تحدّي الركون وحَملُ همِّ الأُمّة

تحدّي الركون وحَملُ همِّ الأُمّة

د. مهدي زحالقة
لا يخفى على أحد، أن الأمة وحتى تخرج من حالها التي آلت إليه، ومن سباتها، لا بد من تغيير. والتغيير عادة يكون صعبا، ويحتاج إلى أمرين أساسين هما الفهم والتربية.
أما الفهم فهو مصطلح واسع يوجّهُه الفكرُ الصحيح الذي من شأنه أن يؤدي في نهاية المطاف الى النهوض بِنَا أفرادا ومجتمعات، وبهذا نتربى على ما تربى عليه السلف الصالح بناء على القرآن والسنة مع الفهم الواضح أن دينَنا هو دين شموليّ يشمل جميع نواحي الحياة ويُحكَّم في كل أمورنا كبيرها وصغيرها.
ومع كل ذلك، الأمة تعاني اليوم في نظري حالةً من إِلف العادة ومن التسليم لما يجري. قانون العادة يقول إنه عندما تألف الأشياء وتكررها دون تفاعل، تصبح عادة. تخيّل ماذا لو كانت هذه العادة ملازمة لحالة احباط وركون وقبول للحال!
وماذا لو كانت هذه العادة هي حال أمة بأكملها؟
ألم تر أنه لم يعد هناك تفاعل أو رد فعل يهز العالم من حولنا! هل هذا لأن الأحداث ضعيفة؟ لا والله. أم هي حالة ضعف لقلة الوسائل؟ أم حالة خوف من المردود؟ أم حالة هروب من الواقع؟ أم أن اهتماماتنا باتت لا تتعدى البيت والزواج والسيارة والرحلات والرفاهيات!
الحقيقة أن الأحداث الأخيرة، من اعتقال الشيوخ والعلماء، وتقطيع ألسن المعارضة أو المنتقدين، وكسر أقلام المفكرين، واعتقال الزعماء وقتلهم في السجون وآخرهم الدكتور محمّد مرسي رحمه الله. كل هذه الأحداث كافية أن تهز الجبال والأمم هزّا، فماذا جرى لقلوبنا!
أما صفقة القرن أو سمّها صفعة القرن، والتي صفعت العُربان، فبدلا من أن يستفيقوا من سباتهم وذلّهم، ناموا نومة أهل الكهف ولكن بالمنامة. لم يعد لهم هيبة وقرن ولا قرون، حينما بيعت العروش بالقروش. لكن هذه الصفقة ستفشل بإذن الله، ولم ولن تُباع القدس وفلسطين! أما أنتم يا حكام العار، فقد سقطتم في اختبارات الرجولة والوطنية، وتفوقتم في تقديم الخيبات والمذلة لأنفسكم ولبلدانكم. واعلموا أن القدس لن تباع ولا فلسطين بصفقة وهمكم يا سادة الجهل والظلم والظلام. أتدرون لماذا! لأن فلسطين لا يملكها إلّا أهلها الشرفاء، ولستم منهم.
أيها الإخوة الكرام وأيتها الأخوات الكريمات، أصبح الأنسان العربي والفكر الإسلامي الحق والدم المسلم مستهدفا، ومستنزفا في كل مكان، ليس الآن بل منذ زمن. ولا نسمع أصوات صرخات متألمة ومكافحة إلّا ما خَفَت منها ولا له أثر! فهل رضيت الأمة أن تشرب كل يوم كأس ذل ممزوج بمنوّم لتبقى في سبات. أم هل الأمة لم تعد تحمل همّها أو همومها الكبرى!
على الرغم من أن لنا عزاء في بعض الشعوب المستيقظة والتي لا تخاف الموت٫ لكنها لا زالت حالات مؤقتة عينيّة غير ثابتة.
لذلك، وعودة الى مسألتي الفكر والتربية، علينا أن نعمل جاهدين، كل واحد من مكانه على إنشاء الجيل الذي سيحمل الهموم الكبرى لهذه الأمة. إذا أنشأنا جيلا يحمل همّ هذا الدين وهمّ الأمة جمعاء، حينها سنبدأ بالتغيير المنشود.
أسئلة مصيرية حول الهمّ الذي يحمله شباب هذا العصر، يمكنها أن تعلمنا الكثير. أي همّ يحملون! أين يغضبون ولأجل أي همّ يغضبون! هل غضبهم لحطام الدنيا ومغرياتها أم يغضبون لله ويغضبون لرسول الله صلّى الله عليه وسلم ويغضبون لهموم الأمة العظمى.
ثم أنه آن الأوان أن نفهم أن العداء علينا نحن المسلمين إنما هو عداء وصراع عقائدي وفكريّ وحضاري. والعجيب أن هناك من أبناء جلدتنا السذّج من لا يزال يظن ان الصراع والمعاداة هي على المال والنفط والأمور المادية. أي نعم، الغرب دائما يطمع ويهتم بالمال، لكن ليس هذا هو الأساس. ثم إن أموال العرب والمسلمين ونفطهم وجميع خيراتهم، كل ذلك يصل إليهم بلا جهد ولا تعب. فالصراع إذن عقدي وفكري، صراع ومعاداة لفكرنا خاصة الفكر الوسطي الذي هو الوحيد الذي يُحارَب اليوم من العالم أجمع، لأنه يخيفهم ويخشونه لما فيه من اتجاه صحيح للبوصلة، ذاك الاتجاه الذي من شأنه ان ينهض بالشعوب العربية والإسلامية ويحررها من عبوديتها، الأمر الذي يتعارض مع مصالح الطغاة وداعميهم في كل مكان وعلى مر الأزمان.
بلاد العرب والمسلمين تعاني من أزمات حقيقية. الأمة لا ينقصها المال ولا تنقصها الموارد، إنما ينقصها التوزيع السليم والعدالة في ذلك. فالإسلام دعا إلى العدالة الاجتماعية والاقتصادية وتوزيع الثروات إلا أن الواقع يقول إن الأموال بيد الملوك والأمراء، والشعوب تجوع وتستصعب إيجاد الخبز والماء في كثير من الأماكن والأحيان. أولئك الملوك والأمراء والرؤساء مغتصبون للحكم والرئاسة، إما ورثوها أو انقلبوا على إرادة شعوبهم ليحكموهم بالحديد والنار، فأصبح حكمهم وراثة أو انقلاب يرفض حكم الله، ويحاربون أي صحوة لشعوبهم، فتراهم يحرصون كل الحرص على أن تبقى شعوبهم ذليلة تبحث عن لقمة العيش، لتنشغل عن القضايا الكبرى المهمّة.
وفي الوقت الذي يكون هؤلاء الانقلابيون والرؤساء المغتصبون للحكم أسودا ووحوشا مفترسة على شعوبهم، هم في نفس الوقت أذلاء وضعفاء بين زعماء العالم الغربي، لا يستطيعون إلا تقديم صورة مخزية في كل محفل أو اجتماع دولي.
وأخيرا، ما هو المطلوب منا؟
المطلوب منا أن نؤمن بقدراتنا المستمدّة من فكرنا الوسطي، وأننا نريد الخير، وأننا على حق، نريده وندافع عنه. هذا الفكر موجود في بلداننا الإسلامية، بل هو الأغلبية، على الرغم من المحاولات المستميتة والمستمرة على مر العصور لطمسه وتشويهه.
علينا أن نحافظ على هذا الفكر مع التفاؤل بنصر الله القادم، الذي سيعمّ العدل فيه كلّ الدنيا، وينتصر الحق، وينطمس الباطل وأصحابه.
كفانا ضعفا وهزيمة وذل وخوف واحباط، فالرؤية واضحة والطريق مرسومة وواضحة الملامح وقلوبنا القاحلة تحتاج الى أن تحيا من جديد. رغم أن طريقنا يصعب يوما عن يوم، ولكنا لا بد أن نسير بالنور اليسير لنبدد ظلمة قلوبنا.
ولنا قدوة ولنا نور نسير فيه وعليه، هو نور رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. لنا فيه أسوة حسنة كيف واجه المشقات والمحن والصعوبات والابتلاءات، ولكنه صبر، ثَبَت، وانتصر.
كل يوم نكرر “اهدنا الصراط المستقيم”، الطريق واضح نحو طريق الحق، وهو ما رسمه لنا الله تعالى ورسمه رسولنا صلّى الله عليه وسلّم.
ألم تسمع قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: “الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة”.
واجبنا أن نعيد الخير للأمة، ونستقيم على الطريق الحق المستقيم، وننبذ الركون وقبول العادة والعشوائية والإحباط.
إن ما يدور حولنا من ظلم وانكسار وألم لا بد أن يكون مصدر قوة لنا لا ضعف وانتكاس، لنجدد العهد مع الله، بل ولنصمّم على دعوتنا ورسالتنا. مطلوب منا جميعا أن نتقن فن تحويل المحن إلى منح لنصل فيها الى الله. ولنحقق غايته تعالى في الأرض. مطلوب منا جميعا أن نحمل همّ الإسلام والمسلمين، لنغير التاريخ والحضارة ولنجدد العهد مع أنفسنا ومع أمتنا ومع ربنا ولنبدأ النهوض والسير في الطريق.
على كل واحد منا في هذه المرحلة المهمة التي تعيشها أمتنا، أن يرتب أوراقه سائلا ومحاسبا نفسه ماذا قدم لدين الله، وماذا قدّم لرسول الله صَلّى الله عليه وسلم. على كل واحد منا أن يسعى ليقف أمام الظلم آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، عسانا نلقى الله مع رصيد غني قدمناه للأمه وللإسلام.
الإسلام منتصر إن شاء الله، والحق منتصر لا شك في ذلك إن شاء الله. كيف لا، وهذا وعد من الله عز وجلّ، ووعد من رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
ويقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا.