتخابات فقط دعوة للمقاطعة، فالناس تريد البديل مع إدراكي لمحدودية البدائل أحياناً ومبدئية المقاطعة.
خامساً: التنظيم السياسي هو رافعة مهمة لشعبنا وعلى الجميع المشاركة فيه، وما زلت أرى الحاجة ماسة لعقد مؤتمر انقاذ وطني يجمع الكل الفلسطيني في الداخل لمعالجة قضايانا الحارقة ومنها العنف، التأسيس لعمل جماعي إجماعي وبناء مؤسساتنا بانتخابات ورؤية شاملة.
ويختم الباحث في العلوم السياسية حديثه بالقول: إذا ما استمرت هذه الهشاشة السياسية فإن تراجع الانتماء، المشاركة السياسية والوضع الاجتماعي سيستمر وسنكون على أعتاب نكبات جديدة. وبالمناسبة الوقوف موقف المتفرج والانغماس في النقد عبر المنصات الاجتماعية لا يكفي، ولا يغيّر الواقع. بل نحن بحاجة لتضافر الجهود، المبادرة والعمل بجرأة، مع التأكيد على أن دوام الحال من المحال وتغيّر واقعنا للأفضل سيكون. ولكنه هذا الأمر بحاجة لرجاله ومبادرتهم!