لحظات قبل إقلاع الطائرة

لحظات قبل إقلاع الطائرة

الشيخ كمال خطيب

الرسائل النّصية والرسائل الربّانية
لسنين خلت كانت أشهر وسائل التواصل بين الناس هي الرسائل المكتوبة ترسل عبر محطات ومراكز البريد. فكان أحدهم إذا وصلته رسالة من عزيز أو صديق غاب عنه أو من خلف البحار فإنه كان يستلمها بشوق وترقب ويفتحها برقة وتلهف، ثم ما يلبث بقراءة كلماتها وسطورها لترتسم مضامين الرسالة على تقاسيم وجهه، فيظهر ذلك جليًا بابتسامة عريضة تملأ محياه، أو ملامح حزن وأسى يقرأها في عينيه وإن لم ينطق بها لسانه.
إنها الرسالة الغالية تصل من أحد الغوالي في بلاد الغربة، ليس فقط أنك تقرأها وإنما تخبئها في مكان آمن حيث تحتفظ بأثمن المقتنيات عندك، ولا تلبث بين المرة والمرة كلّما غلبك الشوق والحنين لتعود لفتحها وقراءتها وتلمسها من جديد، مع حرصك الشديد على العمل بوصية ونصيحة صاحب الرسالة لك وتنفيذها بحذافيرها لأنك على يقين أنه لا يريد لك إلا الخير وما فيه نفعك وصالحك، وأنه صادق في مشاعره نحوك.
أما وقد تطورت وسائل الاتصال اليوم فلم يعد وصول الرسالة يتطلب أشهرًا ولا أسابيعًا ولا أيامًا، وإنما هي لحظات تفصل بين أن يكتب لك أحدهم من بعيد بعيد رسالة على هاتفه، وبنقرة أصبع أو بكبسة زر، وإذا بها تظهر على شاشة هاتفك تقرأها وقد فصلت بينكم آلاف الأميال.
إنها الرسالة النصية أو الصوتية تصلك، وهي إما أن تسعد بقراءتها فتحتفظ بها أو أن يكون بها إساءة وأذى فتمحوها وتتخلص منها. فليس أن الرسائل النصية فيها ما يسرك وما يسيئك فقط، وإنما هي وإن كانت كلها خير ونفع وكانت من أحب الناس إليك، فإنها وبخلل في جهازك أو في شركة خدمة الرسائل فيس بوك أو تويتر أو غيرها فيمكن أن تمسح كل البيانات وتمحى الرسائل وغيرها من جهازك فماذا أنت فاعل؟؟؟
لكنه الفارق الكبير بين الرسائل النصية التي تصلك إلى هاتفك وبين الرسائل الربانية التي أرسلها إليك الله جل جلاله، حملها أمين السماء جبريل وبلغها أمين الأرض محمد صلى الله عليه وسلم وقد نقشت آيات خالدات في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
إنها رسائل السماء ليس فيها إلا النفع الخالص لأنها من عند الله الذي خلقك، وهو وحده سبحانه يعلم من يصلح لك {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} آية 14 سورة الملك.
وسواء كان في هذه الرسائل ما يأمرك بشيء تفعله أو ينهاك عن شيء ألّا تفعله فإن في كليهما الخير لك، وقد قال هذا من حمل ونقل الرسالة إليك محمد صلى الله عليه وسلم: “ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، ولا شيئًا يباعدكم عن الله إلا ونهيتكم عنه”. وكذلك من حمل الرسالة إلى قومه صالح عليه السلام {وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} 79 سورة الأعراف. وإذا كانت رسائل أهل الأرض النصية تصل إليك وفيها ما يفرحك وما يحزنك وما ينفعك وما يضرك، فإن رسائل السماء ليس فيها إلا النصح والنفع والفرح إن لم يكن في الدنيا فإنه في الآخرة.
إنها رسالة الله إليك يقول لك فيها على لسان نوح عليه السلام {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} آية 42 سورة هود. وإنها رسالة الله إليك على لسان لقمان عليه السلام يقول لك فيها {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} آية 17 سورة لقمان. وإنها رسالة الله إليك وإليكم وإلينا جميعًا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} آية 21 سورة النور. وإنها رسالة الله إليك وإلينا جميعًا يحذرنا فيها سبحانه من أن نتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} آية 144 سورة. وإنها رسالة الله إليك وإلينا جميعًا يأمرنا فيها أن نتبع ونطيع رسوله صلى الله عليه وسلم لأن في طاعته واتباع سنته الخير كل الخير {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} آية 59 سورة النساء. وإنها رسالة الله إليك وإلى كل من خلق سبحانه يطمئنك ويدعوك للتوبة وأنه سيقبلك مهما عظمت ذنوبك { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} آية 53 سورة الزمر.
وإذا كانت رسائل همسات ولمزات الشيطان إليك تدعوك للذنب وبعد الذنب تقنّطك من رحمة الله واليأس من مغفرته، فإن رسالة الله إليك يملؤها الحب لك وحثُّك فيها ألا تخضع للشيطان، بل أن تلوذ بالرحمن سبحانه الذي يعدك بالقبول وغفران الذنب إن أنت عصيت الشيطان وأطعت الرحمن.
إنها الرسالة النصية تكتبها أنت أو يكتبها لك غيرك ثم تجد فيها خطأ، أو أنك تريد أن تتراجع عنها وتمحوها. صحيح أنه بإمكانك محوها وإزالتها من حسابك، ولكنها تظلّ محفوظة في بنك المعلومات وقائمة البيانات الخاصة بك عند من يتحكمون بصفحتك وحسابك، ولعلهم يستخدمونها يومًا ضدك وفي غير صالحك، ويمكن أن يعيّروك بها أو أن تعطى لمن يمكن أن يؤذيك. أما رسالة السماء إليك فإنها تطمئنك أن الذنب الذي ترتكبه أو المعصية التي تقترفها، فإنك إذا ما أردت أن تتوب وتتراجع عنها وتمحوها من سجلّك وحسابك وكتابك، فإن الله تعالى وهو من يملك كتابك وحسابك ولا يتحكم به أحد غيره سبحانه فإنه يمحوها ولا يطلّع عليها أحد من خلقه أبدًا، لا بل إنه بكرمه وفضله وستره يجعلها لك حسنة ونورًا {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} آية 114 سورة هود. ثم أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال مخبرًا عن ربه سبحانه يقول للعبد المؤمن يوم القيامة وقد كان منه الذنب في الدنيا “عبدي إني سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرك لك اليوم في الآخرة”. وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “إذا تاب العبد وهو يعزم ألا يعود كفّر الله عنه كل سيئة، وأنسى الحفظة ذنوبه، ومحى من الأرض أثر خطاياه”.
انظروا إلى الفارق بين حسابك في الفيسبوك “كتاب الوجه” وبين حسابك في كتابك بين يدي الله، ذاك يجمعها لك ولا يمحوها أبدًا ولعله يومًا يفضحك، والله الجليل يمحوها لك ويسترك فلا يفضحك.

فمتى تحتمي أنت بربك؟
تخيّل نفسك بل لعله يمكن أن يكون قد وقع لك ذلك حقيقة، أنك كنت تمشي في البرية وإذا بك تمر على قطيع غنم، ومع القطيع الراعي وابنه الصغير، أما أنت ومن غير قصد فإنك تقترب من بعض الخراف الجميلة تريد أن تداعبها وفجأة وإذا بكلب الراعي يخرج إليك من بين الأغنام يظنك تريد سرقتها، فيهجم عليك ويوشك أن ينهش لحمك لأنك اعتديت واقتربت من حمى قطيع صاحبه وإذا بك تستغيث وتنادي، وفجاة وإذا بصبي صغير هو ابن الراعي يقترب منك فينادي كلبه الشرس ويحدثه بكلمات أنت لا تفهمها، فيصرفه بعيدًا عنك لا بل إنه يناديه ليهوي الكلب الشرس عند قدمي الصبي الصغير ذليلًا صاغرًا وديعًا وهو الذي قبل لحظات كان سيغرز أنيابه في جسدك ليمزق وينهش لحمك.
فإذا كان هذا حالك مع هجمة كلب عليك، فيجعلك تتوسل وتستغيث بصبيّ لم يبلغ الحلم وأنت الذي تكبره بالسنوات ذات العدد، بل ولعلك صاحب المكانة الاجتماعية والمنصب المرموق فيصبح الصبي ملاذك ومنجاك، فما بالك وأنت تتعرض لهجمات الشيطان يريد أن ينهش قلبك ويمزق إيمانك ويفترس ضميرك. إنه الشيطان عدوك الذي أعلن عداوته السافرة لك {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين} آية 82 سورة ص. إنه يريد أن يغويك وينهشك في كل فرصة ومناسبة. إنه ليس مثل كلب الراعي الذي لن يؤذيك إلا إذا اقتربت من قطيع سيده. فإذا كان الحال كذلك فإنها نداءات استغاثه منك بل ورجاء وبكاء ودموع وتوسل إليه وأنت تحتمي به سبحانه وتقف على بابه. نعم إنه ليس إلا الله سبحانه تحتمي به وتلوذ بجنابه وأنت تقول له “إلهي ومولاي عبيدك غيري كثير أما أنا فليس لي رب سواك”. وأنت تقول له {وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ} آية 47 سورة هود.
أما وإنك بين شدائد كثيرة كما قال صلى الله عليه وسلم: “المؤمن بين شدائد خمس: نفس تنازعه، وشيطان يضلّه، ومنافق يبغضه، ومؤمن يحسده وكافر يقاتله”. فأمام هذه السهام المصوبة إليك من كل جانب، وأمام هؤلاء الأعداء الذين يتربصون بك، فليس لك أبدًا إلّا أن تحتمي بربك وتلجأ إليه وترتمي على أعتابه، ويقينًا أنه لن يخذلك ولن يخزيك.
وما أجملها من كلمات قالها الأستاذ خالد أبو شادي أسأل الله أن يفك أسره وهو نزيل وأسير زنازين السيسي “كما يجتنب اللص الطفل الذي يسير في حراسة والديه، فكذلك الشيطان يجتنب الإنسان الذي يحتمي بربه”، {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} آية 42 سورة الحجر.

لحظات قبل إقلاع الطائرة
لا أحد منا يجهل طبيعة السفر بالطائرة وما يرافق ذلك من مواعيد دقيقة ومحكمة، ليس بالساعات بل بالدقائق. فيجب أن تصل إلى المطار قبل السفر بساعات من أجل إجراءات الدخول والتفتيش وختم الجوازات وغير ذلك، وطبعًا قبل خروجك من بيتك إلى المطار فإنها الاستعدادات اللازمة من إعداد حقيبة السفر وترتيب بعض التزاماتك اتجاه مكان عملك أو أسرتك أو غير ذلك.
ولعل من الناس من يقصّر في هذه الإجراءات ويتعامل معها بعفوية وفوضى، أو لعلها ظروف طارئة أو حادث سير في الطريق أو خلل في السيارة حال دون الوصول في الوقت المناسب. فلا تدخل إلى صالة المطار إلا وقد بدأوا ينادون باسمك عبر مكبرات الصوت، فلان المسافر إلى الدولة الفلانية على الطائرة والرحلة رقم كذا وكذا الرجاء الوصول فورًا إلى البوابة رقم كذا وكذا، فلا تجد نفسك إلا وأنت تجري بل وتركض ركضًا لإدراك الطائرة قبل الإقلاع. كل هذا والناس ينظرون إليك، ولعله يسقط منك بعض أغراضك دون أن تنتبه من شدة ذهولك وفي داخلك تتمنى لو يتأخر موعد إقلاع الطائرة ولو قليلًا. نعم قد يحالفك الحظ وتصل في اللحظات الأخيرة وقد يكون غير ذلك وعندها فإنك ستضطر لانتظار الرحلة القادمة لعلها بعد ساعات بل ولعلها بعد أيام.
فإذا كان هذا حالك في رحلة سفر إلى بلد آخر، فكيف برحلة سفرك إلى الدار الآخرة؟ إنه إذن يتوجب عليك الاستعداد وأن تكون على جهوزية عالية، حتى إذا جاء موعد الرحيل فإنك تمضي وأنت مطمئن إلى أن حقيبة سفرك وزادك جاهزة، وأن تذكرة دخول الجنة بإذن الله قد اشتريتها. إذا فاتتك رحلة الطائرة فإنك ستسافر في الرحلة القادمة، أما رحلة الدنيا فإنها إذا انقضت فلا مجال لغيرها ولا يوجد فرصة أخرى أبدًا.
إذا كان مسافر الطائرة يتمنى لو تأخر موعد إقلاع الطائرة لأي سبب حتى يلحق بها، وهكذا حال المسافر إذا جاء وقت سفره إلى الآخرة دون أن يكون قد استعد وأعدّ لذلك السفر عدته، فإنه يتمنى أن لو أعطي الفرصة {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} آية 11 سورة المنافقون. ولقد قال رسول الله صلى وسلم لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه: “يا أبا ذر أكثر الزاد فإن السفر طويل، يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق، يا أبا ذر خفف الحمل فإن العقبة كؤود، يا أبا ذر أخلص العمل فإن الناقد بصير”.
هكذا يكون حالك قبل رحلة الطائرة، فماذا يكون حالك قبل رحلة الآخرة؟
يا بني اركب معنا ويا أخي أسرع إلى طائرة الآخرة، فقد تكون رحلتك الأخيرة.
ويا أهلي اركبوا وسافروا في قطار الدعوة، ويا كل المسلمين لا تنسوا أبدًا أن تجددوا سفينتكم الإيمانية وإجراء الصيانة لها لأن البحر عميق. أسأل الله أن تصلوا إلى بر الأمان ودار السلام بسلام، اللهم آمين.


رحم الله قارئًا دعا لنفسه ولي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون